Picture taken on March 16, 2009 shows Russian ballerina Diana Vishneva of the Mariinsky theatre reflected in a mirror while…
انعطاس لصورة راقصة البالية الروسية ديانا ڤيشانڤا

"المرايا" اسم آلة جمع مرآة. تعود إلى فعل الرؤية والماهية المرئية. المثير للاهتمام في هذا السياق، هو الأبعاد اللغوية الظاهرة والباطنة المساهمة في نحت الكلمة، المتداخلة بين الرؤية الظاهرية المادية، والإدراك الباطني الخفي للكلمة. 

في العودة إلى المصادر والاشتقاقات العديدة للكلمة، تظهر تقاطعات مختلفة للمعنى، لكن بعض سياقاتها اللغوية تفضي إلى التشكيك بحقيقة ما يُرى من عدمه. فمثلا "المُرية" بضم الميم يعني الجدل والشك. ما يستدعي إلى التساؤل عن المبرر خلف وجود اشتاق يحوي معنى الشك في ما يُرى، والرغبة في البحث عن حقيقة الأشياء من حولنا من أكثرها بديهية وألفة، حتى التحديق في انعكاساتنا الظاهرة في المرآة، أهي حقيقية؟ تخيلات؟ أو أوهام؟

عصر الباروك

المرآة المستوية. مرآة فيلاسكيز الضبابية

تعكس المرآة المستوية في لوحة "وصيفات الشرف" للفنان الإسباني "دييغو فيلاسكيز" الشك والجدل في رؤية المعكوس، والتساؤل عما هو حقيقي ووهمي. حيث يظهر في المرآة الموجودة المعلّقة على الحائط الخلفي ـ كما يفترض ـ الملك "فيليب الرابع" وزوجته بانعكاس شبحي يكاد يتلاشى. كأن وجود النصف العلوي من الشخصيتين في المرآة تم بفعل الإقحام والصدفة بسبب سطح عاكس استقر أمامهما، حضورهما موضوع ثانوي لا حاجة لتوثيقه.

فعل التحديق المشترك بين الفتاة الصغيرة وبعض الشخصيات الأخرى من المشهد من بينهم "فيلاسكيز"، موجه إلى خارج محتوى اللوحة ذاتها، لكن المرآة تعطي لمحة بسيطة غير مؤكدة عن المحدق به نحوه.

تموضع المرآة في اللوحة ثابت. ما ينعكس عليها متغيّر ومتحوّل وقابل للتبديل مع تحرك الكتلة، التي في طبيعة الحال كتلة فانية.

يحمل انعكاس المرآة هنا تحديا للسلطة، حيث أن الملك والملكة، حضورهما غير مباشر إلا في المرآة المتواجدان أمامها مصادفة أو عن رغبة، ليس واضحا. ظهور هزيل يثير الشك بمدى ثبات السلطة الحاكمة والتساؤل: أهما شبحان أو مجرد وهم ذهني، وكأن بهذا التشكيك دعوة إلى السخرية من السلطة، الذي حكما يؤول إلى زعزعة قدسية ديمومتها، وتحرير من حولها. ليستبدل فعل الطاعة "الأعمى" إلى التشكيك والرغبة في رؤية المخفي والتحديق به.

تناول "ميشيل فوكو" في مقدمة كتابه "الكلمات والأشياء" الحدود المرئية وغير المرئية في لوحة "وصيفات الشرف". تحديق بعض شخصيات المشهد المهيمن في فراغ ثلاثي الأبعاد من حيث التكوين، والإضاءة والوضعيات المختلفة بين الكتل. النظرات متوجهة نحو مكان مجهول، لكن موجهة أيضا نحو المشاهد، أو الجمهور العابر، زوار المتاحف وصالات العرض المستمر توافده بعد فناء جميع الشخصيات بمئات السنين، الفاني بدوره أيضا أمام ثبات أحداث اللوحة التي حدثت ووثقت في لوحة.

عصر النهضة

بتقاطعات مشتركة لـ "مرآة فيلاسكيز" في إظهار انعكاس مشوش، بماهية ضبابية خلافا للواقع، والسخرية من نفوذ سلطة ما. تتحدب مرايا الفنان الهولندي "يان فاك آيك" في لوحته "بورتريه أرنولفيني" متمردة على الشكل المعتاد للأسطح الانسيابية والمستوية. فانحناء سطح مرآة سواء كان محدبا (منتفخا للخارج) أو مقعرا (مندفعا للداخل) ينتج محتوى بانعكاس مشوه، إما حجم كبير جدا متخذا سياق المضاعفة والتكثيف، أو حجم مبالغ في الصغر؛ وراء رغبة خفية نحو التهديم أو التقليص.

المرآة المنحنية. مرايا "يان ڤان آيك" المحدبة

يطفو رأس المرأة من بين طبقات من القماش، تبدو وكأنها متماهية جماليا مع السرير، أو مكملة له وظيفيا. الشخصيتان (الزوج والزوجة) متوسطان المشهد. رغم أن اللوحة ـ بحسب نظريات تاريخ الفن ـ توثق مراسم عقد زواج، إلا أن ملامح الشخصيتان خالية من التعابير، والأداء الجسدي مضبوط لضرورات الرسم، كدمى أو مجسمات عرض. مجرد من الحيوية الفردية.

في الخلفية تتوسط مرآة محدبة، تعكس سقف الغرفة والأرضية وجزء قليل جدا من الفضاء الخارجي، إضافة لشخصين مجهولين عند باب الغرفة. مرصعة بأيقونات تمثل سرديات لحياة المسيح، كأن المرآة هنا عين الله، مفتوحة على اتساعها، تراقب الحدث "المقدس" وتباركه.

من وجهة نظر مختلفة كليا إثر دراسة أجراها الفنان "ديفيد هوكني" في كتابه "المعرفة السرية: إعادة اكتشاف التقنيات المفقودة للأساتذة القدماء" (Secret Knowledge: Rediscovering the Lost Techniques of the Old Masters). يشك هوكني في قدرة العين "وحدها" على التقاط تفاصيل متماهية في التعقيد وإعادة نقلها. الثريا المعلقة في اللوحة على سبيل المثال. حيث تحتاج العين إلى أدوات مساعدة كالعدسات والمكبرات والمرايا تتناسب مع واقعية اللوحات. ويرجح بأن المرآة المحدبة في اللوحة هي عين آيك الثالثة وليست من ضمن مقتنيات الزوجين.

أثارت نظرية هوكني الكثير من الجدل من قبل بعض مؤرخي ونقاد الفن بين مؤيد ومعارض، إذ أنها تهدم عبقرية فنية تتغنى بها فضاءات العرض والمتاحف وكتب التاريخ، إلى فعل أشبه بالنسخ الاستشفافي وتلوين الرسومات في دفاتر الأطفال.

بين وجهة نظر هوكني وتشكيكه تجاه تقنيات وقدرات فنية تعد عبقرية في تاريخ الفن، والاشتقاقات اللغوية لفعل الرؤية الذي يقود أحيانا إلى الالتباس والتباين، تضاعف الأسطح العاكسة؛ أكانت مستوية، محدبة أو مقعرة الرغبة نحو التحديق أكثر، وطرح تساؤلات عن المرئي والمخفي ضمن قدرات بصرية خادعة أحيانا، أكبر آلية دفاع تملكها إغلاق الجفنين أمام لكمات العالم الخارجي.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!