Black Lives Matter protesters (R) stand next to protesters opposed to the changing of the Mississippi state flag (back) outside…
متظاهرون مؤيدون لحملة "حياة السود مهمة" أمام مبنى مجلس النواب في ولاية ميسيسيبي خلال نقاش المجلس قانونا لتغيير علم ولاية ميسيسيبي وحذف رمز الاتحاد الكونفدرالي يقابلهم متظاهرون رافضين لهذا القانون

يسمونه الميسيسيبي الجبّار. هو نهر الميسيسيبي، الأطول في الولايات المتحدة، وأحد أطول الأنهر في العالم. يشق البلاد من الشمال إلى الجنوب، وتبدأ قطراته الأولى من ولاية مينيسوتا، ويصب طوفانا جامحا في خليج المكسيك بعد أن يقطع ولاية لويزيانا ويعرج على مدينتها الأسطورية نيو أورلينز التي أعطت اميركا والعالم موسيقى الجاز، وربما أشهى مطبخ في العالم. 

وكما لا يمكن تصّور مصر دون نهر النيل، لا يمكن تخيل أميركا دون نهر الميسيسيبي. حتى لاسم ميسيسيبي وقع موسيقي خاص. أنظر إلى الحروف Mississippi المتتابعة وكيف تتراقص في الفم عندما تلفظ الاسم. 

لنهر الميسيسيبي مكانة متميزة في الذاكرة الجماعية للأميركيين، اسمه ارتبط ارتباطا عضويا بتاريخ الولايات المتحدة وحياتها الاقتصادية والثقافية وأهم أحداثها مثل الحرب الأهلية. جغرافيا يقسّم الأميركيون بلادهم بالإشارة إلى "شرق الميسيسيبي" و "غرب الميسيسيبي". أصل الاسم يعود لإحدى "القبائل" الأصلية وتعرف باسم  Anishinabe، والاسم يعني ببساطة "النهر الكبير" أو "أب المياه".

نهر الميسيسيبي حاضر بجماله الأخاذ وطوفاناته الرهيبة ورموزه المتناقضة في روايات مارك توين، ووليام فولكنر وقصائد لانغستون هيوز ومسرحيات تينيسي وليامز. أحيانا يتحول النهر في هذه الأعمال الأدبية إلى شخصية رئيسية مهيمنة ولكن لها لغتها الخاصة. ارتبط النهر بتجارة العبيد وبتوقهم للحرية. في رواية مارك توين The Adventures of Huckleberry Finn النهر هو رمز لحرية المستعبد جيم، ويبقى النهر هو الشخصية الرئيسية في الرواية. 

في عقدي الخمسينيات والستينيات ارتبط اسم ولاية ميسيسيبي بحدثين عنصريين مروعين هزّا الولايات المتحدة، وتحولا إلى معلمين رئيسيين على مسيرة الأميركيين لتحقيق المساواة ونبذ التمييز العنصري

لا أحد يعلم عدد أغاني البلوز التي تتضمن إشارة أو أكثر إلى نهر الميسيسيبي. هذه الأغاني تصف طيفا واسعا من المشاعر: التوق للحرية، أو للحبيب، الوعد بالعطاء والخصب، وأيضا عقاب الفيضانات، كما تصف معركة لا نهاية لها مستمرة منذ أكثر من قرنين للسيطرة على مسيرة النهر وضبط فيضاناته بالسدود الترابية، التي يحلو للميسيسيبي كل بضعة سنوات أن يذكر من يعيش على ضفافه أن حريته مطلقة وأنه سيشق طريقه كما يرتأي، وأنه سيعاقب كل من يحاول أسره. أليس اسمه الميسيسبي الجبار؟

إحدى الأغاني الأولى لجوني كاش، أحد أهم المغنين والموسيقيين الأميركيين في القرن العشرين، والذي أدمنت على موسيقاه منذ صباي، اسمها "النهر الكبير" التي يصف فيها تنافسه مع نهر الميسيسيبي على قلب امرأة التقاها في مدينة سانت بول بولاية مينسيوتا الشمالية وكيف تعقبها عبر أهم المدن على ضفاف النهر إلى أن اختفت في مدينة نيو أورلينز الجنوبية، حيث يعترف في النهاية بإخفاقه قائلا: "تحبك أيها النهر الكبير، أكثر مما تحبني".

يعبر نهر الميسيسبي أو يحد عشرة ولايات، من بينها ولاية ميسيسيبي التي يحدها من الغرب. عدد سكان هذه الولاية المحافظة هو أقل من ثلاثة ملايين نسمة، وتصنف على أنها أفقر ولاية في الاتحاد الفدرالي لأكثر من سبب من بينها سوء نوعية التعليم. ولاية ميسيسيبي أعطت أميركا والعالم في القرن العشرين هديتين قيمتين لا مثيل لهما: موسيقى البلوز، وهي الموسيقى التي خلقها وطورها المتحدرون من المستعبدين والتي ولدت في بداية القرن الماضي في المنطقة المعروفة باسم دلتا الميسيسيبي ومن هنا أسم أهم فرع من فروع موسيقى البلوز Delta blues. 

موسيقى البلوز تعتبر أم معظم أنواع الموسيقى الأميركية التي انتشى ورقص على أنغامها العالم بكامله، لأنها أثرت على موسيقى الجاز في بداياتها في نيو أورلينز، وكما يقولون "أنجبت" موسيقى الروك إند رول. بعض أبرز موسيقيي البلوز أضافوا النهر إلى اسمهم مثل  Mississippi Fred McDowell و Muddy Mississippi Waters أو استعاروا اسم النهر لتسمية فرقتهم  The Mississippi Sheiks ( شيوخ ميسيسيبي من أكثر الشيوخ في العالم موهبة).

بين موسيقى البلوز ووليام فولكنر وضعت ولاية ميسيسيبي نفسها في مرتبة عالية على قائمة الإبداع الأميركية

الهدية الثانية اسمها وليام فولكنر، الحائز على جائزة نوبل للآداب والذي يعتبره العديد من النقاد أهم روائي أميركي في القرن العشرين، وقطعا أعظم روائي وكاتب خلقه الجنوب الأميركي. روايات فولكنر صعبة وغنية بشخصياتها وسوداوية في مناخاتها، وتدور أحداث معظم هذه الروايات في مقاطعة وهمية في ولاية ميسيسيبي سمّاها فولكنر Yoknapatawpha County. وبين موسيقى البلوز ووليام فولكنر وضعت ولاية ميسيسيبي نفسها في مرتبة عالية على قائمة الإبداع الأميركية.

ولكن لولاية ميسيسيبي وجه آخر، يستحق أن يسمى أبشع وجه لأميركا. وعلى مدى معظم تاريخها كانت ولاية ميسيسيبي الولاية الأكثر عنصرية في البلاد. ومن "مزاياها" أنها احتلت المرتبة الأولى بين الولايات التي شهدت أعلى رقم لعمليات شنق وحرق جثث أميركيين من أصل أفريقي بين سنتي 1882 ـ 1968 على أيدي رعاع عنصريين.

في القرن العشرين، وتحديدا في عقدي الخمسينيات والستينيات ارتبط اسم ولاية ميسيسيبي بحدثين عنصريين مروعين هزّا الولايات المتحدة، وتحولا إلى معلمين رئيسيين على مسيرة الأميركيين الطويلة لتحقيق المساواة بين المواطنين ونبذ التمييز العنصري. 

في أغسطس 1955 دخل شاب أسود اسمه Emmett Till عمره 14 سنة، إلى محل تجاري صغير في بلدة صغيرة في ولاية ميسيسيبي لشراء الحلويات. الشاب، جاء من مدينة شيكاغو لزيارة عمه في ميسيسيبي. المرأة البيضاء التي كانت تدير المحل اتهمت Emmett Till بأنه تحرش بها وأمسكها وصّفر لها. يعدها بأيام قام زوجها وشقيقه بزيارة العم، واختطفا الشاب. 

ما حدث بعدها للشاب اليافع يصعب وصفه. العذاب الطويل الذي تعرض له Emmett Till   خلال الساعات التي عقبت اختطافه ظهر على جسده ووجه المشوه بعد أيام حين انتشال جثته من النهر. وعلى مدى ليلة بكاملها في كاراج وراء منزل صاحب المحل، تعرض الشاب للضرب على رأسه وجسده. لاحقا أرغمه معذبوه على حمل آلة لنسج القطن وزنها 75 باوند إلى جسر فوق نهر Tallahatchie وطلبا منه خلع ثيابه. بعدها تعرض لضرب مبرح، ووصل التعذيب إلى ذروته حين قام الجلادين بفقئ عيني Emmett Till  وبعدها أطلقا رصاصة على رأسه وقتلته. بعدها استخدم القتلة الأسلاك الشائكة لربط جثة القتيل بآلة نسج القطن ورميا الجثة في النهر. 

لولاية ميسيسيبي وجه آخر، يستحق أن يسمى أبشع وجه لأميركا. وعلى مدى معظم تاريخها كانت ولاية ميسيسيبي الولاية الأكثر عنصرية في البلاد

حين عثر على الجثة بعد ثلاثة أيام لم يتعرف عليها عم القتيل إلا بعد معاينة خاتم بقي على إصبع الضحية. بعد أسابيع من الجريمة حوكم القتلة من قبل هيئة محلفين من البيض، الذين تداولوا لأقل من ساعة قبل تبرئة القتلة.

كان لجريمة قتل هذا الشاب أن تضاف إلى قائمة الجرائم العنصرية الطويلة في ميسيسيبي وغيرها من الولايات الجنوبية، لو لم ترفض والدة Emmett Till بشدة محاولات السلطات المحلية التغطية على الجريمة من خلال دفن الضحية في ولاية ميسيسيبي. ما فعلته والدة الضحية لاحقا، رفع من مكانة هذا الشاب المغمور قبل قتله، إلى رمز لنضال الأميركيين من أصل أفريقي للحصول على كامل حقوقهم المدنية. 

فقد أصرت والدة الضحية واسمها Mamie Bradley ليس فقط على استعادة جثة ابنها، بل أن تكون جنازته في تابوت مفتوح، لكي يشاهد ملايين الأميركيين الجثة المشوهة، ولإرغامهم على مواجهة آفة العنصرية ونتائجها الاجرامية. في السنوات اللاحقة لجريمة قتله، أصبح  Emmett Till رمزا من رموز حركة الحقوق المدنية.

في يونيو 1964 قامت عناصر من تنظيم كوكلاكس كلان الإرهابي، بمن فيهم عناصر من الشرطة بقتل ثلاثة ناشطين في مجال الحقوق المدنية في بلدة ميريديان بولاية ميسيسيبي، جاؤوا من خارج الولاية لتسجيل المواطنين من أصل أفر يقي للمشاركة في الانتخابات. اثنان منهما Michael Schwerner, Andrew Goodman أبيضان من شمال البلاد، والثالث James Chaney من أصل أفريقي. 

المسؤول المحلي عن التنظيم الإرهابي Sam Bowers قرر قتل الناشطين لوقف مثل هذه النشاطات التي كانت تنظمها منظمات شمالية تعنى بالحقوق المدنية  للأميركيين السود. بعد اعتقال الشرطة للناشطين الثلاثة لإعطاء المجال لأعضاء التنظيم الإرهابي بالتحضير للجريمة بما في ذلك حفر ثلاثة قبور، جرى إطلاق سراحهم، ليتعقبهم العنصريون إلى منطقة نائية حيث تم اغتيالهم ودفنهم.

عندما أرسل مكتب التحقيقات الفدرالي عناصره إلى ميسيسيبي للتحقيق بالجريمة، امتنعت السلطات المحلية عن التعاون معهم، وأمضى عناصر المكتب وقتا طويلا قبل العثور على الجثث. وعندما رفضت الولاية محاكمة المشتبه بهم، بعد أن كشف مخبر محلي هويتهم، قامت الحكومة الفدرالية بالادعاء على 18 شخصا واتهمتهم بالتآمر لقتل الناشطين الثلاثة. ولكن هيئة المحلفين المكونة من مواطنين بيض، حكمت ضد سبعة من المتهمين من بينهم رئيس التنظيم، ولكنها برأت ثمانية متهمين، ولم تصدر أي حكم على ثلاثة آخرين. 

ما قامت به ولاية ميسيسيبي يوم الأحد، كان انتصارا رمزيا ولكن هاما في نضال طويل نأمل أن يبعد ميسيسيبي أكثر عن إرثها العنصري والمؤلم

وبسبب ضغوط المسؤولين في واشنطن لمعاقبة الفاعلين، تحولت هذه الجريمة البشعة إلى معلم آخر على طريق النضال لحركة الحقوق المدنية. واستمر الاهتمام بالقضية حتى العقد الثاني من القرن الجديد، لأن بعض المسؤولين عن الجريمة أفلتوا من العقاب. ففي يونيو 2005 صدر حكم ضد  Edgar Ray Killen الذي كان عمره آنذاك ثمانين سنة بالضلوع بالجريمة وتنفيذ عقوبة بالسجن لمدة ستين سنة، حيث توفي في السجن في عام 2018.  في سنة 1988 أنتج فيلم عن الجريمة باسم Mississippi Burning.

يوم أمس (الأحد) دخلت ولاية ميسيسيبي التاريخ مرة أخرى من بابه العنصري، ولكن هذه المرة في محاولة لإغلاقه وقفله. ففي أعقاب الضغوط الشعبية التي فجرتها جريمة قتل شرطي أبيض لجورج فلويد الأميركي الأفريقي الأصل في مدينة مينيابوليس قبل أكثر من شهر، وبعد تفاقم الضغوط التي فرضتها شركات كبيرة، ومنظمات مهنية، صوت مجلسي النواب والشيوخ المحليين لتغيير علم ولاية ميسيسيبي وحذف رمز الاتحاد الكونفدرالي الذي انفصل عن الشمال وتسبب بالحرب الأهلية من الزاوية العليا اليسرى في علم الولاية والموجود على العلم منذ 126 سنة. 

وكان هذا الرمز الكونفدرالي موجودا على أعلام ولايات جنوبية أخرى في السابق، ولكن تم حذف هذا الرمز العنصري في العقود والسنوات الماضية من جميع الولايات باستثناء ميسيسيبي، التي هزم الناخبون فيها قبل أقل من عقدين استفتاءً يدعو إلى تغيير علم الولاية. ومن هنا أهمية قرار ولاية ميسيسيبي، المتأخر جدا.. 

هذا الانتصار المحدود والرمزي مهم للحركة الاحتجاجية التي فجرتها جريمة قتل جورج فلويد، والتي أكدت من جديد أن الحرب الأهلية الأميركية التي بدأت في أبريل 1861 لا تزال مستمرة، وما قامت به ولاية ميسيسيبي يوم الأحد، كان انتصارا رمزيا ولكن هاما في نضال طويل نأمل أن يبعد ميسيسيبي أكثر عن إرثها العنصري والمؤلم، ويقربها أكثر من جمال موسيقى البلوز، وإبداع وليام فولكنر.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.