Black Lives Matter protesters (R) stand next to protesters opposed to the changing of the Mississippi state flag (back) outside…
متظاهرون مؤيدون لحملة "حياة السود مهمة" أمام مبنى مجلس النواب في ولاية ميسيسيبي خلال نقاش المجلس قانونا لتغيير علم ولاية ميسيسيبي وحذف رمز الاتحاد الكونفدرالي يقابلهم متظاهرون رافضين لهذا القانون

يسمونه الميسيسيبي الجبّار. هو نهر الميسيسيبي، الأطول في الولايات المتحدة، وأحد أطول الأنهر في العالم. يشق البلاد من الشمال إلى الجنوب، وتبدأ قطراته الأولى من ولاية مينيسوتا، ويصب طوفانا جامحا في خليج المكسيك بعد أن يقطع ولاية لويزيانا ويعرج على مدينتها الأسطورية نيو أورلينز التي أعطت اميركا والعالم موسيقى الجاز، وربما أشهى مطبخ في العالم. 

وكما لا يمكن تصّور مصر دون نهر النيل، لا يمكن تخيل أميركا دون نهر الميسيسيبي. حتى لاسم ميسيسيبي وقع موسيقي خاص. أنظر إلى الحروف Mississippi المتتابعة وكيف تتراقص في الفم عندما تلفظ الاسم. 

لنهر الميسيسيبي مكانة متميزة في الذاكرة الجماعية للأميركيين، اسمه ارتبط ارتباطا عضويا بتاريخ الولايات المتحدة وحياتها الاقتصادية والثقافية وأهم أحداثها مثل الحرب الأهلية. جغرافيا يقسّم الأميركيون بلادهم بالإشارة إلى "شرق الميسيسيبي" و "غرب الميسيسيبي". أصل الاسم يعود لإحدى "القبائل" الأصلية وتعرف باسم  Anishinabe، والاسم يعني ببساطة "النهر الكبير" أو "أب المياه".

نهر الميسيسيبي حاضر بجماله الأخاذ وطوفاناته الرهيبة ورموزه المتناقضة في روايات مارك توين، ووليام فولكنر وقصائد لانغستون هيوز ومسرحيات تينيسي وليامز. أحيانا يتحول النهر في هذه الأعمال الأدبية إلى شخصية رئيسية مهيمنة ولكن لها لغتها الخاصة. ارتبط النهر بتجارة العبيد وبتوقهم للحرية. في رواية مارك توين The Adventures of Huckleberry Finn النهر هو رمز لحرية المستعبد جيم، ويبقى النهر هو الشخصية الرئيسية في الرواية. 

في عقدي الخمسينيات والستينيات ارتبط اسم ولاية ميسيسيبي بحدثين عنصريين مروعين هزّا الولايات المتحدة، وتحولا إلى معلمين رئيسيين على مسيرة الأميركيين لتحقيق المساواة ونبذ التمييز العنصري

لا أحد يعلم عدد أغاني البلوز التي تتضمن إشارة أو أكثر إلى نهر الميسيسيبي. هذه الأغاني تصف طيفا واسعا من المشاعر: التوق للحرية، أو للحبيب، الوعد بالعطاء والخصب، وأيضا عقاب الفيضانات، كما تصف معركة لا نهاية لها مستمرة منذ أكثر من قرنين للسيطرة على مسيرة النهر وضبط فيضاناته بالسدود الترابية، التي يحلو للميسيسيبي كل بضعة سنوات أن يذكر من يعيش على ضفافه أن حريته مطلقة وأنه سيشق طريقه كما يرتأي، وأنه سيعاقب كل من يحاول أسره. أليس اسمه الميسيسبي الجبار؟

إحدى الأغاني الأولى لجوني كاش، أحد أهم المغنين والموسيقيين الأميركيين في القرن العشرين، والذي أدمنت على موسيقاه منذ صباي، اسمها "النهر الكبير" التي يصف فيها تنافسه مع نهر الميسيسيبي على قلب امرأة التقاها في مدينة سانت بول بولاية مينسيوتا الشمالية وكيف تعقبها عبر أهم المدن على ضفاف النهر إلى أن اختفت في مدينة نيو أورلينز الجنوبية، حيث يعترف في النهاية بإخفاقه قائلا: "تحبك أيها النهر الكبير، أكثر مما تحبني".

يعبر نهر الميسيسبي أو يحد عشرة ولايات، من بينها ولاية ميسيسيبي التي يحدها من الغرب. عدد سكان هذه الولاية المحافظة هو أقل من ثلاثة ملايين نسمة، وتصنف على أنها أفقر ولاية في الاتحاد الفدرالي لأكثر من سبب من بينها سوء نوعية التعليم. ولاية ميسيسيبي أعطت أميركا والعالم في القرن العشرين هديتين قيمتين لا مثيل لهما: موسيقى البلوز، وهي الموسيقى التي خلقها وطورها المتحدرون من المستعبدين والتي ولدت في بداية القرن الماضي في المنطقة المعروفة باسم دلتا الميسيسيبي ومن هنا أسم أهم فرع من فروع موسيقى البلوز Delta blues. 

موسيقى البلوز تعتبر أم معظم أنواع الموسيقى الأميركية التي انتشى ورقص على أنغامها العالم بكامله، لأنها أثرت على موسيقى الجاز في بداياتها في نيو أورلينز، وكما يقولون "أنجبت" موسيقى الروك إند رول. بعض أبرز موسيقيي البلوز أضافوا النهر إلى اسمهم مثل  Mississippi Fred McDowell و Muddy Mississippi Waters أو استعاروا اسم النهر لتسمية فرقتهم  The Mississippi Sheiks ( شيوخ ميسيسيبي من أكثر الشيوخ في العالم موهبة).

بين موسيقى البلوز ووليام فولكنر وضعت ولاية ميسيسيبي نفسها في مرتبة عالية على قائمة الإبداع الأميركية

الهدية الثانية اسمها وليام فولكنر، الحائز على جائزة نوبل للآداب والذي يعتبره العديد من النقاد أهم روائي أميركي في القرن العشرين، وقطعا أعظم روائي وكاتب خلقه الجنوب الأميركي. روايات فولكنر صعبة وغنية بشخصياتها وسوداوية في مناخاتها، وتدور أحداث معظم هذه الروايات في مقاطعة وهمية في ولاية ميسيسيبي سمّاها فولكنر Yoknapatawpha County. وبين موسيقى البلوز ووليام فولكنر وضعت ولاية ميسيسيبي نفسها في مرتبة عالية على قائمة الإبداع الأميركية.

ولكن لولاية ميسيسيبي وجه آخر، يستحق أن يسمى أبشع وجه لأميركا. وعلى مدى معظم تاريخها كانت ولاية ميسيسيبي الولاية الأكثر عنصرية في البلاد. ومن "مزاياها" أنها احتلت المرتبة الأولى بين الولايات التي شهدت أعلى رقم لعمليات شنق وحرق جثث أميركيين من أصل أفريقي بين سنتي 1882 ـ 1968 على أيدي رعاع عنصريين.

في القرن العشرين، وتحديدا في عقدي الخمسينيات والستينيات ارتبط اسم ولاية ميسيسيبي بحدثين عنصريين مروعين هزّا الولايات المتحدة، وتحولا إلى معلمين رئيسيين على مسيرة الأميركيين الطويلة لتحقيق المساواة بين المواطنين ونبذ التمييز العنصري. 

في أغسطس 1955 دخل شاب أسود اسمه Emmett Till عمره 14 سنة، إلى محل تجاري صغير في بلدة صغيرة في ولاية ميسيسيبي لشراء الحلويات. الشاب، جاء من مدينة شيكاغو لزيارة عمه في ميسيسيبي. المرأة البيضاء التي كانت تدير المحل اتهمت Emmett Till بأنه تحرش بها وأمسكها وصّفر لها. يعدها بأيام قام زوجها وشقيقه بزيارة العم، واختطفا الشاب. 

ما حدث بعدها للشاب اليافع يصعب وصفه. العذاب الطويل الذي تعرض له Emmett Till   خلال الساعات التي عقبت اختطافه ظهر على جسده ووجه المشوه بعد أيام حين انتشال جثته من النهر. وعلى مدى ليلة بكاملها في كاراج وراء منزل صاحب المحل، تعرض الشاب للضرب على رأسه وجسده. لاحقا أرغمه معذبوه على حمل آلة لنسج القطن وزنها 75 باوند إلى جسر فوق نهر Tallahatchie وطلبا منه خلع ثيابه. بعدها تعرض لضرب مبرح، ووصل التعذيب إلى ذروته حين قام الجلادين بفقئ عيني Emmett Till  وبعدها أطلقا رصاصة على رأسه وقتلته. بعدها استخدم القتلة الأسلاك الشائكة لربط جثة القتيل بآلة نسج القطن ورميا الجثة في النهر. 

لولاية ميسيسيبي وجه آخر، يستحق أن يسمى أبشع وجه لأميركا. وعلى مدى معظم تاريخها كانت ولاية ميسيسيبي الولاية الأكثر عنصرية في البلاد

حين عثر على الجثة بعد ثلاثة أيام لم يتعرف عليها عم القتيل إلا بعد معاينة خاتم بقي على إصبع الضحية. بعد أسابيع من الجريمة حوكم القتلة من قبل هيئة محلفين من البيض، الذين تداولوا لأقل من ساعة قبل تبرئة القتلة.

كان لجريمة قتل هذا الشاب أن تضاف إلى قائمة الجرائم العنصرية الطويلة في ميسيسيبي وغيرها من الولايات الجنوبية، لو لم ترفض والدة Emmett Till بشدة محاولات السلطات المحلية التغطية على الجريمة من خلال دفن الضحية في ولاية ميسيسيبي. ما فعلته والدة الضحية لاحقا، رفع من مكانة هذا الشاب المغمور قبل قتله، إلى رمز لنضال الأميركيين من أصل أفريقي للحصول على كامل حقوقهم المدنية. 

فقد أصرت والدة الضحية واسمها Mamie Bradley ليس فقط على استعادة جثة ابنها، بل أن تكون جنازته في تابوت مفتوح، لكي يشاهد ملايين الأميركيين الجثة المشوهة، ولإرغامهم على مواجهة آفة العنصرية ونتائجها الاجرامية. في السنوات اللاحقة لجريمة قتله، أصبح  Emmett Till رمزا من رموز حركة الحقوق المدنية.

في يونيو 1964 قامت عناصر من تنظيم كوكلاكس كلان الإرهابي، بمن فيهم عناصر من الشرطة بقتل ثلاثة ناشطين في مجال الحقوق المدنية في بلدة ميريديان بولاية ميسيسيبي، جاؤوا من خارج الولاية لتسجيل المواطنين من أصل أفر يقي للمشاركة في الانتخابات. اثنان منهما Michael Schwerner, Andrew Goodman أبيضان من شمال البلاد، والثالث James Chaney من أصل أفريقي. 

المسؤول المحلي عن التنظيم الإرهابي Sam Bowers قرر قتل الناشطين لوقف مثل هذه النشاطات التي كانت تنظمها منظمات شمالية تعنى بالحقوق المدنية  للأميركيين السود. بعد اعتقال الشرطة للناشطين الثلاثة لإعطاء المجال لأعضاء التنظيم الإرهابي بالتحضير للجريمة بما في ذلك حفر ثلاثة قبور، جرى إطلاق سراحهم، ليتعقبهم العنصريون إلى منطقة نائية حيث تم اغتيالهم ودفنهم.

عندما أرسل مكتب التحقيقات الفدرالي عناصره إلى ميسيسيبي للتحقيق بالجريمة، امتنعت السلطات المحلية عن التعاون معهم، وأمضى عناصر المكتب وقتا طويلا قبل العثور على الجثث. وعندما رفضت الولاية محاكمة المشتبه بهم، بعد أن كشف مخبر محلي هويتهم، قامت الحكومة الفدرالية بالادعاء على 18 شخصا واتهمتهم بالتآمر لقتل الناشطين الثلاثة. ولكن هيئة المحلفين المكونة من مواطنين بيض، حكمت ضد سبعة من المتهمين من بينهم رئيس التنظيم، ولكنها برأت ثمانية متهمين، ولم تصدر أي حكم على ثلاثة آخرين. 

ما قامت به ولاية ميسيسيبي يوم الأحد، كان انتصارا رمزيا ولكن هاما في نضال طويل نأمل أن يبعد ميسيسيبي أكثر عن إرثها العنصري والمؤلم

وبسبب ضغوط المسؤولين في واشنطن لمعاقبة الفاعلين، تحولت هذه الجريمة البشعة إلى معلم آخر على طريق النضال لحركة الحقوق المدنية. واستمر الاهتمام بالقضية حتى العقد الثاني من القرن الجديد، لأن بعض المسؤولين عن الجريمة أفلتوا من العقاب. ففي يونيو 2005 صدر حكم ضد  Edgar Ray Killen الذي كان عمره آنذاك ثمانين سنة بالضلوع بالجريمة وتنفيذ عقوبة بالسجن لمدة ستين سنة، حيث توفي في السجن في عام 2018.  في سنة 1988 أنتج فيلم عن الجريمة باسم Mississippi Burning.

يوم أمس (الأحد) دخلت ولاية ميسيسيبي التاريخ مرة أخرى من بابه العنصري، ولكن هذه المرة في محاولة لإغلاقه وقفله. ففي أعقاب الضغوط الشعبية التي فجرتها جريمة قتل شرطي أبيض لجورج فلويد الأميركي الأفريقي الأصل في مدينة مينيابوليس قبل أكثر من شهر، وبعد تفاقم الضغوط التي فرضتها شركات كبيرة، ومنظمات مهنية، صوت مجلسي النواب والشيوخ المحليين لتغيير علم ولاية ميسيسيبي وحذف رمز الاتحاد الكونفدرالي الذي انفصل عن الشمال وتسبب بالحرب الأهلية من الزاوية العليا اليسرى في علم الولاية والموجود على العلم منذ 126 سنة. 

وكان هذا الرمز الكونفدرالي موجودا على أعلام ولايات جنوبية أخرى في السابق، ولكن تم حذف هذا الرمز العنصري في العقود والسنوات الماضية من جميع الولايات باستثناء ميسيسيبي، التي هزم الناخبون فيها قبل أقل من عقدين استفتاءً يدعو إلى تغيير علم الولاية. ومن هنا أهمية قرار ولاية ميسيسيبي، المتأخر جدا.. 

هذا الانتصار المحدود والرمزي مهم للحركة الاحتجاجية التي فجرتها جريمة قتل جورج فلويد، والتي أكدت من جديد أن الحرب الأهلية الأميركية التي بدأت في أبريل 1861 لا تزال مستمرة، وما قامت به ولاية ميسيسيبي يوم الأحد، كان انتصارا رمزيا ولكن هاما في نضال طويل نأمل أن يبعد ميسيسيبي أكثر عن إرثها العنصري والمؤلم، ويقربها أكثر من جمال موسيقى البلوز، وإبداع وليام فولكنر.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.