This picture released by the official website of the Iranian Defense Ministry on Thursday, Aug. 20, 2020, shows the "Martyr…
صاروخ جديد أعلنت إيران عن تطويره باسم "الحاج قاسم" نسبة لقاسم لسليماني

معركة جديدة تختمر حول إيران.

في الشهر الماضي، طالبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الأمم المتحدة رسميا تمديد حظر الأسلحة الدولي المفروض على إيران، والذي من المقرر أن ينتهي في منتصف شهر أكتوبر. يهدف هذا الحظر، وهو جزء من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، إلى منع إيران من الحصول على شحنات جديدة من الأسلحة التقليدية المتطورة. عملت إدارة ترامب بجد في الأشهر الأخيرة لبناء تحالف دولي يدعم هذه الخطوة، وتمكنت من حشد بعض الدعم (بما في ذلك من مجلس التعاون الخليجي). لكن الإجراء، أي تمديد الحظر، واجه معارضة قوية في الأمم المتحدة، وعلى الأخص من روسيا والصين، وفشلت الإدارة في النهاية في تمريره.

في أعقاب الهزيمة الدبلوماسية، استحضرت الولايات المتحدة بند "سناب باك" (snapback) الوارد في القرار 2231، الذي يدعو إلى إعادة فرض جميع عقوبات الأمم المتحدة التي تم التراجع عنها نتيجة للاتفاق النووي لعام 2015 المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة. أثارت هذه الخطوة نقاشا قانونيا حادا. رفضت الأطراف الأخرى في الاتفاقية (روسيا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا) حق أميركا في الدعوة إلى تنفيذ بند "سناب باك" أو "العودة إلى الوراء"، بعد أن قررت إدارة ترامب رسميا في مايو 2018 الانسحاب من الاتفاق النووي. ومع ذلك، وكما جادل الخبراء بشكل مقنع، فإن اللغة الفعلية لقرار مجلس الأمن رقم 2231 لا تزال تمنح الولايات المتحدة الحق بتفعيل أحكام الاتفاقية. يدور النقاش حاليا حول ما إذا كانت الأمم المتحدة ستتصرف في نهاية المطاف، وما الذي قد تفعله واشنطن من جانب واحد إذا لم تتصرف الأمم المتحدة.

ومع ذلك، وفي خضم هذا النقاش، ضاع التفسير الصحيح لسبب فشل الجهود الأميركية في المقام الأول.

قد يؤدي فشل المجتمع الدولي في الاستمرار في تقييد وصول إيران إلى الأسلحة المتطورة إلى اندلاع صراع بين الدول المتوترة في المنطقة للحصول على تلك الأنظمة ردا على ذلك

من المؤكد أن بعض المقاومة على الأقل يمكن أن تُعزى إلى معارضة سياسة "الضغط الأقصى" التي اعتمدتها إدارة ترامب، وكلفت شركاء إيران التجاريين الرئيسيين غاليا. على مدار العامين الماضيين، خرجت الشركات الأوروبية تدريجيا من إيران بسبب المخاوف من العقوبات الأميركية، في حين تم تعريض مبادرات الاتحاد الأوروبي الرئيسية التي تشمل إيران للخطر. بشكل عام، يقدر الخبراء الأوروبيون أن القارة خسرت حتى الآن ما يقرب من 50 مليار دولار في التجارة التجارية مع إيران نتيجة العقوبات الأميركية. وهذا بدوره عزز مقاومة الدول التي تتوق إلى إعادة إشراك طهران بالعمليات التجارية، والاستياء من الضغط الأميركي الذي يمنعها من القيام بذلك.

ومع ذلك، فإن أبرز الجهات المعرقلة هي بلا شك روسيا والصين، وكلاهما يعمل كشريكين استراتيجيين رئيسيين لإيران، وهما على وشك جني الأرباح إذا انتهى حظر الأسلحة. يوضح تقييم حديث أجرته وكالة الاستخبارات الدفاعية التابعة للبنتاغون أن "إيران لا تزال تعتمد على دول مثل روسيا والصين لشراء القدرات التقليدية المتقدمة". وتشير الدراسة نفسها إلى أن الجمهورية الإسلامية حريصة على "شراء أنظمة أسلحة متطورة جديدة من موردين أجانب لتحديث قواتها المسلحة، بما في ذلك المعدات التي لم تتمكن بشكل أساسي من الحصول عليها لعقود". بالنسبة لموسكو وبكين، إذن، فإن عرقلة تمديد حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة يرقى إلى مستوى الأعمال الذكية.

ومع ذلك، من المرجح أن يعود هذا التصلب بتكلفة عالية المنطقة.

وهنا، يجدر بنا أن نتذكر أنه قبل اثنتي عشر عاما، أدت المخاوف الإقليمية المتزايدة من توسع برنامج إيران النووي إلى بدء عدد من الدول في الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا السعي للحصول على القدرات النووية. في ذلك الوقت، لاحظ المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في ملف أعد في العام 2008، أن ما لا يقل عن ثلاثة عشر دولة قد بدأت في اتخاذ خطوات جادة نحو الحصول على قدرات نووية خاصة بها. وفي كانت بعض هذه الدول، على الأقل، مدفوعة بعوامل أخرى، كان من الواضح أن دولا أخرى، مثل المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة، كانت تبحث عن ثقل استراتيجي موازن لقدرة إيران النووية المتنامية.

الارتفاع الحتمي في الطلب الإقليمي على الأسلحة الروسية والصينية الذي سيتبع انتهاء حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على إيران من شأنه أن يعزز مكاسبهما بشكل أكبر

يمكن للديناميكية عينها أن تتكرر في المستقبل القريب. وقد يؤدي فشل المجتمع الدولي في الاستمرار في تقييد وصول إيران إلى الأسلحة المتطورة إلى اندلاع صراع بين الدول المتوترة في المنطقة للحصول على تلك الأنظمة ردا على ذلك.

في الواقع، يبدو أن هذا هو بالضبط ما تعتمد عليه موسكو وبكين. تعد روسيا والصين، بالفعل، مصدرين رئيسيين للأسلحة، وعلى مدى نصف العقد الماضي استحوذ البلدان على 21 في المئة (روسيا) و5.5 في المئة (الصين) من إجمالي مبيعات الأسلحة العالمية، وفقا لإحصاءات معهد ستوكهولم الدولي للسلام. لكن الآن، يعمل كلا البلدين بنشاط على توسيع وجودهما ومبيعاتهما العسكرية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. والارتفاع الحتمي في الطلب الإقليمي على الأسلحة الروسية والصينية الذي سيتبع انتهاء حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على إيران من شأنه أن يعزز مكاسبهما بشكل أكبر.

على هذا النحو، فإن الجدل حول حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، والنقاش الأوسع حول ما إذا كان يجب إعادة فرض العقوبات على إيران، ليس مجرد مسألة إجرائية. إنه تصويت أيضا حول ما إذا كان سيتم السماح لإيران بإعادة التسلح، وما إذا كان جيرانها القلقون سيشعرون بأنهم مضطرون إلى أن يحذوا حذوها. تأمل كل من موسكو وبكين، على الأقل، أن تفعل جميعها ذلك.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.