FILE PHOTO: A man cries as he carries his daughter while walking from an Islamic State controlled part of Mosul towards Iraqi…
رجل يحمل ابنته ويهرب من أحد أحياء الموصل الواقعة تحت سيطرة "داعش" في العام 2017

بطريقة يطغى عليها استحضار المظلومية وأخرى استعراضية للمواقف البطولية، استذكر العراقيون مرور الذكرى السنوية السادسة على سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم "داعش" الإرهابي، وجريمة سبايكر؛ وهي مناسبة يُراد منها أن تكون محاكمة للطبقة السياسية التي كانت ولا تزال أساس المشكلة، وهي المسؤولة أولا وأخيرا عن تراكمات الفساد والفشل، وما كان لكل هذا الدمار في ثلاث محافظات مع قوافل الشهداء، لو كان في العراق حكومة تقوم بوظائفها وتعمل على حماية البلاد والعباد.

ورغم تصاعد الدعوات بمحاكمة المقصرين وتحديد المسؤولين عن الانهيار الأمني ومن ترك أكثر من 1700 شاب عراقي يلاقون حتفهم في مجزرة بشعة ارتكبها تنظيم "داعش" في مذبحة سبايكر، إلا أن الكثير من السياسيين وجيوشهم الإلكترونية حولوا الحادثة كذكرى لمناسبة التحشد والتطوع بعد صدور فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع الأعلى السيد علي السيستاني. 

وواقع الحال أن هذه الفتوى استطاعت إيقاف تمدد تنظيم "داعش" الإرهابي وشكّلت حافزا لتجاوز حالة الانكسار التي كانت من أخطر تداعيات سقوط الموصل، عندما دعت للتطوع في صفوف القوات الأمنية. إلا أن "فتوى الجهاد الكفائي" كانت هدفها إنقاذ العراق وليس التغطية على فشل الطبقة السياسية.

لو قدمنا كل هؤلاء إلى المحاكمة لما تجرأت حكومة عادل عبد المهدي على قتل أكثر من 700 وجرح الآلاف من المتظاهرين

المفارقة الأخطر تكمن في وعينا المأزوم بالتاريخ، فنحن أمّة تعيش وتهيم عشقا بالتاريخ وأحداثه، ونختلف عن باقي الأمم بأن أحداث التاريخ ليست للعبرة والمعرفة، وإنما نستحضرها لتأكيد ذاتنا في مقابل الآخر. ومرة تكون مصدرا للتفاخر، وأخرى لاستحضار مظلوميتنا. التاريخ بالنسبة لسياسينا هو صك الغفران، فهم يوظفون أحداثا بحرفية عالية لتبرير فشلهم وفسادهم. فهو ـ أي التاريخ ـ يعطي رمزية تعوض فقدان شرعية المنجز التي يفترض أن تكون هي الأساس في العمل السياسي، والتي تبقى حاضرة في ذاكرة الشعوب.

لا نستحضر التاريخ إلا لتأكيد وجود عدوّ يتربص بنا، وهذا العدو يتآمر على نجاح تجربتنا! ولذلك نجد المرويات والأحداث التاريخية حاضرة بقوّة في خطابات السياسيين. وأسلوبهم في توظيف فكرة العدو والترويج لها يحددها المفكّر الإيراني مصطفى ملكيان بثلاثة أساليب لتحقيق مصالحهم وتضليل شعبوهم:

الأسلوب الأول: أن يُقرَن كل من ينتقد ويخالف بالعدو، فكلّ من يوجّه لهم نقدا يُرَدّ عليه بأنك ضدنا مثلما يفعل العدو، وبالنتيجة ينفذ أجندة مرتبطة بالعدو! وباستعمالهم هذه الطريقة يتمكّنوا من توظيف اسم العدو لقمع المخالف لرأيهم.

الأسلوب الثاني: تبرير فشلهم وسوء تدبيرهم بالأعمال العدوانية التي يمارسها العدو، ويُلقّن للآخرين بأن سوء الإدارة والسخط الشعبي كلّه بسبب العدو. رغم أنه العدو لم يطلب منهم سرقة المال العام واختلاسه واستغلال السلطة لمصالحهم الشخصية.

الأسلوب الثالث: يقدّسون أنفسهم باسم العدو! فبعد أن يتفق الجميع على اسم العدو يُلقّنون جمهورهم بأننا صالحون ومقدسون لأننا ضد هذا العدو الواضح، وبالتالي تُرسّخ في الأذهان مغالطة تفيد: كلّ من يناهض هذا العدو فإنه صالح!

لا نحتاج إلى سرد الكثير من الأدلة والشواهد على أزمتنا مع التاريخ وتوظيفه من قبل الطبقة السياسية، فبين فترة وأخرى يظهر لنا "قائد ضرورة" في لقاء تلفزيوني ويتحدّث عن بطولاته وصولاته في الدفاع عن حقوق العراق والعراقيين، وكيف كان قائدا لمرحلة خطيرة من تاريخ العراق، تحدّى فيها الإرهاب ومحاولات الأعداء في تمزيق وحدته واستهدافه والنيل من شعبه!

لو كان لنا موقف يتعاطى مع التاريخ على أساس محاكمة الأشخاص الذين كانوا السبب الرئيس في مأساتنا وضياع ثرواتنا وهدر دماء شبابنا، لما بقيت زعامات الكتل السياسية متحكمة بالمشهد السياسي، وتمرر صفقاتها بعنوان الحفاظ على حقوق المكوّنات التي تدّعي تمثيلها. 

تمت محاكمة صدام لتأكيد مظلومية الشيعة والأكراد وليس على استهتاره بمقدرات الدولة وحروبه العَبَثية

لو حاكمنا مَن تخاذل عن حماية الزائرين الذي راحوا ضحية حادثة جسر الأئمة في (أغسطس 2005)، وحاكمنا من ساهموا بأن تكون الطرقات العامة والهجوم على المناطق في بغداد وتحويلها إلى ساحات حرب على الهوية في 2006، ولو حاكمنا من كان خطابه يصدح بالشعارات الطائفية ويدعو إلى عودة عقارب الساعة إلى ما قبل 2003، ولو حاكمنا من تسبب في سقوط ثلاث محافظات بيد تنظيم "داعش" الإرهابي في 2014، وحاكمنا من تسبب وساهم بهدر أكثر من 100 مليار دولار من موازنات العراق في السنوات الماضية، ولو قدمنا كل هؤلاء إلى المحاكمة لما تجرأت حكومة عادل عبد المهدي على قتل أكثر من 700 وجرح الآلاف من المتظاهرين.

أنظروا إلى محاكمتنا لصدّام وأزلام نظامه، لم تكن محاكمة لتاريخه الدكتاتوري وتدميره العراق وشعبه، وهو الذي لم يكن عادلا إلا بتوزيع الموت والظلم والدمار على العراقيين، وإن كان الاختلاف بدرجة الظلم لا نوعيته. فيما تمت محاكمته لتأكيد مظلومية الشيعة والأكراد وليس على استهتاره بمقدرات الدولة وحروبه العَبَثية.

حتى هزائمنا نتحايل على التاريخ لنحوّلها إلى انتصارات موهومة، فالانتصار في أعرافنا السياسية بقاء حكامنا وقادتنا "حفظهم الله ورعاهم" بمناصبهم وتمتعهم بالزعامة. ومن ثم، كيف لا يتجرأ حكامنا على الاستخفاف بدمائنا وثرواتنا، ونحن لم نحاكمهم على حماقاتهم التي يتوهمون بأنها من أمجادهم التاريخية! ورغم خيباتهم وفشلهم وفسادهم يتم تكريهم بإعادة انتخابهم في كل دورة انتخابية!

وعودة على ذكرى الحرب ضد تنظيم "داعش" الإرهابي، في كتابه "دور الصدفة والغبَاء في تَغْيير مجرى التاريخ.. العامل الحاسم" يقول إيرك دورتشميد: "قد توجد حروب عادلة، غير أني لم أشهد واحدة لم تنته بآلام مهولة".

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.