بطريقة يطغى عليها استحضار المظلومية وأخرى استعراضية للمواقف البطولية، استذكر العراقيون مرور الذكرى السنوية السادسة على سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم "داعش" الإرهابي، وجريمة سبايكر؛ وهي مناسبة يُراد منها أن تكون محاكمة للطبقة السياسية التي كانت ولا تزال أساس المشكلة، وهي المسؤولة أولا وأخيرا عن تراكمات الفساد والفشل، وما كان لكل هذا الدمار في ثلاث محافظات مع قوافل الشهداء، لو كان في العراق حكومة تقوم بوظائفها وتعمل على حماية البلاد والعباد.
ورغم تصاعد الدعوات بمحاكمة المقصرين وتحديد المسؤولين عن الانهيار الأمني ومن ترك أكثر من 1700 شاب عراقي يلاقون حتفهم في مجزرة بشعة ارتكبها تنظيم "داعش" في مذبحة سبايكر، إلا أن الكثير من السياسيين وجيوشهم الإلكترونية حولوا الحادثة كذكرى لمناسبة التحشد والتطوع بعد صدور فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع الأعلى السيد علي السيستاني.
وواقع الحال أن هذه الفتوى استطاعت إيقاف تمدد تنظيم "داعش" الإرهابي وشكّلت حافزا لتجاوز حالة الانكسار التي كانت من أخطر تداعيات سقوط الموصل، عندما دعت للتطوع في صفوف القوات الأمنية. إلا أن "فتوى الجهاد الكفائي" كانت هدفها إنقاذ العراق وليس التغطية على فشل الطبقة السياسية.
لو قدمنا كل هؤلاء إلى المحاكمة لما تجرأت حكومة عادل عبد المهدي على قتل أكثر من 700 وجرح الآلاف من المتظاهرين
المفارقة الأخطر تكمن في وعينا المأزوم بالتاريخ، فنحن أمّة تعيش وتهيم عشقا بالتاريخ وأحداثه، ونختلف عن باقي الأمم بأن أحداث التاريخ ليست للعبرة والمعرفة، وإنما نستحضرها لتأكيد ذاتنا في مقابل الآخر. ومرة تكون مصدرا للتفاخر، وأخرى لاستحضار مظلوميتنا. التاريخ بالنسبة لسياسينا هو صك الغفران، فهم يوظفون أحداثا بحرفية عالية لتبرير فشلهم وفسادهم. فهو ـ أي التاريخ ـ يعطي رمزية تعوض فقدان شرعية المنجز التي يفترض أن تكون هي الأساس في العمل السياسي، والتي تبقى حاضرة في ذاكرة الشعوب.
لا نستحضر التاريخ إلا لتأكيد وجود عدوّ يتربص بنا، وهذا العدو يتآمر على نجاح تجربتنا! ولذلك نجد المرويات والأحداث التاريخية حاضرة بقوّة في خطابات السياسيين. وأسلوبهم في توظيف فكرة العدو والترويج لها يحددها المفكّر الإيراني مصطفى ملكيان بثلاثة أساليب لتحقيق مصالحهم وتضليل شعبوهم:
الأسلوب الأول: أن يُقرَن كل من ينتقد ويخالف بالعدو، فكلّ من يوجّه لهم نقدا يُرَدّ عليه بأنك ضدنا مثلما يفعل العدو، وبالنتيجة ينفذ أجندة مرتبطة بالعدو! وباستعمالهم هذه الطريقة يتمكّنوا من توظيف اسم العدو لقمع المخالف لرأيهم.
الأسلوب الثاني: تبرير فشلهم وسوء تدبيرهم بالأعمال العدوانية التي يمارسها العدو، ويُلقّن للآخرين بأن سوء الإدارة والسخط الشعبي كلّه بسبب العدو. رغم أنه العدو لم يطلب منهم سرقة المال العام واختلاسه واستغلال السلطة لمصالحهم الشخصية.
الأسلوب الثالث: يقدّسون أنفسهم باسم العدو! فبعد أن يتفق الجميع على اسم العدو يُلقّنون جمهورهم بأننا صالحون ومقدسون لأننا ضد هذا العدو الواضح، وبالتالي تُرسّخ في الأذهان مغالطة تفيد: كلّ من يناهض هذا العدو فإنه صالح!
لا نحتاج إلى سرد الكثير من الأدلة والشواهد على أزمتنا مع التاريخ وتوظيفه من قبل الطبقة السياسية، فبين فترة وأخرى يظهر لنا "قائد ضرورة" في لقاء تلفزيوني ويتحدّث عن بطولاته وصولاته في الدفاع عن حقوق العراق والعراقيين، وكيف كان قائدا لمرحلة خطيرة من تاريخ العراق، تحدّى فيها الإرهاب ومحاولات الأعداء في تمزيق وحدته واستهدافه والنيل من شعبه!
لو كان لنا موقف يتعاطى مع التاريخ على أساس محاكمة الأشخاص الذين كانوا السبب الرئيس في مأساتنا وضياع ثرواتنا وهدر دماء شبابنا، لما بقيت زعامات الكتل السياسية متحكمة بالمشهد السياسي، وتمرر صفقاتها بعنوان الحفاظ على حقوق المكوّنات التي تدّعي تمثيلها.
تمت محاكمة صدام لتأكيد مظلومية الشيعة والأكراد وليس على استهتاره بمقدرات الدولة وحروبه العَبَثية
لو حاكمنا مَن تخاذل عن حماية الزائرين الذي راحوا ضحية حادثة جسر الأئمة في (أغسطس 2005)، وحاكمنا من ساهموا بأن تكون الطرقات العامة والهجوم على المناطق في بغداد وتحويلها إلى ساحات حرب على الهوية في 2006، ولو حاكمنا من كان خطابه يصدح بالشعارات الطائفية ويدعو إلى عودة عقارب الساعة إلى ما قبل 2003، ولو حاكمنا من تسبب في سقوط ثلاث محافظات بيد تنظيم "داعش" الإرهابي في 2014، وحاكمنا من تسبب وساهم بهدر أكثر من 100 مليار دولار من موازنات العراق في السنوات الماضية، ولو قدمنا كل هؤلاء إلى المحاكمة لما تجرأت حكومة عادل عبد المهدي على قتل أكثر من 700 وجرح الآلاف من المتظاهرين.
أنظروا إلى محاكمتنا لصدّام وأزلام نظامه، لم تكن محاكمة لتاريخه الدكتاتوري وتدميره العراق وشعبه، وهو الذي لم يكن عادلا إلا بتوزيع الموت والظلم والدمار على العراقيين، وإن كان الاختلاف بدرجة الظلم لا نوعيته. فيما تمت محاكمته لتأكيد مظلومية الشيعة والأكراد وليس على استهتاره بمقدرات الدولة وحروبه العَبَثية.
حتى هزائمنا نتحايل على التاريخ لنحوّلها إلى انتصارات موهومة، فالانتصار في أعرافنا السياسية بقاء حكامنا وقادتنا "حفظهم الله ورعاهم" بمناصبهم وتمتعهم بالزعامة. ومن ثم، كيف لا يتجرأ حكامنا على الاستخفاف بدمائنا وثرواتنا، ونحن لم نحاكمهم على حماقاتهم التي يتوهمون بأنها من أمجادهم التاريخية! ورغم خيباتهم وفشلهم وفسادهم يتم تكريهم بإعادة انتخابهم في كل دورة انتخابية!
وعودة على ذكرى الحرب ضد تنظيم "داعش" الإرهابي، في كتابه "دور الصدفة والغبَاء في تَغْيير مجرى التاريخ.. العامل الحاسم" يقول إيرك دورتشميد: "قد توجد حروب عادلة، غير أني لم أشهد واحدة لم تنته بآلام مهولة".

