(FILES) This file handout photo provided by Iran's Revolutionary Guard Corps (IRGC) official website via SEPAH News shows an…

في الثاني والعشرون من أبريل، أعلنت أيران نجاحها في وضع أول قمر صناعي (أسمته نور) في المدار الفضائي وذلك بعد عدد من المحاولات الفاشلة سابقا. وقد أكدت قيادة الدفاع الفضائي الأميركية (NORAD)  هذا النجاح. ورغم الأهمية العملية والعلمية لهذا الإنجاز الإيراني، إلا أن ما لا يقل أهمية هو قدرة إيران على تصنيع الصاروخ الذي حمل هذا القمر للفضاء والذي يعمل بالوقود السائل والصلب معا. علاوة على ذلك، يشير المدى الواضح للقمر الصناعي إلى أن إيران، من الناحية النظرية أصبحت قادرة الآن على إطلاق صاروخ يمكنه الوصول إلى أهداف في الأراضي الأميركية.

إن نجاح أيران في تطوير مثل هذا النوع من تكنولوجيا الصواريخ الفضائية عابرة القارات قد غير قواعد اللعبة العسكرية ـ السياسية مع الولايات المتحدة. وحتى مع وجود العديد من العوامل الأخرى التي تلعب حاليا دورا في التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، فإن إطلاق القمر الصناعي سيكون له انعكاسات خطيرة على مستقبل العلاقات بين البلدين والتي تمر بأسوأ حالاتها.

والسؤال المهم هو: ماهي هذه الانعكاسات؟ ومن سيكون له القدرة على الاستفادة من هذا الوضع الجديد؟ وردا على عملية الإطلاق، صرح وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو أن على جميع دول العالم أدانت هذا الخرق الإيراني الصريح لقرار مجلس الأمن رقم 2231 والصادر عام 2015، والذي ينص على "دعوة إيران لعدم القيام بأي نشاط يؤدي إلى تطوير صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية". 

وعلى الرغم من إعلان إيران وإصرارها أن نشاطها الصاروخي مخصص للأغراض السلمية وأن الإطلاق الحالي يحمل قمرا صناعيا وليس رأسا نوويا إلا أن التكنولوجيا المستخدمة في كلا الحالتين متماثلة. ومع ذلك، رفضت الولايات المتحدة هذا الادعاء بشكل قاطع ويحتمل أن تدعو لجلسة لمجلس الأمن لمناقشة الردود المحتملة.

يحب أن يكون هناك إجماع أميركي داخلي على أن إطلاق الصاروخ يمثل خطرا واضحا وقائما على أمن الولايات المتحدة

وبغض النظر عن الجدل القانوني وراء عملية الإطلاق، فإن التطورات الحاصلة ستنقل مستوى الصراع الأميركي ـ الإيراني لتصعيد جديد وخطير في آن واحد، حيث ساهم القلق بشأن التطورات الصاروخية الإيرانية في تشكيل السياسات والرسائل التي تبثها إدارة ترامب تجاه إيران. 

بالعودة إلى مارس عام 2018 عندما لم تكن الصواريخ الإيرانية قد نجحت في بلوغ المديات التي تبلغها الآن، وضعت الإدارة الأميركية على لسان بومبيو وقف أنشطة الصواريخ البالستية الإيرانية كأحد الشروط الاثني عشر لرفع العقوبات عن إيران.

هناك سؤال يبدو مهما الآن، لماذا اختارت إيران تلك اللحظة لعملية الإطلاق، وهل أخطأت في اختيار هذا التوقيت؟ هناك العديد من العوامل التي تؤثر بالفعل على التوترات الأميركية الإيرانية الأخيرة. وبصرف النظر عن استهداف وقتل قاسم سليماني مؤخرا، فإن الآثار المدمرة لتفشى فيروس كورونا على كل من إيران والولايات المتحدة لم تثن الطرفين عن الإدلاء بتصريحات ضد الطرف الآخر أو في حالة الولايات المتحدة، بفرض عقوبات جديدة.

من وجهة النظر الإيرانية، تمثل الانتخابات الأميركية القادمة المفتاح لفهم المسار المستقبلي لهذه التوترات، فإيران كانت تراهن على خسارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للانتخابات في الانتخابات المقرر عقدها في نوفمبر، وترى أن الديمقراطيين سيكونون أكثر مرونة في التعامل مع الملف الإيراني، خاصة بالنظر إلى دور المرشح الرئاسي جو بايدن الذي نجح في الحصول على موافقة الكونغرس على خطة العمل الشاملة المشتركة خلال إدارة أوباما.

إن فكرة امتلاك إيران لصواريخ بعيدة المدى لا تهدد فقط إسرائيل والمملكة العربية السعودية ـ حلفاء الولايات المتحدة منذ فترة طويلة ـ ولكنها تهدد أميركا أيضا، خاصة أن هذه الصواريخ لديها القدرة على حمل رؤوس حربية نووية وهي بمثابة تغيير في اللعبة الاستراتيجية في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.

وعلى هذا النحو، كان قرار إيران اختبار القدرة على إطلاق الأقمار الصناعية الآن محير إلى حد ما. ويبدو أن تحرك إيران هذا قد قدم مبررا رئيسيا لسياسات ترامب إزاء إيران. ورغم أن السياسة الخارجية الأميركية لا تمثل عاملا مهما للناخب الأميركي ـ خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الحالية التي تواجهها البلاد ـ لكن ما حصل يعزز صورة الرئيس الأميركي بين قاعدته الصلبة والمتمثلة بالرئيس القوي الصارم. كما أنها تساعده على رفع مستوى المخاوف بين ناخبيه وهذا عنصر أساسي لربح المعركة الانتخابية من قبل أي سياسي يعتمد على ذات مقومات الفوز التي يعتمدها الرئيس ترامب.

يبدو أن عملية الإطلاق أيضا وضعت الولايات المتحدة في وضع أفضل على المسرح الدولي أيضا حيث أن دول العالم التي كانت داعمة للموقف الإيراني من الاتفاقية النووية، سيصعب عليها اتخاذ ذات الموقف بعد كشف إيران لقدراتها الصاروخية الجديدة!

الصراع على النفوذ والسلطة بين السلطات المدنية في إيران والحرس الثوري الإيراني قد تطور خلال العامين الماضيين

ونظرا للكيفية التي قد يؤثر بها إطلاق الصواريخ على السياسة الأميركية تجاه إيران، فمن غير الواضح ما إذا كانت قوى الدولة الأكثر اعتدالا في إيران، مثل الرئيس ووزارة الخارجية سيرحبان بتوقيت إطلاق الصاروخ. ويبدو أن ذلك يمثل أهمية خاصة، حيث عبرت الإدارة الأميركية الحالية مرار وتكرارا عن استيائها من الاتفاق النووي الذي وقعته أدارة أوباما نظرا لعدم تضمين ذلك الاتفاق لموضوع الصواريخ البالستية والتي تمثل تهديدا للأمن العالمي والإقليمي.

كما أن حملة الخارجية الإيرانية في الدفاع عن الموقف الإيراني ومهاجمة الموقف الأميركي كانت دوما ترتكز على عنصرين أساسيين هما العنصر القانوني إذ أن إيران ملتزمة بالقانون الدولي فضلا عن العنصر الإنساني، أي أن إيران دولة مسالمة ولا تشكل تهديدا للسلام الإقليمي أو الدولي. هذا العنصران المهمان في الدفاع الإيراني يواجهان تحديا جديا بسبب تداعيات إطلاق إيران لقمرها الصناعي.

بالنظر إلى كل هذه العوامل، يجب ألا يُنظر إلى عملية إطلاق القمر الصناعي على أنها سياسة تدعمها جميع أجهزة الدولة الإيرانية، بل كانتصار للحرس الثوري الإيراني على تيارات أخرى داخل السلطات الإيرانية ـ وهو الحدث الأحدث في صراع السلطة والذي دام لسنوات ويمكن رؤيته أيضا في النهج الاستباقي الذي اتبعه الحرس الثوري في جهود الإغاثة الخاصة بمواجهة تفشى فيروس كورونا. 

وعلى عكس العناصر الأكثر اهتماما بالمفاوضات، فإن استراتيجية الحرس الثوري قد رسخت نفسها منذ فترة طويلة حول توظيف التهديدات، وخلق نوع من "سياسة حافة الهاوية النووية"، التي تم استغلالها بنجاح خلال إدارة أوباما حيث دفعت الدول الغربية للجلوس والعمل لإبرام صفقة جيدة مع إيران.

من الواضح أن الصراع على النفوذ والسلطة بين السلطات المدنية في إيران والحرس الثوري الإيراني قد تطور خلال العامين الماضيين. كانت استقالة وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في فبراير 2019 على إثر دعوة سليماني للأسد لزيارة طهران دون إبلاغه، مؤشرا واضحا هذا الصدع. كما أدى اغتيال سليماني، زعيم الحرس الثوري الإيراني المؤثر للغاية والذي كان قريبا جدا من المرشد الأعلى خامنئي، إلى زيادة قوة المؤسسات الرسمية الإيرانية المدنية (الرئاسة ووزارة الخارجية ووزارة الأمن القومي وغيرها).

ويمثل تعيين مصطفى الكاظمي كرئيس للوزراء في العراق خسارة أخرى للحرس الثوري الإيراني حيث تعتبره تلك المؤسسة من المقربين للولايات المتحدة.

كما عمدت عملية إطلاق القمر الصناعي عن طريق استخدام الصاروخ البالستي من قبل الحرس الثوري الإيراني إلى استعادة المبادرة من المؤسسات المدنية الرسمية في إيران. ومن المرجح أن يستمر هذا الصراع ليكون سمة بارزة في السياسة الإيرانية في وقت تعمل فيه البلاد على إعادة البناء بعد تفشى فيروس كورونا. ومع ذلك، لن ينتهي الصراع قريبا، وقد يكتسب المزيد من الزخم إذا مات المرشد الأعلى القوي.

يمثل تعيين الكاظمي كرئيس للوزراء في العراق خسارة أخرى للحرس الثوري الإيراني حيث تعتبره تلك المؤسسة من المقربين للولايات المتحدة

والآن بعد أن قامت إيران بتغيير الوضع الراهن بشكل كبير، فإن الأمر متروك للولايات المتحدة لتحدد الخطوة التالية، حيث أن طريقة استجابة الولايات المتحدة لإطلاق القمر الصناعي هي من ستحدد اتجاه هذا الفصل الجديد في التوترات بين البلدين.

ونظرا لأن هذا التهديد الجديد قد يكون موضوعا للتقييم الشامل من قبل حكومة الولايات المتحدة، يحب أن يكون هناك إجماع أميركي داخلي على أن إطلاق الصاروخ يمثل خطرا واضحا وقائما على أمن الولايات المتحدة، ويجب على الإدارة الأميركية أيضا أن تنسق استجابتها لهذا التهديد الخطير مع حلفائها الغربيين وعدم التصرف بطريقة أحادية. 

ففي حين أن الولايات المتحدة وحلفائها لم يتفقوا بالضرورة على نهج بعينه تجاه إيران في الماضي، يجب أن تمثل الإجراءات التي اتخذتها إيران مؤخرا علامة واضحة على وجود تهديد خطير قيد التطور. كما يتطلب الوضع القيام بفتح قنوات اتصال مع دولة إيران مع الاستمرار في الضغط على الحرس الثوري الإيراني. ويمكن أن يمثل دعم القوى المعتدلة داخل دولة إيران البديل الحكيم للمواجهة الحالية مع النظام.

مهما يكن الجواب فإن قواعد لعبة المواجهة الأميركية الإيرانية قد تغيرت، ومثلما سيكون عالم ما بعد كورونا مختلف عن عالم ما بعد كورونا فإن معطيات العلاقة الأميركية الإيرانية بعد إطلاق القمر نور ستختلف عن معطيات ما قبل هذا الإطلاق، ومن ثم، يجب فهم هذا الاختلاف والاعتراف به.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.