FILE - This Nov 18, 2011 file photo shows the guesthouse inside Osama bin Laden's compound in Abbottabad, Pakistan. A widow of…
منزل الضيوف في مجمع أبوت أباد في باكستان حيث كان يختبئ أسامة بن لادن

في الثاني من مايو 2011 داهمت قوات خاصة أميركية منزل أسامة بن لادن في أبوت أباد في باكستان، وقتلت الرجل الذي تعتبره الأجهزة الأمنية الأميركية أحد أهم رموز الإرهاب العالمي في القرن العشرين. أثناء المداهمة تم الاستيلاء على ملفات بينها، دفتر مذكرات مكتوب بخط اليد، يبدو أنه سجّل أفكار وملاحظات زعيم "القاعدة" حتى مساء آخر يوم في حياته.

وشاءت الظروف أن يطلب مني مؤخرا مركز بحوث في واشنطن المساعدة في توفير ترجمة مختصرة لهذا الدفتر، بالطبع وافقت على الفور. فالباحث تغريه معرفة التفاصيل ليقترب أكثر من تحليل الأحداث مهما كانت دقيقة ومركبة. بالنسبة لي، وربما لكثيرين غيري، تبدو التفاصيل مثيرة للفضول والدهشة للاطلاع على الجوانب النفسية والعاطفية التي شكلت الشخصية الأكثر جدلا في القرن العشرين، أسامة بن لادن، التي نُسج حولها الكثير من التساؤلات. 

فبن لادن هو "رجل الأعمال" الذي هجر القصور ليسكن الجبال، و"الشيخ" صاحب الأيديولوجيا، الذي انتشرت أفكاره لتعشش في عقول الأصوليين، ليصبح ملهما للعنف والتطرف، وهو كذلك زعيم تنظيم "القاعدة" و"العقل المدبر" الذي خطط ونفذ أحداث 11 سبتمبر 2001 التي كانت المرة الأولى التي تهاجم فيها الأراضي الأميركية في عقر دارها منذ الحرب العالمية الثانية. ذلك الهجوم الذي راح ضحيته آلاف الأبرياء، وأصبح حدثا مؤسسا لولوج حقبة جديدة وعالم جديد وتحالفات دولية محورها "الحرب الاستباقية" و"الحرب على الإرهاب".

الإعلامي الأميركي بيتر بيرغن، نائب رئيس مركز البحوث "نيو أميركا" والمختص بشؤون الإرهاب في قناة "سي أن أن"، كان من الأشخاص القلائل الذين سُمح لهم برؤية المنزل في اليوم التالي للمداهمة، وكان مما استغرب لرؤيته علب صبغة الشعر للرجال. ترى هل كان زعيم الإرهاب يصبغ شعره، ليبدو أصغر سنا لزوجاته الأربع، وأصغرهن تزوجها وهي مراهقة بينما كان هو رجلا في الأربعينيات؟ يبدو الأمر كذلك!

إن أفكار بن لادن ـ غير المألوفة ـ في أشهره الأخيرة هي أكبر دليل على فشل، بل وإفلاس الأيديولوجيا الإرهابية وأفكارها

دفتر المذكرات المؤلف من 220 صفحة يعطي نافذة على الحياة الشخصية والعائلية، والأفكار التي كانت تشغله وعائلته لآخر أشهر في حياته. فقد سجلت المذكرات اجتماعات يومية للعائلة، لمناقشة أحداث الربيع العربي التي كان بن لادن يتابعها كل يوم على شاشات القنوات الفضائية المختلفة، وتلخصها، ربما إحدى بناته سمية أو مريم، في الدفتر مع ردة فعل بن لادن، الذي يبدو أنه أراد أن تكون ردود فعله مسجلة. 

ومما لا شك فيه أن أفراد العائلة المتواجدين معه ومعظمهم نساء وأطفال، ما عدا ابنه خالد، لعبوا دور المعجبين المتلهفين لسماع آراء "الشيخ" الأب. المذكرات ناقشت بإسهاب كيف سيرد بن لادن، وما سيكون محتوى خطابه للذكرى العاشرة لحوادث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

من أكثر ما يلفت النظر، هو أهم الأفكار التي أراد بن لادن أن يوصلها لـ"الأمة" في خطابه المرتقب. فقد حرص مرارا وتكرارا، مؤكدا على بناته تحديدا، اللاتي يبدو أنهن كن بمثابة سكرتيرات شخصيات له، بأن يركزن في تجهيز الخطابات على ثلاثة أمور: أولها التركيز على إقامة مجلس شورى يقوم فيه "الصادقون" بتوفير النصيحة والمشورة، للدول التي تقوم فيها الثورات، والأخرى التي على وشك ذلك. الأمر الثاني هو أهمية إقامة مراكز بحوث ودراسات، حيث تستطيع "الطاقات الهائلة" المساهمة في علاج تحديات الأمة مثل نقص الغذاء والبطالة بطريقة علمية، متذمرا من أن أميركا فيها أكثر من 1000 مركز بحوث بينما في الدول الإسلامية العدد هزيل.

ليس واضحا أبدا كيف تصور بن لادن أن الطاقات الموهوبة في العالم العربي والإسلامي تستطيع أن تفكر بحرية للقيام بدراسات كهذه، فيما قيمة الإنسان شبه معدومة أمام عنف الجماعات المتطرفة، التي ساهم تنظيمه، إلى جانب عنف الأنظمة الديكتاتورية، في خلقها. 

وثالثا، أراد التأكيد على أهمية الاهتمام بالتربية وإنشاء أجيال لا تكن بالنفاق وبالطاعة العمياء للطغاة، كما يفعل الكثير من علماء المسلمين ومنهم الشيخ يوسف القرضاوي. نعم، هذا صحيح، الجهاد لم يكن أحد النقاط المحورية التي أرادها بن لادن للأمة.

اللافت في أفكار بن لادن، الذي تسبب بمقتل مئات الآلاف من المدنيين العزل، سواء المسلمين أو غير المسلمين أنه ينصح، وإن لم يقل ذلك صراحة، باتباع ما قام به الغرب ليحكم العالم وهو الاستثمار في العلم ونشأة أجيال حرة. كم هو مثير للتساؤل أن أسامة بن لادن حتى وهو يخطط لتدمير الحضارة الغربية، كانت مقومات تلك الحضارة هي الميزان الذي أراد استخدامه لإيصال آخر رسالة له. 

فإقامة لجان ومجالس شورى هي الطريقة الحضارية لحل المشاكل بدل المنظومة العنفية التي حثت عليها الجماعات المتطرفة ومنها "القاعدة". أما عن مراكز البحوث، فأي مراكز بحوث استطاعت أن تنشأ في أفغانستان، التي تدهورت للعصور الحجرية، عندما حكمتها أفكار "القاعدة". الميدان الوحيد الذي كانت هذه الأفكار بؤرة له هو الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان، خصوصا ضد النساء. هل كان بن لادن يخدع نفسه؟ أم أن ذاكرته مسمومة؟ كيف تكون هناك مراكز بحوث و"القاعدة" وأخواتها قتلت وشردت من المسلمين مئات الآلاف لأتفه الأسباب.

المذكرات تذكر أن بن لادن كان يخشى الاستهزاء به لو حاول ربط الربيع العربي بـ"القاعدة"

أما عن النفاق والطاعة، فالمضحك المبكي أن الثقافة العربية بشكل عام، وليس فقط "الداعشية" و"القاعدية" منها، تستخدم مفهوم الطاعة بنجاح كأكبر وسيلة لتعطيل الفكر النقدي، وجعل الناس قطيعا يساقون بسهولة لخدمة مصالح أولياء الأمر، على حساب غيرهم. الطاعة العمياء، التي هي إهانة لكرامة البشر وطريقة لسلبهم إنسانيتهم، ليست سوى خدعة فعالة وجزء رئيسي في ثقافة سلطوية قمعية من أزلها لمسح النزعة الفردية في الإنسان. ومن تبعات ثقافة الطاعة انعدام وجود مساءلة في المسؤولية، ليس فقط في أمور الحكم، بل أيضا على جميع المستويات في المجتمع. 

في المقابل، في منظومة التربية الغربية تتم تنشئة الأجيال على الفكر النقدي وعلى الإقناع، لا العنف. ورغم أن الغرب نفسه لا يحترم هذه المبادئ أحيانا إلا أنها جزء لا يتجزأ من منظومة الشعوب الغربية.

إن أفكار بن لادن ـ غير المألوفة ـ في أشهره الأخيرة هي أكبر دليل على فشل، بل وإفلاس الأيديولوجيا الإرهابية وأفكارها. هل يا ترى أدرك بن لادن فشل منظومته ولو عن غير وعي؟ هل كانت هذه محاولته لاستمالة الأجيال التي تظاهرت بكل سلمية ونادت بقوانين مدنية، وقامت فعلا بإنهاء أنظمة لم تستطع عشرات السنوات من الهجمات الإرهابية زعزعتها؟ هل أراد بن لادن أن يحسن صورته أمام الأجيال التي رفضت أساليبه؟ هل كانت أفكاره محاولة يائسة لاستمالة شباب الربيع العربي؟ 

المذكرات تذكر أن بن لادن كان يخشى الاستهزاء به لو حاول ربط الربيع العربي بـ"القاعدة". فهل تمثل هذه المذكرات آخر فصل من وقاحة إرهابي يحاول تنظيف تاريخه، متناسيا أن أفكاره وكل من تبعها لم تجلب للأوطان سوى الدمار والقتل؟

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.