Demonstrators hold signs as they protest the death of George Floyd at the hands of Minneapolis Police in Washington, D.C. on…
متظاهرون ضد مقتل مقتل جورج فلويد في العاصمة الأميركية واشنطن

كلما اندلعت أحداث عامة في الولايات المتحدة، شبيهة بالجريمة المُرتكبة بحق المواطن جورج فلويد، وما تبعها من تحركات داخلية منددة وصاخبة، تنبعث في منطقتنا أشكال من "النقد" البائس لـ"أميركا"، باعتبارها وحدة ثقافية وسياسية واقتصادية، وكونها بذاتها الكلية رمزا ومركزا وتعبيرا للـ"الشر" المطلق، الملبس بالكثير من أثواب البهاء الزائفة، حسب نقدنا البائس ذاك.

لا ينبع ذلك الفيض من الانفعالات البافلوفية السياسية والثقافية والإعلامية والاجتماعية التي نُصدرها كل مرة عن الولايات المتحدة، لا ينبع من مركز أو بنية أو جهاز أو سلطة بعينها، واعية وموجهة لتلك الانفعالات، بل يكاد ذلك التدفق، لشدة انتشاره وآليات تفاعله المعقدة، يكاد أن يكون بمثابة بنية تحتية صلبة للحياة العامة في منطقتنا، متفق عليها بين مختلف مستويات الفاعلين، السياسيين والثقافيين والمجتمعيين والأيديولوجيين، المجمعين بعمومهم، والجاهزين على الدوام، للجموح في نعت ونقد ووصف أميركا بكل سمات "الشر".

لا يتعلق الأمر بطبيعة الأشياء والأحداث والتوازنات في داخل الولايات المتحدة، حيث يمكن العثور على مئات الملاحظات والخطايا في ديناميكيات الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية الأميركية، وحيث أن الأميركيين كانوا من أكثر المجتمعات العالمية نقدا ومعارضة لأشكال الخلل والهشاشة في أنظمتهم العامة، وشيدوا طوال القرنين الماضيين التجربة العالمية الأكثر ثراء وحيوية وقابلية لـ"تجاوز الذات"، والتي ما تزال تنادي كل يوم بأنه ثمة الكثير الكثير الذي ما يزال يجب فعله، بشهادة ردود الفعل الشعبية والثقافية والسياسية الأميركية على الحادثة الأخيرة.

إن نقدنا البائس لأميركا كان ذو فاعلية عالية لصالح القوى المجتمعية المحافظة في بلداننا، التي نفت بنقدها الاجتماعي الدؤوب لداخل الولايات المتحدة، أية قيمة مضافة لكل ما راكمه هذا المجتمع الأميركي طوال تاريخه الحديث

الحكاية في مكان آخر تماما، في أن أغلبية واضحة من مختلف القوى السلطوية والسياسية والثقافية والأيديولوجية، وحتى المجتمعية، في منطقتنا، التي تشمل العالم العربي مع تركيا وإيران وبعض المناطق الأخرى من العالم الإسلامي، قد رسمت وراكمت منذ أواسط ستينيات القرن المنصرم صورة "منمذجة" عن الولايات المتحدة في مخيلتها العامة، على اعتبارها الآخر والنقيض المطلق لذاتنا الجمعية، الثقافية والسياسية والمجتمعية، في هذه المنطقة. رسمتها كونها حاجة ملحة وحيوية، لازمة لتشييد الكثير من التفاصيل والتوازنات داخل بلداننا.

لعبت تلك الصورة المصطنعة عن الولايات المتحدة أدوارا شديدة الحيوية، تمكنت عبرها مختلف مستويات الفعل العام في مناطقتنا من استغلالها لصالح شرعنة وتمتين مواقعها ومصالحها، وصياغة سلطتها ونفوذها داخل مجتمعاتها وبلدانها. حتى أن الكثير منها ترسم صورتها وكيانها الداخلي بناء واعتبرا لمناقضة هذه الـ"أميركا" المتخيلة.

♦♦♦

ثمة أربعة مستويات واضحة المعالم في ذلك الاتجاه، يتضح في كل واحدة منها آلية الفاعلية والانتاجية الداخلية لذلك التهافت على نقد أميركا.

سياسيا، يسعى ذلك النقد لأن يقول إن التجربة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة مجرد "كذبة"، وإنه على العكس مما يُروج عن الحياة السياسية في الولايات المتحدة، التي تجمع رزمة من القيم والأعراف والمبادئ الحداثوية، فإن الحياة السياسية الداخلية فيها شديدة القتامة.

يسعى هؤلاء المروجون لقول ما هو أبعد من هذه المباشرة بكثير، للقول إنه طالما أميركا هي كذلك، فإن مجموع القيم السياسية التي ترفعها عن حياتها السياسية، إنما هي بحد ذاتها "مجرد كذبة". وبالتالي فإن الديمقراطية والحريات العامة ومنظومة حقوق الإنسان وسيادة القانون وفصل السلطات...إلخ، هي فقط مجموعة من الأكاذيب. وبالتالي، فأنه على مجتمعات منطقتنا أن لا توالي أو تثق بتلك القيم السياسية، وبالتالي أن تتنازل عن أية مطالب في ذلك الاتجاه.

لم تعش القوى والشخصيات والدعوات المطلبية بتلك المبادئ والقيم في منقطتنا ابتزازا وتعنيفا وزجرا، طوال تجربتها المريرة مع السلطات الشمولية، مثلما عاشته من قهر ناتج عن الربط المحكم الذي فعلته السلطات الشمولية بين "أميركا الشريرة" وبين مطالب تلك القوى والشخصيات، وبالتالي شرعنت وفتحت الباب أمام محقهم مطلقا.

أيديولوجيا، كانت مختلف القوى الحزبية/السياسية في منطقتنا بحاجة ماسة لاختلاق تلك الصورة الوظيفية عن الولايات المتحدة. لأنها كانت ترفع عنهم عبئا ثقيلا، متمثلا بأن حقيقة الفعل السياسي والحزبي يجب أن يتمثل أولا ودائما في النضال الحقيقي واليومي والدؤوب في الداخل، في الاعتراف بصراعات القوى السياسية وتناقضات البنى الاجتماعية في داخل البلاد، وبالتالي وجوب الكفاح الدائم في سبيل تفكيك وإعادة تركيب كل ذلك.

روايتنا المجتمعية عن أميركا تدعونا إلى وليمة فخمة تدعونا للذكورية والبطريركية والعشائرية وقمع الجسد والمحافظة المناطقية

في ظلال عقود طويلة من الكساد السياسي الطويل، في دول ذات أنظمة شمولية مطلقة، كانت الصورة المصطنعة عن أميركا ترفع عن كاهل القوى الأيديولوجية كل ذلك الواجب الثقيل، تُجبر خاطرهم بأنه ثمة نضال ما أكثر وجاهة وفاعلية وأخلاقية من الاعتراف بحقائق الداخل والنضال في سبيل الدفاع عن ضعفائه ومهمشيه، يتمثل في "مواجهة أميركا"، وعلى مستوى العالم.

أنتجت الأحزاب والتيارات الشيوعية والقومية والدينية والمذهبية والإقليمية في منطقتنا ملايين الأطنان من الكتابات السياسية والأيديولوجية التقريعية بحق أميركا، كانت ألف ضعف أو أكثر مما أنتجته حول الفظاعات الموجودة والمتراكمة في دواخل بلدانها، حيث مهمتها الجوهرية، وربما الوحيدة. وحيث أنه يبدو واضحا بأن الفعل الأول كان اصطناعا وتشاغلا سخيفا، لتغطية سوء الجدارة الأخلاقية والوجدانية والتنظيمية والمعرفية والسياسية لممارسة الفعل الثاني.

ثقافيا، كان نقدنا لأميركا يقوم على دعامتين متكاتفتين، تقوم كل واحدة منها بإنتاج داخلي زاخر في بلدننا.

تقول الدعامة الأولى: أن أنماط العنف والمحق والإبادة والفاشية والعنصرية إنما منتجات التاريخ الأميركي فحسب، وهي ما تزال أساسية وجوهرية في الحياة العامة في ذلك البلد.

بغض النظر عن مدى صحة ذلك، وعن الجزء المغيب من تلك الحكاية، المتمثل بملحمة النضالات الأميركية النبيلة في الاعتراف وتجاوز كل ذلك، فإن هذه الدعامة إنما تستميت في سبيل رفع كل تلك السمات عنا نحن، عن ماضينا حاضرنا. بالقول بأن كل ذلك إنما هو "حقيقة" أميركا، التي تريد أن تلبسها لنا نحن زورا!

شُيدت أواصر تلك الدعامة لتفعل شيئا كثير الحيوية في كل تفصيل من علاقتنا من ذواتنا وتاريخينا وهوياتنا الجمعية، لتقول بصراحة وفجاجة إن الإبادة الأرمنية المريعة لم تجرِ، وإن اليونانيين لم يتم ترحيلهم من مدنهم ومناطقهم، وإن المحق السياسي والرمزي الذي يطال الأكراد مجرد كذبة كبرى، وإن تاريخ النبذ والكراهية والفوقية بين جماعاتنا الأهلية مجرد حكاية مختلقة، وإن الذكورية والمركزية والعنف ليست من بواطن أدبيات ومنتجات ثقافتنا السياسية والمجتمعية والأيديولوجية. أن تقول الكثير من مثل ذلك، مما يمنحنا موقع البراءة والمظلومية، وأن تدفع جميع تلك السمات، لأن تكون فقط هوية الآخر فحسب، أميركا.

تذهب الدعامة الثقافية الأخرى في نقدنا لأميركا للقول بأن جوهر الصراع في الداخل الأميركي عرقي وهوياتي، قائم على معادة وتحطيم القوى المجتمعية والهوياتية الأكثر ضعفا وهشاشة في الداخل الأميركي، الذين يتنوعون بين السكان الأصليين أو السود أو المسلمين، أو حتى الإسبان والآسيويين.

يسعى ذلك الإنتاج الثقافي لصناعة أواصر زائفة بيننا وبين تلك الجماعات الأميركية، بأسلوب مليء بالعرقية الثقافية. يقول بوضوح بأن ما يجمعنا مع أبناء تلك الجماعات الأميركية هو التعرض لظلم ذوي البشرة البيضاء! وبالتالي القول بوضوح أكثر بأن خلافاتنا السياسية وتبايناتنا الثقافية مع الولايات المتحدة غير متأتية من كوننا بدورنا نتمركز حول بعض المواقف والقيم والخيارات غير المناسبة للتكاملية العالمية، بل لأن أميركا التي تمثلها "الأغلبية البيضاء" هي كذلك مع كل أحد، بما في ذلك أبناء الجماعات العرقية في الداخل الأميركي. لذا فإن المشكلة هي في البنية التأسيسية لهذه الـ"أميركا"، وليست أبدا فينا نحن.

أيديولوجيا، كانت مختلف القوى الحزبية/السياسية في منطقتنا بحاجة ماسة لاختلاق تلك الصورة الوظيفية عن الولايات المتحدة

أخيرا، فإن نقدنا البائس لأميركا كان ذو فاعلية عالية لصالح القوى المجتمعية المحافظة في بلداننا، التي نفت بنقدها الاجتماعي الدؤوب لداخل الولايات المتحدة، أية قيمة مضافة لكل ما راكمه هذا المجتمع الأميركي طوال تاريخه الحديث، ذلك الكل الذي لم نتمكن من تحقيق البعض القليل منه.

كانت الحكاية/الدعاية المجتمعية الكبرى التي بحوزتنا عن المجتمع الأميركي تحاجج بأن كامل الخيارات الليبرالية والحريات الشخصية وسلطة الفرد على سلوكه وحقه الكامل في جسده والمساواة الجندرية والحق المطلق في حرية التعبير، بأنها بكاملها لم تغير من حقيقة العنف والكراهية والاستغلال والعنصرية التي تغطي المشهد المجتمعي الأميركي، حسب تلك الحكاية/الدعاية التي لنا عن أميركا.

دون أي سعي لدحض شبه المطلق لتلك الرواية المجتمعية في مخيلتنا العامة عن أميركا، وهو شيء سهل المنال، فإن هذه الرواية إنما تتقصد القول بأن كل تلك القيم والمناقب التي جربتها وتجربها المجتمعات الأميركية، من ليبرالية وحريات شخصية ومساواة في الحقوق الجندرية...إلخ، إنما بحد ذاتها مجرد هباء، بدليل أن المجتمع الأميركي أباحها كلها، ولم يستحصل إلا على مزيد من العنف والاستغلال والكراهية. وبالتي، فإن روايتنا المجتمعية عن أميركا تدعونا إلى وليمة فخمة تجمع كل ما يناقض تلك القيم المجتمعية، تدعونا للذكورية والبطريركية والعشائرية وقمع الجسد والمحافظة المناطقية...إلخ، جنان القوى المحافظة، التي تمهد عبرها لكل أشكال نكوصنا وتخلفنا عن حركة التاريخ والحياة.

الدافع الأعظم لما يصدر عن مجتمعاتنا ودولنا وقوانا السياسية وتياراتنا الثقافية والأيديولوجية من نقد وزجر لـ"أميركا"، أثناء التفاعل مع الأحداث الداخلية في ذلك البلد، لا يصدر عن نية ووعي بالهوية العالمية لنا، وبالتالي حقنا المطلق في تناول كل تفصيل لأي حدث، أينما كان يجري على صخرة العالم، بل هو الحاجة المُلحة للكثير من قوانا الفاعلة لمثل ذلك النقد الزاجر، وهذا مصدر بؤسها.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.