Imams leave after the Eid al-Fitr prayers, at the Grand Mosque in Pristina on May 24, 2020, as mosques are still closed to…
رجال دين يغادرون أحد مساجد كوسوفو بعد صلاة عيد الفطر

"دراسة أسترالية تفسر سبب تأثير كورونا على مرضى السكري والضغط بشكل أكبر"؛

"دراسة ألمانية تحدد تأثير الكلوروكين على مرضى كورونا"؛

"فريق طبي ياباني يجري اختبارات حول لقاح محتمل ضد فيروس كوفيد 19"؛

"جون ألميدا... العالمة البريطانية التي اكتشفت فيروس كورونا"؛

"أطباء أميركيون يعلنون"...

بالفعل، لم يجد العلماء بعد علاجا لفيروس كورونا. تُجرى الاختبارات في عدد من مختبرات العالم. يناقش الخبراء العديد من التفاصيل الخاصة بالفيروس لتحديد خصائصه البيولوجية وكيفية انتقاله وتطوره، يبحثون عن لقاح، يجربون الحلول المحتملة... ويوما ما، نتمناه قريبا، سيعثرون عن لقاح يخصلنا من هذا الكابوس.

نحن للأسف ما زلنا نخلط بين العالم الذي يشتغل في ميادين علمية حقيقية، وبين فقيه يؤول نصوص القرآن، فنسميه عالما أيضا

من المحتمل أن يعرف الفيروس جيلا جديدا وطفرة تجعله يعود بيننا. وحدهم الأخصائيون قادرون على دراسة الاحتمالات الممكنة وكيفية التصدي لها...

لكن المثير لبعض الألم، هو أن معظم هذه الدراسات والمختبرات والبحوث... معظم هؤلاء العلماء، هم من الغرب الكافر ومن الشرق المتطور... شرق آخر لا علاقة له بشرقنا المتوسط، وغرب حقيقي لا علاقة له بالغرب نفسه الذي توجد به دول كالمغرب والجزائر وتونس.. بحوث وعلماء ومختبرات من ألمانيا وأستراليا واليابان وبريطانيا وكندا... بينما نحن غير قادرين حتى على احترام شروط التباعد الجسدي والحجر الصحي.

بعضنا حزين لأن المساجد أقفلت (علما أن جل أماكن التعبد في العالم أقفلت)، أكثر من حزنه لكون المدارس والجامعات أيضا أقفلت؛ رغم أن الله موجود في كل مكان ورغم أنك تستطيع أن تصلي وتتعبد الله في كل مكان توجد فيه شرقا أو غربا، في بيتك أو في مسجد أو كنيسة...

بعضنا الآخر يساهم بشكل مرضي في نشر معظم روايات نظرية المؤامرة، التي لم يكتشفها كل صحافيي العالم الحر الديمقراطي ولا الباحثون ولا العلماء ولا المحققون... وحده صديقنا الذي شحن هاتفه ببضع دريهمات من النت والذي نادرا جدا ما يقرأ كتابا أو مقالا رصينا على منبر إعلامي جاد؛ وحده أدرك أبعاد المؤامرة الخطيرة ووحده سيفضحها للعالم.

ليس عيبا أن يشتغل الإنسان على أمور دينه، لكن العيب والخطر بعينه أن نركز على الدعاء أكثر من تركيزنا على تطوير البحث العلمي

نحن، بكل الألم الممكن، شعوب لم تتطور فيها العلوم والأبحاث الرصينة، إلا على شكل حالات فردية متفرقة. نفتخر بين الفينة والأخرى بعالم بلجيكي أو أميركي أو هولندي من أصول مغربية أو مصرية أو عراقية أو سورية... وننسى أنه، حتى وإن كان (كما هو الحال مع العالم الأميركي من أصل مغربي، منصف السلاوي)، قد درس لسنوات عديدة في المغرب (منصف السلاوي حصل على الباكالوريا في المغرب)، فإن نجاحه ومساره العلمي قد تحقق بفضل هجرته لبلد يحترم العلم والعلماء ويضع أمامهم إمكانيات تطويره. من حقنا طبعا أن نفتخر بمسارات أشخاص مثل منصف السلاوي ونفتخر بانتمائنا معه لنفس المرجعية الثقافية ونفس البلد. لكن هذا لا يجب أن ينسينا بأن التطور الحقيقي سيتحقق حين تتوفر لدينا مراكز بحث قادرة على احتواء مثل هذه الكفاءات.

نحن للأسف ما زلنا نخلط بين العالم الذي يشتغل في ميادين علمية حقيقية، وبين فقيه يؤول نصوص القرآن، فنسميه عالما أيضا.

ليس عيبا أن يشتغل الإنسان على أمور دينه، لكن العيب والخطر بعينه أن نركز على الدعاء أكثر من تركيزنا على تطوير البحث العلمي. العيب أن نخصص لمراقبة تفاصيل اختيارات الآخرين ومحاسبتهم على أمور لا يفترض أن تعنيننا أو تمسنا، أكثر مما نخصص من الوقت للبحث والعلم.

والأكثر خطرا... ألا تفهم الدول والحكومات أن العلم وحده قادر أن ينقذنا اليوم. لا الصراخ ولا الدعاء ولا الصلاة ولا النفاق ولا القوانين التيوقراطية ولا التدخل في حياة الآخرين ولا محاصرة الحريات السياسية والفردية... قادرة أن تخرجنا من مآسينا الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وحده العلم ووحدها قيم المواطنة ووحدها التربية التي تطور ملكات النقد ومستوى الوعي، تصنع مجتمعا قادرا على التطور، على مقاومة الأخطار الممكنة... على العيش وليس فقط على استهلاك الحياة!

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.