Epidemiologist Neil Ferguson speaks at a news conference in London, Britain January 22, 2020, in this still image taken from…
عالم الكمبيوتر الإحصائي في بريطانيا "نيل فيرغسون"

حين ظهرت جائحة كورونا لم يكن خافيا أن أعداد الإصابات سوف تتفاقم، وبالتالي أعداد الوفيات، وكان أمام القيادات السياسية العديد من النظريات والنماذج الإحصائية الرقمية التي تتنبأ الأعداد المستقبلية للمرضى.

ومن ضمن هذه النماذج المستقبلية والتي أجريت من خلال برامج إحصائية عبر الكمبيوتر كان نموذج عالم الكمبيوتر الإحصائي في بريطانيا "نيل فيرغسون".

وتبعا لـ "نموذج فيرغسون" الإحصائي فقد توقع أن أعداد الوفيات بسبب الإصابة بالفيروس في إنكلترا كانت ستصل إلى نصف مليون، وفي أميركا إلى أكثر من اثنين ونصف مليون نسمة، وفي السويد أكثر من أربعين ألف وفاة ـ إذا لم تتخذ هذه الدول إجراءات شديدة الصرامة لفرض حظر على الناس، وإجبارهم على الجلوس في بيوتهم، ووصل الأمر لدرجة أن البعض أطلق على هذا العالم "د. لوكداون" والتي تعني باللغة الإنكليزية "دكتور اجلس في بيتك"!.

والعجيب أن القيادات في أميركا وإنكلترا والعديد من الدول الأخرى أخذت بهذا النموذج الافتراضي وأصدرت قرارات شديدة القسوة لإجبار الناس على المكوث في المنازل.

الكارثة الأكبر هي كيف اتبع العالم "نموذج فيرغسون" بالرغم من فشله الذريع في الماضي في توقع أعداد الوفيات بأنفلونزا الخنازير وأنفلونزا الطيور!

وللأمانة العلمية فقد حاول بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني في البداية رفض تبني هذا الإحصاء الافتراضي تبعا لنصائح كبير العلماء في مجال الأوبئة في بريطانيا حينذاك، ولكنه خضع بعد حوالي أسبوع واحد فقط واتبع نهج "اجلس في بيتك" بدلا من اتباع نهج السويد وهي من الدول القلائل التي رفضت تماما اتباع هذا النهج فلم تغلق المحلات أو المصالح الأخرى في الدولة وكان ذلك بناء على نصيحة كبير علماء الأوبئة في السويد.

والكارثة في اتباع منهج "اجلس في بيتك" تكمن في أنه يجعل من يحملون الفيروس ولا تظهر عليهم الأعراض يخالطون الأصحاء في المنازل المغلقة، مما يزيد من معدلات الإصابة بالمرض، وهذا ما حدث بالفعل فبدون أي استثناءات حدثت زيادات كبيرة بل وطفرة في أعداد المصابين وبصورة جنونية أحيانا بعد بداية اتباع منهج "اجلس في بيتك" في جميع الدول التي طبقت هذا المبدأ.

ولكن الكارثة الأكبر هي كيف اتبع العالم "نموذج فيرغسون" بالرغم من فشله الذريع في الماضي في توقع أعداد الوفيات بأنفلونزا الخنازير وأنفلونزا الطيور!

والمؤسف أن الناس تحركت استنادا إلى الخوف وليس العلم في هذا الأمر فاتهمت بعض الشعوب قيادتها السياسية بأنهم لا يحترمون حياة البشر إن لم يصدروا أوامر "اجلس في بيتك" ويغلقوا المدارس ومعظم الأنشطة في الدولة تقريبا، ويبدو أن الخوف كان هو المحرك الرئيسي الذي أدى إلى اتباع هذا النموذج والذي أثبت فشله بوضوح في توقعات أعداد وفيات كورونا!

فعلى سبيل المثال توقع دكتور "اجلس في بيتك" أن عدد الوفيات في السويد ستكون أكثر من مئة ألف إن لم تطبق حظر التجوال بقسوة على مواطنيها وتفرض عليهم الجلوس في منازلهم.

 ولم تعر السويد هذا النموذج أي اهتمام ولم ترتعد أمام الفيروس ولم تطبق أية إجراءات صارمة لفرض المكوث في المنازل على مواطنيها. وأثبتت السويد نظريتها حيث أن عدد الوفيات بقرب نهاية شهر يونيو الحالي نحو خمسة آلاف وفاة فقط.

وكانت النتيجة أن عدد الوفيات عندهم في شهر يونيو كان أقل من خمسة آلاف نسمة (وهو معدل أقل من العديد من الدول الأوروبية الأخرى مثل إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وإنكلترا)، وبالإضافة إلى ذلك ـ وعلى العكس تماما من الدول التي قررت اتباع منهج "اجلس في بيتك" ـ زاد نمو الدخل القومي الإجمالي عندهم في الربع الأول من هذا العام بالرغم من وجود وانتشار جائحة كورونا.

اتخاذ القرارات المتسرعة تحت تأثير الخوف قد يكون سببا في اتباع "نموذج فيرغسون" الفاشل مما أدى إلى كوارث اقتصادية مرعبة قد تستمر آثارها لسنوات!

ويبدو أن تبني "نموذج فيرغسون" ـ بالرغم من وجود العديد من نقاط الضعف فيه ـ كان بدرجة أو بأخرى بسبب أنه خاطب غريزة شعور الاطمئنان لدى الناس العادية حين يمكثون في بيوتهم، بالرغم من أن الإحصائيات كما حدث في ولاية نيويورك أثبتت أن احتمال الإصابة بالفيروس كان أكثر عند الذين جلسوا في البيوت من الذين كانوا يخرجون من منازلهم.

ويبدو أن الناس تذكروا كيف كانوا وهم صغار يمكثون في المنزل حين يمرضون ولكنهم نسوا أن ذلك كان حين "يمرضون" ولم يكن وهم "أصحاء" كما حدث في جائحة كورونا، ومكوث الأصحاء في المنازل لم يقلل من أعداد الإصابات كما ذكرنا بل ولربما تسبب في زيادته!

والمحصلة النهائية أن اتخاذ القرارات المتسرعة تحت تأثير الخوف قد يكون سببا في اتباع "نموذج فيرغسون" الفاشل مما أدى إلى كوارث اقتصادية مرعبة قد تستمر آثارها لسنوات!

وأختم مقالي هذا بذكر أن نيل فيرغسون تم إقالته ـ أو استقالته ـ حديثا من منصبه خاصة بعدما خرق بنفسه حظر التجول ـ والذي نصح به العالم أجمع ـ لكي يقابل صديقته سرا وفي الخفاء!

إنبوب النفط العراقي

رغم حالة الغموض التي تكتنف مسار العلاقات بين العراق وسوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر الماضي، يبرز بين حين وآخر حديث عن محاولات لفتح صفحة جديدة من التعاون بين البلدين.

إحدى أهم الخطوات في هذا المجال المساعي لإحياء خط أنابيب النفط العراقي المار عبر سوريا.

وبدأت الحكومة العراقية رسميا، في أبريل الماضي، محادثات مع الجانب السوري لاستئناف تصدير النفط عبر ميناء بانياس السوري المطل على البحر المتوسط. وقد زار وفد عراقي رفيع المستوى دمشق لمناقشة خطط إعادة تأهيل الخط الذي ظل معطلا لعقود بسبب الحروب والإهمال.

وفي 25 أبريل، أعلن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي أن وفدا حكوميا برئاسة حميد الشطري، رئيس جهاز المخابرات، وصل إلى دمشق بتوجيه من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، والتقى بالرئيس السوري أحمد الشرع وعدد من المسؤولين السوريين.

وذكر البيان أن المباحثات شملت قضايا متعددة من بينها مكافحة الإرهاب، تعزيز أمن الحدود، والأهم من ذلك، بحث إمكانية إعادة تشغيل خط أنابيب النفط الواصل بين كركوك وبانياس.

مصالح استراتيجية مشتركة

يقول مظهر محمد صالح، مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون الاقتصادية، لقناة "الحرة" إن بغداد ودمشق تتشاركان الرغبة في استئناف تشغيل الخط، الأمر الذي سيعود بالنفع على البلدين وعلى لبنان أيضا.

"المناقشات بين الحكومتين مستمرة منذ فترة، وقد شهدت مؤخرا تقدما ملموسا على مستوى اللجان الفنية".

ويضيف صالح أن التركيز الحالي منصب على الجوانب اللوجستية والفنية والقانونية، لا سيما إعادة تأهيل البنية التحتية وضمانات الأمان اللازمة لتشغيل الخط بشكل مستدام.

ويؤكد أن إعادة تشغيل الخط ستسهم في تسريع خطة العراق لتنويع مسارات تصدير النفط، خصوصا نحو الأسواق الأوروبية:

"خط كركوك–بانياس يمنح العراق مرونة استراتيجية وتكلفة أقل، خاصة في ظل التحول الإقليمي نحو الاستقرار والتنمية المستدامة".

ويشير صالح إلى أن هذا المشروع يمكن أن يعزز الاستثمار في قطاع النفط العراقي ويساعد البلاد على الوصول إلى هدف إنتاج 6 ملايين برميل يوميا، تماشيا مع الطلب العالمي المتزايد في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية.

خلفية تاريخية

أُنشأ خط أنابيب العراق–سوريا عام 1934، بطول نحو 900 كيلومتر، ويمتد من حقول كركوك شمالي العراق مرورا بالأراضي السورية. وكان ينقسم إلى فرعين: أحدهما ينتهي في بانياس، والآخر في ميناء طرابلس في لبنان.

وقد شكل هذا الخط مسارا حيويا لتصدير النفط خلال القرن العشرين، حتى أوقفه النظام السوري عام 1982 أثناء الحرب العراقية–الإيرانية. ومنذ ذلك الحين، اعتمد العراق على مسارات أخرى مثل خط العراق–تركيا (ITP).

لكن أجزاء كبيرة من خط كركوك–بانياس تعرضت للدمار والسرقة، خاصة في المناطق السورية المتأثرة بالحرب، ولم يضخ العراق أي نفط عبر الأنبوب منذ أكثر من 40 عاما.

تحديات

يرى خبير الطاقة غوفيند شيرواني أن محاولات إحياء خط كركوك–بانياس مدفوعة حاليا باعتبارات سياسية أكثر من كونها اقتصادية أو تقنية.

وفي حديثه لـ"الحرة"، يحدد شيرواني ثلاثة عوائق رئيسية:

أولها الأمن، إذ يمر الخط عبر مناطق لا تزال خارج سيطرة الحكومة السورية، حيث تنشط خلايا داعش وجماعات مسلحة أخرى".

ويحذر شيرواني من أن ضمان الأمن الكامل على طول المسار شرط أساسي لأي تقدم.

العائق الثاني يتجسد في الحالة الفنية. ويشير خبير الطاقة إلى أن الخط الحالي "قديم، متآكل، وتعرض للتلف في عدة مناطق بشكل لا يمكن إصلاحه". هناك حاجة لإنشاء خط جديد كليا أو تعديل المسار بناء على الوضع الميداني.

وأخيرة العائق المالي، فبناء خط جديد بطول 800 كيلومتر سيستغرق من سنتين إلى ثلاث سنوات، وسيتطلب ميزانية تتراوح من 4 إلى 5 مليارات دولار، تشمل الأنابيب ومحطات الضخ ومراكز المراقبة والأمن.

خيارات بديلة

تزامنت عودة الاهتمام العراقي بالمسار السوري مع استمرار المفاوضات بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان والشركات الدولية لاستئناف صادرات النفط عبر تركيا، والتي توقفت منذ أكثر من عامين بقرار من محكمة التحكيم الدولية في باريس لصالح العراق في نزاعه مع تركيا بشأن صادرات نفط الإقليم.

وأوضح شيرواني أن مقارنة خطي بانياس وجيهان التركي أمر طبيعي، لكنه أضاف: "خط جيهان جاهز من الناحية الفنية، والعوائق أمامه محدودة تقنيا وماليا، أما خط بانياس فهو مشروع جديد تماما ويتطلب دراسة جدوى اقتصادية كاملة".

ومع ذلك، يرى شيرواني أن كلا المسارين مهمان ويتوافقان مع سياسة العراق الرامية إلى تنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على الممرات المهددة في منطقة الخليج، خاصة مع التوترات المستمرة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما الإقليميين.

وبحسب خبراء اقتصاديين تحدثوا إلى "الحرة"، فإن إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس قد تحقق عوائد مالية كبيرة لسوريا، من خلال خلق آلاف من فرص العمل، والمساهمة في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، إضافة إلى دعم سوق الوقود المحلي عبر تكرير النفط العراقي بأسعار مخفضة في مصفاة بانياس.

العقبة الإيرانية

يؤكد المستشار الاقتصادي السوري، أسامة القاضي، أن المشروع اقتصادي في جوهره، لكنه معقد سياسيا وأمنيا، خاصة بسبب النفوذ الإيراني في العراق.

يقو القاضي إن المشكلة لا تتعلق بالبنية التحتية فقط، بل بوجود فصائل داخل العراق تعارض الحكومة السورية الجديدة، وتعتبرها دمشق أدوات إيرانية.

"طالما بقيت هذه الأطراف نشطة، لا أعتقد أن المشروع سيمضي قدما، حتى وإن تم توقيع الاتفاق".

ويرى القاضي أن على بغداد اتخاذ موقف واضح ضد التدخلات الخارجية. ويلفت إلى أن التوترات الطائفية ما زالت تعيق التعاون الإقليمي.

تفاؤل حذر

رغم أن إعادة إحياء خط كركوك–بانياس يمثل فرصة استراتيجية واقتصادية وجيوسياسية لكلا البلدين، لا تزال العقبات أمام تحقيقه كبيرة. ويعتمد التقدم في هذا المشروع على حلول هندسية واستثمارات مالية، إلى جانب تحسين الوضع الأمني وتسوية النزاعات السياسية العالقة.

في الوقت الراهن، يُعد المشروع اختبارا لإمكانية الاندماج الاقتصادي الإقليمي، وقدرة الدول الخارجة من النزاعات على التحول نحو تعاون مستدام.