Sheikh Tamim bin Hamad al-Thani, Emir of Quatar, deliver remarks before dinner with US President Donald Trump at the Treasury…

سبق أن تناولت موضوع تغلغل اليساريين والشيوعيين في الجامعات الأميركية، في مقال بعنوان: "عن القمع في المجتمع الجامعي الأميركي". ولتوطيد أيديولوجيتهم الفكرية يقومون بدعم الأقليات مثل الإسلاميين الذين يشاطرونهم نفس الأيديولوجية أو يتقاطعون معها. نتيجة لذلك لم تعد الجامعات في أميركا مكانا رحبا لتبادل الأفكار وتقبل الرأي الآخر، بل إن أي شخص يعترض على آرائهم يتهم بأنه عنصري أو متعصب أو كاره للإسلام حتى لو كان مسلما.  

ومن هذا المنطلق يمكن لنا نعتبر أنه بات تحالف اليسار في الولايات المتحدة الأميركية مع دعاة الإسلام السياسي واضحا وجليَّا للعيان، وهذا إما يكون بسبب اتفاق أيديولوجي لمحاربة خصوم اليسار أو لمصالح مادية مشتركة. وقد تجلى ذلك فيما نراه من اختراق وتمويل للجامعات الأميركية.

إن تمويل قطر السخي للجامعات الأميركية، هو أحد أشكال هذا التحالف. ويهدف إلى خلق نفوذ يخدم مصالح قطر، بحيث يمكنها من حشد قاعدة شعبية ورأي عام أميركي يكون مؤيد لها.

في نهاية عام 2019، اكتشفت وزارة التعليم الأميركية أن العديد من المؤسسات التعليمية في البلاد لم تبلغ عن أكثر من مليار و30 مليون دولار من التمويل الخارجي

تفاصيل هذا التمويل كشفها موقع The Washington Free Beacon الذي اعتمد على بيانات مذكرة رسمية تلقتها وزارة الخارجية الأميركية. وحسب ما ذكر في الموقع، أنفقت مؤسسة قطر 1.5 مليار دولار على الأقل منذ عام 2012 لتمويل مجموعة من المبادرات التعليمية في 28 جامعة في مختلف أنحاء أميركا، مما يجعلها واحدة من أكثر الممولين الأجانب في النظام التعليمي الأميركي.

ففي نهاية عام 2019، اكتشفت وزارة التعليم الأميركية أن العديد من المؤسسات التعليمية في البلاد لم تبلغ عن أكثر من مليار و30 مليون دولار من التمويل الخارجي، ودخول قطر كواحدة من أكبر الممولين في هذا المجال أثار الريبة حول نوايا قطر لتحويل المؤسسات الأكاديمية الأميركية إلى وكلاء فعليين لديها ينقلون ويروجون لتوجهاتها السياسية الداعمة للإسلاميين.

من المعروف أن قطر تنفق ما لا يقل عن 405 مليون دولار سنويا لتغطية نفقات ست جامعات أميركية ومقرها الدوحة. هذه الجامعات تشمل نورث وسترن، وتكساس إيه آند إم، وجورجتاون، وفرجينيا كومنولث، وكورنيل، وكارنيجي ميلون.

تنفق قطر أيضا أكثر من 30 مليون دولار على برامج تدريب موجهة نحو الشرق الأوسط للطلاب الأميركيين في مدارس مختلفة في جميع أنحاء الولايات المتحدة.   وقد ذكرت مجموعة قانونية أن هذا النقد هو جزء من "عملية نفوذ واسعة النطاق في أميركا" التي تمكن الأجندة القطرية بشكل أكبر.

ولا يعد تمويل الدوحة للمدارس والجامعات سوى نقطة في بحر محاولاتها المستمرة للتسلل داخل المجتمع الأميركي فهي تمول أيضا مؤسسات فكرية ومراكز بحثية بارزة مثل معهد بروكينغز.

بناء قاعدة شعبية في دولة أجنبية يمكن أن يعتبر أمرا جيدا يحسب لصالح قطر وقد يقع تحت بنود الدبلوماسية العامة وهذا ما تفتقده الدول المقاطعة لقطر في الداخل الأميركي

من أهم دوافع قطر لكل هذه التمويلات هو خلق قاعدة شعبية لها وذلك ليس فقط لتحسين صورتها في المجتمع الأميركي بقدر ما هو تشويه لسمعة خصومها وعلى وجه التحديد المجموعة الرباعية المقاطعة لها، أي السعودية ومصر والإمارات والبحرين.

فالقاعدة الشعبية لقطر في الداخل الأميركي لها شقين: الشق الأول، من خلال دعم جماعات الإسلام السياسي المتمثلة تحديدا بالإخوان المسلمين المقيمين في أميركا. أما الشق الآخر من خلال تمويل ودعم الجامعات ومراكز الفكر ذات التوجه اليساري والتي لها اختلافات أيديولوجية مع الدول المقاطعة لقطر بسبب ميول تلك الدول سياسيا للمدرسة المحافظة الغربية.

فكثير من الأكاديميين والباحثين وهيئات التدريس في أميركا لديهم توجهات يسارية معادية بشدة لهذه المدرسة المحافظة وتناهض من يؤيدها. قطر من خلال تمويلها تلعب على هذه النقطة.

إن بناء قاعدة شعبية في دولة أجنبية يمكن أن يعتبر أمرا جيدا يحسب لصالح قطر وقد يقع تحت بنود الدبلوماسية العامة وهذا ما تفتقده الدول المقاطعة لقطر في الداخل الأميركي، لكن عندما يكون التمويل بهذا الشكل الكبير للجامعات ومراكز البحوث وأيضا يكون هناك استغلال لاختلافات أيديولوجية بين الشعب الأميركي، قد يحول هذه القوة الناعمة من مصدر توطيد علاقات إلى تأجيج صراعات على الصعيد الداخلي في الولايات المتحدة الأميركية وأيضا الخارجي.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!