A protesters takes a moment while speaking to the crowd as they march through Hollywood during a demonstration over the death…
متظاهرة في لوس أنجل أنجلوس

العلاقة بين المواطنين الملونين (خصوصا السود) ورجال الشرطة في الولايات المتحدة لم تكن يوما ناشئة من عدم، بل هي حصاد تراكم تاريخي طويل لم يوقفه أحد، ولم يتوقف أحد لوضع نهاية فعلية له.

مشاريع القوانين ومواثيق الحقوق المدنية التي أعقبت كل انتفاضات "غير البيض" في الولايات المتحدة لم تكن أي منها نهاية للمأساة بقدر ما كانت مرحلة جديدة متطورة من "الإقصاء" حسب العرق والطبقة.

فلنبدأ باختصار من أول السطر:

منذ اللحظة التي رست فيها سفينة سانتا ماريا وعلى متنها المؤمن حد التعصب الديني كولومبوس أمام ذلك العالم الجديد (متوهما أنه الهند)، وكان قرار الإقصاء العرقي والديني متوفرا في النوايا بلا مواربة.

وبعد الاكتشاف ونهب الذهب تم اعتبار ذلك الجزء من العالم جغرافيا غير مأهولة رغم وجود سكان أصليين. الحل السحري كان في تجريدهم من إنسانيتهم لتستقيم فكرة "عالم جديد غير مأهول"، مما مهد بعد هذا التجريد الإنساني إلى حالة إقصاء اعتمدت الإبادة الجماعية. وهو ما كان من مجموعات متقاطرة على "العالم الجديد غير المأهول" قوامها أناس "بيض" بمذاهب دينية مختلفة يحملون الأسلحة والبارود والنوايا السيئة، ليسيطر صوت إطلاق النار من المسدسات على الطبيعة الساحرة وبدأت الإبادة لسكان أصليين تم تسميتهم "هنودا حمرا" بأسوأ تسمية عنصرية تستخدم اللون للتعريف العرقي (مثل تسمية بني الأصفر التي أطلقها الغزاة العرب على الرجل الأبيض نفسه سابقا).

هذا المسكين الذي نال حريته بعد حرب طويلة وشرسة، وعذاب تاريخي أطول، وتعديل دستوري محكم الصياغة يجد نفسه حينها مدانا بجنح وجرائم، تحرمه كل تلك الحرية، حتى بعد الإفراج عنه

كان لا بد من حيلة "جماعية" لطي صفحة تلك المخلوقات التي أبيدت بفترات زمنية قصيرة، ولترسيخ فكرة "جغرافيا جديدة غير مأهولة" كان من الضروري أن يبدأ التاريخ لتلك الجغرافيا من تلك اللحظة، مع توليد التاريخ تكرارا، بمعنى ألا يكون للتاريخ في الذهنية الجماعية أي أهمية، ومن هنا نشأت الفلسفة النفعية التي تأسست عليها فكرة الولايات المتحدة، فالفرد هو الأهم، والتاريخ دوما يبدأ الآن في جغرافيا شاسعة ووفيرة بالموارد، وتراكمت الفكرة واختمرت حتى وصلت إلى الآباء المؤسسين كوثيقة استقلال، تصبح فيها القاعدة أن هناك كثير من الجغرافيا، وقليل جدا من التاريخ. وهذا وصف دقيق للولايات المتحدة اجترحه الأستاذ محمد حسنين هيكل مطلع الألفية.

تلك مقدمة مهمة، للوصول إلى تلك القاعدة التي تحرك العقل الجمعي للدولة في الولايات التي اتحدت وتحاربت ثم توحدت من جديد على مفاهيم متشظية: كثير من الجغرافيا وقليل من التاريخ. تلك وصفة كافية لإعادة صياغة الواقع بأكثر من شكل ممكن، دون المساس بالجوهر الأساسي: عالم جديد غير مأهول اكتشفه الرجل الأبيض وهو المسيطر عليه.

تلك القاعدة كانت نقطة القوة في الصعود الأميركي، فالتاريخ حين يبدأ الآن دوما، يعني أنك لا تحمل تراكماته على ظهرك، ولا يثقل عليك. وتلك ميزة فريدة تجعل القارة "الجديدة وغير المأهولة سابقا" خفيفة ورشيقة وشابة ومبدعة (وكانت أميركا فعلا كذلك حتى صارت حلما للعيش فيها).

وهي أيضا ذات القاعدة التي تشكل نقطة ضعف أميركا أيضا في العلاقة مع باقي العالم (العالم القديم)، ذلك العالم الذي يثقله التاريخ كثيرا، فصار عجوزا إلى درجة أن وزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد لم يناقض "شخصيته الأميركية" حين وصف أوروبا ذات خلاف بالقارة العجوز.

ومن هنا أيضا، ففي اللغة الإنكليزية بنسختها الأميركية، تصبح مفردة "تاريخ ـ HISTORY" رديفا للعدم، فيقول الأميركي حين يهدد أحدهم بالقتل أو "إقصائه" إلى الأبد: أنت تاريخ بالنسبة لي - you are History.

ويصبح بعدها كل تعاقب الأحداث في سيرة حياة العالم الجديد مجرد تعاقب أحداث، لا وجود فيه لتعاقب أيديولوجي أو فكري مثقل بالتراكمات الفلسفية والتاريخية.

تلك قوة أميركا الأساسية.. وربما هي نقطة ضعفها في ذات الوقت.

 متظاهران للمطالبة بالعدالة لجورج فلويد في ميامي

اليوم، نصل إلى مشاهد متتابعة في "الفيلم الأميركي الطويل" ورغم وضوحها البصري إلا أنها مشوشة بسبب سرعة التتابع، مما يجعلنا نوقف آلة العرض عند كل مشهد وبسرعة لنستوعب.

فلنبدأ من زاوية ملوني البشرة، أو الإنسان الأسود تحديدا وبدرجة أقل السمر والخلاسيين وباقي الملونين من غير ذوي البشرة البيضاء.

تفيد الإحصائيات أن الموجودين في الولايات المتحدة يشكلون 5٪ من سكان العالم، وذات الإحصائيات تفيد أن 21٪ من مساجين العالم هم ضمن هؤلاء الـ5٪ من سكان العالم. وبالأرقام هذا يعني أنه في السجون الأميركية هناك مليونين وثلاثمئة ألف سجين.

يشكل السود (الأميركيون من أصل أفريقي) نسبة تتجاوز الـ 13٪ بقليل من مجموع سكان الولايات المتحدة، لكن بين المليوني سجين هناك أكثر من 800 ألف سجين ومدان أميركي أسود البشرة.

وحسب إحصائيات مكتب العدل الفدرالي الأميركي نفسه فإن 34 ٪ من المدانين والمسجونين في السجون هم سود البشرة.

هنا لا بد من عودة مكثفة ومختصرة لسيرة حياة الدولة الأميركية، حين قرر واضعو أسس الدولة إضافة تعديل على الدستور الناظم لكل الحياة فيها، وتمت تسميته بالتعديل الثالث عشر وبترجمته عن نصه الإنكليزي يقول:

"لا توجد عبودية ولا عبودية لا إرادية (تسخير بالعمل)، إلا كعقاب على جريمة أدين بها الطرف في حينه، داخل الولايات المتحدة أو في أي مكان يخضع لولايتها القضائية".

كانت حركة عنصرية ـ إرهابية مثل كوكلوكس كلان تجد تشجيعا شبه رسمي لنشاطاتها التي تضمنت عمليات إعدام لمواطنين سود بدون محاكمات

هذا التعديل الدستوري الملزم، جاء عام 1865 بعد الحرب الأهلية، التي قامت بين الشمال والجنوب، الشمال الذي ناهض العبودية بقيادة الرئيس أبراهام لنكولن (وهو من الحزب الجمهوري)، ضد الجنوب الذي كان تحت اقتصاده الزراعي قائما على العبودية (والاقتصاد الزراعي كان يمثله سياسيا الحزب الديمقراطي).

بعيدا عن الإنشائيات الجميلة في التعديل المدهش فعلا والملزم، فلنتخيل الوقائع كما هي واقعيا حينها:

وضعت الحرب أوزارها بهزيمة الجنوب وبقسوة، تحرر ما كان يُطلق عليهم وصف "العبيد" بحكم التعديل الدستوري الثالث عشر، وبدأ غالبية هؤلاء في الجنوب نفسه البحث عن عمل أو وظيفة كمواطنين أحرار ليعيشوا حياة كريمة، لكن الاقتصاد كله منهار بعد تحريرهم، والجنوبيون قبلوا تلك الحرية للملونين على مضض، مما كان يعني حالات تسكع وتشرد في الشوارع وربما سرقات خفيفة أو جنح متناثرة كلها وجدت ثغرة في التعديل الدستوري الثالث عشر، في ذلك الاستثناء في النص نفسه: "لا توجد عبودية ولا عبودية لا إرادية (تسخير بالعمل)، إلا كعقاب على جريمة أدين بها الطرف في حينه ، داخل الولايات المتحدة أو في أي مكان يخضع لولايتها القضائية".

حسنا، هذا المسكين الذي نال حريته بعد حرب طويلة وشرسة، وعذاب تاريخي أطول، وتعديل دستوري محكم الصياغة يجد نفسه حينها مدانا بجنح وجرائم، تحرمه كل تلك الحرية، حتى بعد الإفراج عنه، فهو محكوم بجناية وتلك وصمة تلاحقه حتى نهاية حياته.

في السجن نفسه، وبحكم القانون الذي تشرعه الشركات وقطاع الأعمال، يصبح هذا المدان "وغالبيتهم من السود" عامل سخرة يتم تأجيره للشركات والمزارع الخاصة.

تتفاقم الحالة تباعا، ويصبح النمط السائد اجتماعيا هو أن المواطن الأسود دوما مشروع مجرم، تلك دائرة جهنمية لا تنتهي، لتأتي مرحلة قوانين "جيم كرو"، وهي قوانين الفصل العنصري الشهيرة، وتسميتها كانت مبنية على أغنية استعراضية أداها ممثل أبيض تسخر من السود وتبدأ لازمتها بعبارة "اقفز يا جيم كرو".

قوانين جيم كرو كانت تشريعا قدمه الحزب الديمقراطي عام 1877، لعزل السكان السود عن البيض ومحاولة منعهم من التصويت والمشاركة السياسية، حتى انعدمت مشاركة الأميركيين السود من انتخابات عام 1912، فينجح فيها الديمقراطي وودرو ويلسون رئيسا للولايات المتحدة، وهو ذاته من نتغنى بمبادئه الإنسانية التي شكلت أساسا لولادة عصبة الأمم! وتلك مفارقات التاريخ فعلا.

حسب إحصائيات مكتب العدل الفدرالي الأميركي نفسه فإن 34 ٪ من المدانين والمسجونين في السجون هم سود البشرة

وكانت حركة عنصرية ـ إرهابية مثل كوكلوكس كلان تجد تشجيعا شبه رسمي لنشاطاتها التي تضمنت عمليات إعدام لمواطنين سود بدون محاكمات، بل أنها وجدت تمجيدا لها في واحد من أول أفلام السينما الأميركية الصامتة وهو فيلم "مولد أمة ـ the Birth of Nation" والذي كان أول فيلم يعرض في البيت الأبيض عهد الرئيس ولسون "ما غيره".

لم يلغ أي مجلس تشريعي بعد ذلك حزمة قوانين "جيم كرو" العنصرية، لكن الأحداث السياسية أوقفت العمل بتلك القوانين عبر أحكام المحكمة العليا، فتعطلت القوانين لكنها لا تزال مشرعة مع وقف التنفيذ.

بعد تعطيلها، بقي الاضطهاد موجودا، والعنصرية كامنة تتربص الفرصة للإطلالات المفاجئة، وأطلت بحزم قوانين شرعها الكونغرس والسياسيون تحت شعار رفعه الرئيس "الجمهوري" نيكسون ومحافظ كاليفورنيا وقتها رونالد ريغان فحواه: القانون والنظام - Law & Order. (من اللافت أن الرئيس دونالد ترامب في حملته كان ينادي شخصيا بشعار: أنا مرشح القانون والنظام!).

تزامن ذلك مع التغير الجذري والمدهش في المشهد السياسي الأميركي حين استقطب نيكسون إلى حزبه الجمهوري أغلب الحزب الديمقراطي في الولايات الجنوبية وقد فهموا الرسالة الضمنية لشعار القانون والنظام مع استفحال معدلات الجريمة، وصارت حيازة كمية ضئيلة من الماريغوانا بيد رجل أسود كافية لإعدام حقوقه المدنية وعزله بالقانون، وبقي التعامل مع "المخدرات" كمشكلة جرمية لا مشكلة صحية.

الديمقراطيون (من تبقى منهم بعد الانزياح الجماعي في الجنوب) لم يكونوا أحسن حالا، وقد وجدوا أن كسب الأصوات البيضاء من جديد قد تعيدهم إلى السلطة، فكان بيل كلنتون في حملته أمام جورج بوش "الأب" أكثر قسوة في حملة تطبيق القانون ومكافحة الجريمة، تلك كانت الشيفرة السرية عند الكثيرين لإقصاء المواطنين السود، ومن المدهش أن حملته تلك كانت مدعومة من نخب زعامات المجتمع الأميركي ـ الأفريقي، لكن كانت تلك ظاهرة قديمة يمكن تسميتها بمتلازمة "العم توم" نسبة إلى الرواية الشهيرة "البيضاء" عن رجل أسود كان طوال حياته عبدا يحب سيده الأبيض.

هذا كله يرتبط بشكل وثيق مع نظرة المجتمع حتى اليوم إلى المجتمع الأميركي أسود البشرة، رغم كل عمليات "التصويب السياسي" التي ظهرت في التسعينيات لكنها ظلمت الضحية أسود البشرة حين ربطته عضويا بحقوق المثليين والمرأة والمتحولين جنسيا، وهو ما أفقد قضية الاضطهاد العنصري قيمتها كقضية بحد ذاتها.

لم يكن هناك أحداث شغب كبرى في الولايات المتحدة حتى في الستينيات من القرن العشرين (حيث ثورة المساواة والعدالة والحرية) بدءا من أحداث هارلم 1964 مرورا بشغب نيويورك 1976 وديترويت ذات العام، وليس انتهاء بلوس أنجلوس أو أحداث رودني كينغ، كلها كانت نتيجة لوحشية بعض رجال الشرطة، ولكن المشكلة ليست في علاقة الشرطة بالمجتمع، تلك جزئية من إشكال مجتمعي كبير وأكثر عمقا.

خلال تظاهرة في نيويورك لمنظمة "Black Lives Matter"

"لا أستطيع التنفس"، ليست عبارة مستجدة قالها المرحوم جورج فلويد تحت ركبة الشرطي الأبيض في مينابولس، فهي عبارة قالها أيضا في نيويورك عام 2014 بنفس السيناريو الأميركي من أصل أفريقي إيريك غارنر، ومات أيضا مختنقا على يد شرطي أبيض لم يكترث للاستغاثة المتوسلة.

هذا لا يعني أن جهاز الشرطة يحمل سياسة عنصرية ضد السود أو الملونين، بل هي نظرة مجتمعية تقذف بالتعيين غالبية بيضاء تحمل الروح العنصرية في سلك تطبيق القانون، القانون نفيه الذي لم ينصف الملونين في مجتمع الرجل الأبيض.

يوم الإثنين ذاته الذي قتل فيه جورج فلويد، حدثت فيه حادثة أخرى انتشرت كفيديو قادم من نيويورك ووصلني أنا الشرق أوسطي المهاجر إلى بلجيكا، والمقطع يبرز رجلا من أصل أفريقي في سنترال بارك يطلب من سيدة بيضاء أن تربط كلبها حسب التعليمات في الحديقة، ويسجل المقطع عصبية السيدة وعنصريتها في الحديث وتهديدها للرجل بإبلاغ الشرطة والافتراء عليه بأن رجلا أسودا يحاول الاعتداء عليها.

الشرطة لم تستجب لبلاغ السيدة العنصرية، والتي حاولت الاعتذار فيما بعد انتشار الفيديو وفصلت من عملها، هذا كله حدث صباح ذات اليوم نفسه الذي قتل فيه شرطي آخر في الجنوب المرحوم جورج فلويد لتبدأ كرة الثلج بالتدحرج من جديد.

لكن للإنصاف..

من بين مئات الصفحات والصور ومقاطع الفيديو المصورة والتي تلقيتها أو بحثت عنها في متابعتي لما يحدث في الولايات المتحدة الأميركية من أحداث على خلفية جريمة مينابولس، كان هناك فيديو واحد استوقفني وشاهدته أكثر من مرة، بالأحرى أصغيت مستمعا له أكثر من مرة رغم أنه قصير المدة (10 دقائق تقريبا). الفيديو كان مع رئيس شرطة هيوستن ـ تكساس، والتي أجرت اللقاء كبيرة الصحفيين في سي أن أن الأميركية كريستيان أمانبور.

آرت أزيفيدو، قائد شرطة في ولاية جنوبية، هو نفسه مهاجر من كوبا، وهو ابن لرجل شرطة كوبي هاجر هربا من استبداد نظام كاسترو، وفي حديثه مع أمانبور (الأميركية المشهورة من أصل إيراني) قدم درسا في عشر دقائق عن مفهوم الدولة والقانون والديمقراطية، وإن كانت شهرة الفيديو قامت على طلبه من رئيس الولايات المتحدة أن يقفل فمه إن لم يجد شيئا مفيدا يقوله، فإن باقي حديثه كان بليغا في المعنى خصوصا أنه ذلك المهاجر (من عرق غير أبيض)، في ولاية جنوبية تاريخها فيه عنصرية، خصوصا حين نادى الشعب الأميركي إلى تحويل غضبه نحو صناديق الاقتراع في الانتخابات لتغيير الواقع، وهو كان حصيفا في التنبيه والتحذير ممن يحاولون خطف السلام في المجتمع. (وأنا مثل السيد أزيفيدو ممن يعتقدون بوجود حالات مندسة توظف الأحداث للأسوأ).

ربما حان الوقت اليوم لهذا التوقف. عسى ذلك أن يتمم على ما بناه الأباء المؤسسون، في عالم لا يزال جديدا حتى اليوم

كان أكثر عمقا هذا الأمريكي القادم طفلا مهاجرا من هافانا، حين أشار إلى أن القضية كلها ليست بجهاز الشرطة بقدر ما هي أعمق من ذلك ومرتبطة بعيش الناس وصحتهم وتعليمهم.

ورغم طلبه من الرئيس أن يقفل فمه حتى لا يعرض حياة الناس للخطر أكثر من ذلك، إلا أنه قال بوعي مدهش (لديه شهادتان واحدة في الإعلام والأخرى بالإدارة العامة) أنه متألم إلى أقصى حد لأن يقول ذلك فسواء صوتنا لترامب أم لم نصوت فهو "رئيسنا"، ثم يوجه كلامه بحكمة للرئيس ترامب فينصحه أن يكون "رئاسيا" لا أن يكون مستعرضا وعلى حد قوله فإن ما يحدث ليس هوليوود بل هي الحياة الواقعية.

لا أعرف إن كان السيد أزيفيدو سيستمر في عمله، لكن بلا شك كان لكلماته أثر كبير وقوي على الأقل في وجدان ذلك المهاجر من شرق أوسط متخم بالعنصرية والإقصاء إلى أوروبا، مسقط الرجل الأبيض التاريخي.

خلاصة القول، في ذلك العالم الجديد فإن المواطنين البيض هم نتاج التاريخ الذي اختاره أجدادهم في تلك الجغرافيا، والمواطنين السود "من أصول أفريقية تحديدا" هم نتاج التاريخ الذي لم يختره أجدادهم في تلك الجغرافيا وتم جرهم إليها بالسلاسل.

الكل الآن نتاج طبيعي وتراكمي لمجموع كل تلك الخيارات، وفهم ذلك كله والتوقف عنده فقط سيحل المشكلة. ربما حان الوقت اليوم لهذا التوقف. عسى ذلك أن يتمم على ما بناه الأباء المؤسسون، في عالم لا يزال جديدا حتى اليوم.  بناء يعيد الاعتبار للإنسان، ويعزز العدالة الإنسانية والمساواة الاقتصادية؛ فلا نعود نحتفل استثناء برئيس ما استنادا على لون بشرته فقط. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.