A protesters takes a moment while speaking to the crowd as they march through Hollywood during a demonstration over the death…
متظاهرة في لوس أنجل أنجلوس

العلاقة بين المواطنين الملونين (خصوصا السود) ورجال الشرطة في الولايات المتحدة لم تكن يوما ناشئة من عدم، بل هي حصاد تراكم تاريخي طويل لم يوقفه أحد، ولم يتوقف أحد لوضع نهاية فعلية له.

مشاريع القوانين ومواثيق الحقوق المدنية التي أعقبت كل انتفاضات "غير البيض" في الولايات المتحدة لم تكن أي منها نهاية للمأساة بقدر ما كانت مرحلة جديدة متطورة من "الإقصاء" حسب العرق والطبقة.

فلنبدأ باختصار من أول السطر:

منذ اللحظة التي رست فيها سفينة سانتا ماريا وعلى متنها المؤمن حد التعصب الديني كولومبوس أمام ذلك العالم الجديد (متوهما أنه الهند)، وكان قرار الإقصاء العرقي والديني متوفرا في النوايا بلا مواربة.

وبعد الاكتشاف ونهب الذهب تم اعتبار ذلك الجزء من العالم جغرافيا غير مأهولة رغم وجود سكان أصليين. الحل السحري كان في تجريدهم من إنسانيتهم لتستقيم فكرة "عالم جديد غير مأهول"، مما مهد بعد هذا التجريد الإنساني إلى حالة إقصاء اعتمدت الإبادة الجماعية. وهو ما كان من مجموعات متقاطرة على "العالم الجديد غير المأهول" قوامها أناس "بيض" بمذاهب دينية مختلفة يحملون الأسلحة والبارود والنوايا السيئة، ليسيطر صوت إطلاق النار من المسدسات على الطبيعة الساحرة وبدأت الإبادة لسكان أصليين تم تسميتهم "هنودا حمرا" بأسوأ تسمية عنصرية تستخدم اللون للتعريف العرقي (مثل تسمية بني الأصفر التي أطلقها الغزاة العرب على الرجل الأبيض نفسه سابقا).

هذا المسكين الذي نال حريته بعد حرب طويلة وشرسة، وعذاب تاريخي أطول، وتعديل دستوري محكم الصياغة يجد نفسه حينها مدانا بجنح وجرائم، تحرمه كل تلك الحرية، حتى بعد الإفراج عنه

كان لا بد من حيلة "جماعية" لطي صفحة تلك المخلوقات التي أبيدت بفترات زمنية قصيرة، ولترسيخ فكرة "جغرافيا جديدة غير مأهولة" كان من الضروري أن يبدأ التاريخ لتلك الجغرافيا من تلك اللحظة، مع توليد التاريخ تكرارا، بمعنى ألا يكون للتاريخ في الذهنية الجماعية أي أهمية، ومن هنا نشأت الفلسفة النفعية التي تأسست عليها فكرة الولايات المتحدة، فالفرد هو الأهم، والتاريخ دوما يبدأ الآن في جغرافيا شاسعة ووفيرة بالموارد، وتراكمت الفكرة واختمرت حتى وصلت إلى الآباء المؤسسين كوثيقة استقلال، تصبح فيها القاعدة أن هناك كثير من الجغرافيا، وقليل جدا من التاريخ. وهذا وصف دقيق للولايات المتحدة اجترحه الأستاذ محمد حسنين هيكل مطلع الألفية.

تلك مقدمة مهمة، للوصول إلى تلك القاعدة التي تحرك العقل الجمعي للدولة في الولايات التي اتحدت وتحاربت ثم توحدت من جديد على مفاهيم متشظية: كثير من الجغرافيا وقليل من التاريخ. تلك وصفة كافية لإعادة صياغة الواقع بأكثر من شكل ممكن، دون المساس بالجوهر الأساسي: عالم جديد غير مأهول اكتشفه الرجل الأبيض وهو المسيطر عليه.

تلك القاعدة كانت نقطة القوة في الصعود الأميركي، فالتاريخ حين يبدأ الآن دوما، يعني أنك لا تحمل تراكماته على ظهرك، ولا يثقل عليك. وتلك ميزة فريدة تجعل القارة "الجديدة وغير المأهولة سابقا" خفيفة ورشيقة وشابة ومبدعة (وكانت أميركا فعلا كذلك حتى صارت حلما للعيش فيها).

وهي أيضا ذات القاعدة التي تشكل نقطة ضعف أميركا أيضا في العلاقة مع باقي العالم (العالم القديم)، ذلك العالم الذي يثقله التاريخ كثيرا، فصار عجوزا إلى درجة أن وزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد لم يناقض "شخصيته الأميركية" حين وصف أوروبا ذات خلاف بالقارة العجوز.

ومن هنا أيضا، ففي اللغة الإنكليزية بنسختها الأميركية، تصبح مفردة "تاريخ ـ HISTORY" رديفا للعدم، فيقول الأميركي حين يهدد أحدهم بالقتل أو "إقصائه" إلى الأبد: أنت تاريخ بالنسبة لي - you are History.

ويصبح بعدها كل تعاقب الأحداث في سيرة حياة العالم الجديد مجرد تعاقب أحداث، لا وجود فيه لتعاقب أيديولوجي أو فكري مثقل بالتراكمات الفلسفية والتاريخية.

تلك قوة أميركا الأساسية.. وربما هي نقطة ضعفها في ذات الوقت.

 متظاهران للمطالبة بالعدالة لجورج فلويد في ميامي

اليوم، نصل إلى مشاهد متتابعة في "الفيلم الأميركي الطويل" ورغم وضوحها البصري إلا أنها مشوشة بسبب سرعة التتابع، مما يجعلنا نوقف آلة العرض عند كل مشهد وبسرعة لنستوعب.

فلنبدأ من زاوية ملوني البشرة، أو الإنسان الأسود تحديدا وبدرجة أقل السمر والخلاسيين وباقي الملونين من غير ذوي البشرة البيضاء.

تفيد الإحصائيات أن الموجودين في الولايات المتحدة يشكلون 5٪ من سكان العالم، وذات الإحصائيات تفيد أن 21٪ من مساجين العالم هم ضمن هؤلاء الـ5٪ من سكان العالم. وبالأرقام هذا يعني أنه في السجون الأميركية هناك مليونين وثلاثمئة ألف سجين.

يشكل السود (الأميركيون من أصل أفريقي) نسبة تتجاوز الـ 13٪ بقليل من مجموع سكان الولايات المتحدة، لكن بين المليوني سجين هناك أكثر من 800 ألف سجين ومدان أميركي أسود البشرة.

وحسب إحصائيات مكتب العدل الفدرالي الأميركي نفسه فإن 34 ٪ من المدانين والمسجونين في السجون هم سود البشرة.

هنا لا بد من عودة مكثفة ومختصرة لسيرة حياة الدولة الأميركية، حين قرر واضعو أسس الدولة إضافة تعديل على الدستور الناظم لكل الحياة فيها، وتمت تسميته بالتعديل الثالث عشر وبترجمته عن نصه الإنكليزي يقول:

"لا توجد عبودية ولا عبودية لا إرادية (تسخير بالعمل)، إلا كعقاب على جريمة أدين بها الطرف في حينه، داخل الولايات المتحدة أو في أي مكان يخضع لولايتها القضائية".

كانت حركة عنصرية ـ إرهابية مثل كوكلوكس كلان تجد تشجيعا شبه رسمي لنشاطاتها التي تضمنت عمليات إعدام لمواطنين سود بدون محاكمات

هذا التعديل الدستوري الملزم، جاء عام 1865 بعد الحرب الأهلية، التي قامت بين الشمال والجنوب، الشمال الذي ناهض العبودية بقيادة الرئيس أبراهام لنكولن (وهو من الحزب الجمهوري)، ضد الجنوب الذي كان تحت اقتصاده الزراعي قائما على العبودية (والاقتصاد الزراعي كان يمثله سياسيا الحزب الديمقراطي).

بعيدا عن الإنشائيات الجميلة في التعديل المدهش فعلا والملزم، فلنتخيل الوقائع كما هي واقعيا حينها:

وضعت الحرب أوزارها بهزيمة الجنوب وبقسوة، تحرر ما كان يُطلق عليهم وصف "العبيد" بحكم التعديل الدستوري الثالث عشر، وبدأ غالبية هؤلاء في الجنوب نفسه البحث عن عمل أو وظيفة كمواطنين أحرار ليعيشوا حياة كريمة، لكن الاقتصاد كله منهار بعد تحريرهم، والجنوبيون قبلوا تلك الحرية للملونين على مضض، مما كان يعني حالات تسكع وتشرد في الشوارع وربما سرقات خفيفة أو جنح متناثرة كلها وجدت ثغرة في التعديل الدستوري الثالث عشر، في ذلك الاستثناء في النص نفسه: "لا توجد عبودية ولا عبودية لا إرادية (تسخير بالعمل)، إلا كعقاب على جريمة أدين بها الطرف في حينه ، داخل الولايات المتحدة أو في أي مكان يخضع لولايتها القضائية".

حسنا، هذا المسكين الذي نال حريته بعد حرب طويلة وشرسة، وعذاب تاريخي أطول، وتعديل دستوري محكم الصياغة يجد نفسه حينها مدانا بجنح وجرائم، تحرمه كل تلك الحرية، حتى بعد الإفراج عنه، فهو محكوم بجناية وتلك وصمة تلاحقه حتى نهاية حياته.

في السجن نفسه، وبحكم القانون الذي تشرعه الشركات وقطاع الأعمال، يصبح هذا المدان "وغالبيتهم من السود" عامل سخرة يتم تأجيره للشركات والمزارع الخاصة.

تتفاقم الحالة تباعا، ويصبح النمط السائد اجتماعيا هو أن المواطن الأسود دوما مشروع مجرم، تلك دائرة جهنمية لا تنتهي، لتأتي مرحلة قوانين "جيم كرو"، وهي قوانين الفصل العنصري الشهيرة، وتسميتها كانت مبنية على أغنية استعراضية أداها ممثل أبيض تسخر من السود وتبدأ لازمتها بعبارة "اقفز يا جيم كرو".

قوانين جيم كرو كانت تشريعا قدمه الحزب الديمقراطي عام 1877، لعزل السكان السود عن البيض ومحاولة منعهم من التصويت والمشاركة السياسية، حتى انعدمت مشاركة الأميركيين السود من انتخابات عام 1912، فينجح فيها الديمقراطي وودرو ويلسون رئيسا للولايات المتحدة، وهو ذاته من نتغنى بمبادئه الإنسانية التي شكلت أساسا لولادة عصبة الأمم! وتلك مفارقات التاريخ فعلا.

حسب إحصائيات مكتب العدل الفدرالي الأميركي نفسه فإن 34 ٪ من المدانين والمسجونين في السجون هم سود البشرة

وكانت حركة عنصرية ـ إرهابية مثل كوكلوكس كلان تجد تشجيعا شبه رسمي لنشاطاتها التي تضمنت عمليات إعدام لمواطنين سود بدون محاكمات، بل أنها وجدت تمجيدا لها في واحد من أول أفلام السينما الأميركية الصامتة وهو فيلم "مولد أمة ـ the Birth of Nation" والذي كان أول فيلم يعرض في البيت الأبيض عهد الرئيس ولسون "ما غيره".

لم يلغ أي مجلس تشريعي بعد ذلك حزمة قوانين "جيم كرو" العنصرية، لكن الأحداث السياسية أوقفت العمل بتلك القوانين عبر أحكام المحكمة العليا، فتعطلت القوانين لكنها لا تزال مشرعة مع وقف التنفيذ.

بعد تعطيلها، بقي الاضطهاد موجودا، والعنصرية كامنة تتربص الفرصة للإطلالات المفاجئة، وأطلت بحزم قوانين شرعها الكونغرس والسياسيون تحت شعار رفعه الرئيس "الجمهوري" نيكسون ومحافظ كاليفورنيا وقتها رونالد ريغان فحواه: القانون والنظام - Law & Order. (من اللافت أن الرئيس دونالد ترامب في حملته كان ينادي شخصيا بشعار: أنا مرشح القانون والنظام!).

تزامن ذلك مع التغير الجذري والمدهش في المشهد السياسي الأميركي حين استقطب نيكسون إلى حزبه الجمهوري أغلب الحزب الديمقراطي في الولايات الجنوبية وقد فهموا الرسالة الضمنية لشعار القانون والنظام مع استفحال معدلات الجريمة، وصارت حيازة كمية ضئيلة من الماريغوانا بيد رجل أسود كافية لإعدام حقوقه المدنية وعزله بالقانون، وبقي التعامل مع "المخدرات" كمشكلة جرمية لا مشكلة صحية.

الديمقراطيون (من تبقى منهم بعد الانزياح الجماعي في الجنوب) لم يكونوا أحسن حالا، وقد وجدوا أن كسب الأصوات البيضاء من جديد قد تعيدهم إلى السلطة، فكان بيل كلنتون في حملته أمام جورج بوش "الأب" أكثر قسوة في حملة تطبيق القانون ومكافحة الجريمة، تلك كانت الشيفرة السرية عند الكثيرين لإقصاء المواطنين السود، ومن المدهش أن حملته تلك كانت مدعومة من نخب زعامات المجتمع الأميركي ـ الأفريقي، لكن كانت تلك ظاهرة قديمة يمكن تسميتها بمتلازمة "العم توم" نسبة إلى الرواية الشهيرة "البيضاء" عن رجل أسود كان طوال حياته عبدا يحب سيده الأبيض.

هذا كله يرتبط بشكل وثيق مع نظرة المجتمع حتى اليوم إلى المجتمع الأميركي أسود البشرة، رغم كل عمليات "التصويب السياسي" التي ظهرت في التسعينيات لكنها ظلمت الضحية أسود البشرة حين ربطته عضويا بحقوق المثليين والمرأة والمتحولين جنسيا، وهو ما أفقد قضية الاضطهاد العنصري قيمتها كقضية بحد ذاتها.

لم يكن هناك أحداث شغب كبرى في الولايات المتحدة حتى في الستينيات من القرن العشرين (حيث ثورة المساواة والعدالة والحرية) بدءا من أحداث هارلم 1964 مرورا بشغب نيويورك 1976 وديترويت ذات العام، وليس انتهاء بلوس أنجلوس أو أحداث رودني كينغ، كلها كانت نتيجة لوحشية بعض رجال الشرطة، ولكن المشكلة ليست في علاقة الشرطة بالمجتمع، تلك جزئية من إشكال مجتمعي كبير وأكثر عمقا.

خلال تظاهرة في نيويورك لمنظمة "Black Lives Matter"

"لا أستطيع التنفس"، ليست عبارة مستجدة قالها المرحوم جورج فلويد تحت ركبة الشرطي الأبيض في مينابولس، فهي عبارة قالها أيضا في نيويورك عام 2014 بنفس السيناريو الأميركي من أصل أفريقي إيريك غارنر، ومات أيضا مختنقا على يد شرطي أبيض لم يكترث للاستغاثة المتوسلة.

هذا لا يعني أن جهاز الشرطة يحمل سياسة عنصرية ضد السود أو الملونين، بل هي نظرة مجتمعية تقذف بالتعيين غالبية بيضاء تحمل الروح العنصرية في سلك تطبيق القانون، القانون نفيه الذي لم ينصف الملونين في مجتمع الرجل الأبيض.

يوم الإثنين ذاته الذي قتل فيه جورج فلويد، حدثت فيه حادثة أخرى انتشرت كفيديو قادم من نيويورك ووصلني أنا الشرق أوسطي المهاجر إلى بلجيكا، والمقطع يبرز رجلا من أصل أفريقي في سنترال بارك يطلب من سيدة بيضاء أن تربط كلبها حسب التعليمات في الحديقة، ويسجل المقطع عصبية السيدة وعنصريتها في الحديث وتهديدها للرجل بإبلاغ الشرطة والافتراء عليه بأن رجلا أسودا يحاول الاعتداء عليها.

الشرطة لم تستجب لبلاغ السيدة العنصرية، والتي حاولت الاعتذار فيما بعد انتشار الفيديو وفصلت من عملها، هذا كله حدث صباح ذات اليوم نفسه الذي قتل فيه شرطي آخر في الجنوب المرحوم جورج فلويد لتبدأ كرة الثلج بالتدحرج من جديد.

لكن للإنصاف..

من بين مئات الصفحات والصور ومقاطع الفيديو المصورة والتي تلقيتها أو بحثت عنها في متابعتي لما يحدث في الولايات المتحدة الأميركية من أحداث على خلفية جريمة مينابولس، كان هناك فيديو واحد استوقفني وشاهدته أكثر من مرة، بالأحرى أصغيت مستمعا له أكثر من مرة رغم أنه قصير المدة (10 دقائق تقريبا). الفيديو كان مع رئيس شرطة هيوستن ـ تكساس، والتي أجرت اللقاء كبيرة الصحفيين في سي أن أن الأميركية كريستيان أمانبور.

آرت أزيفيدو، قائد شرطة في ولاية جنوبية، هو نفسه مهاجر من كوبا، وهو ابن لرجل شرطة كوبي هاجر هربا من استبداد نظام كاسترو، وفي حديثه مع أمانبور (الأميركية المشهورة من أصل إيراني) قدم درسا في عشر دقائق عن مفهوم الدولة والقانون والديمقراطية، وإن كانت شهرة الفيديو قامت على طلبه من رئيس الولايات المتحدة أن يقفل فمه إن لم يجد شيئا مفيدا يقوله، فإن باقي حديثه كان بليغا في المعنى خصوصا أنه ذلك المهاجر (من عرق غير أبيض)، في ولاية جنوبية تاريخها فيه عنصرية، خصوصا حين نادى الشعب الأميركي إلى تحويل غضبه نحو صناديق الاقتراع في الانتخابات لتغيير الواقع، وهو كان حصيفا في التنبيه والتحذير ممن يحاولون خطف السلام في المجتمع. (وأنا مثل السيد أزيفيدو ممن يعتقدون بوجود حالات مندسة توظف الأحداث للأسوأ).

ربما حان الوقت اليوم لهذا التوقف. عسى ذلك أن يتمم على ما بناه الأباء المؤسسون، في عالم لا يزال جديدا حتى اليوم

كان أكثر عمقا هذا الأمريكي القادم طفلا مهاجرا من هافانا، حين أشار إلى أن القضية كلها ليست بجهاز الشرطة بقدر ما هي أعمق من ذلك ومرتبطة بعيش الناس وصحتهم وتعليمهم.

ورغم طلبه من الرئيس أن يقفل فمه حتى لا يعرض حياة الناس للخطر أكثر من ذلك، إلا أنه قال بوعي مدهش (لديه شهادتان واحدة في الإعلام والأخرى بالإدارة العامة) أنه متألم إلى أقصى حد لأن يقول ذلك فسواء صوتنا لترامب أم لم نصوت فهو "رئيسنا"، ثم يوجه كلامه بحكمة للرئيس ترامب فينصحه أن يكون "رئاسيا" لا أن يكون مستعرضا وعلى حد قوله فإن ما يحدث ليس هوليوود بل هي الحياة الواقعية.

لا أعرف إن كان السيد أزيفيدو سيستمر في عمله، لكن بلا شك كان لكلماته أثر كبير وقوي على الأقل في وجدان ذلك المهاجر من شرق أوسط متخم بالعنصرية والإقصاء إلى أوروبا، مسقط الرجل الأبيض التاريخي.

خلاصة القول، في ذلك العالم الجديد فإن المواطنين البيض هم نتاج التاريخ الذي اختاره أجدادهم في تلك الجغرافيا، والمواطنين السود "من أصول أفريقية تحديدا" هم نتاج التاريخ الذي لم يختره أجدادهم في تلك الجغرافيا وتم جرهم إليها بالسلاسل.

الكل الآن نتاج طبيعي وتراكمي لمجموع كل تلك الخيارات، وفهم ذلك كله والتوقف عنده فقط سيحل المشكلة. ربما حان الوقت اليوم لهذا التوقف. عسى ذلك أن يتمم على ما بناه الأباء المؤسسون، في عالم لا يزال جديدا حتى اليوم.  بناء يعيد الاعتبار للإنسان، ويعزز العدالة الإنسانية والمساواة الاقتصادية؛ فلا نعود نحتفل استثناء برئيس ما استنادا على لون بشرته فقط. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.