Current and former New York City Mayor's staff march across the Brooklyn Bridge to call for reforms during a protest against…
مسيرة لموظفي عمدة نيويورك الحاليين والسابقين للمطالبة بإصلاحات قانونية تضمن العدالة

"ثمة مطالب محقّة، على أنه في الأمر مبالغة. وإذا كانت الشرطة أكثر عرضة للاصطدام بـ "السود"، فلأن الإجرام في أوساطهم أكثر انتشارا. البيانات الإحصائية واضحة بهذا الشأن، ولا بد من مواجهة الحقائق الصعبة".

لا بد بالفعل من مواجهة حقائق صعبة. ولكنها ليست التي يشير إليها هذا الكلام.

يراد من هذا الكلام، والذي يتكرر في أوساط مختلفة في توجهاتها السياسية، أن يكون موضوعيا، منطقيا، واقعيا. بل تطرح هذه الأقوال على أنها الصيغة المهذّبة والبنّاءة في مواجهة طعن إجمالي بـ "السود" يبتدئ بوصفهم بالكسالى وينتهي حيث ينتهي في مستنقع النعوت.

إذا كانت الحط من قدر الآخر واضحا في الشتائم والإسقاط، فإن العنصرية ليست أقل حدّة في هذا الكلام "المنطقي"، وإن جاءت متسلّلة. بل الأصح التأكيد أن مدى افتراض معقولية هذا الكلام، ضمن أي وسط اجتماعي أو فكري، هو بحد ذاته قياس لدرجة تأصل العنصرية في هذا الوسط، سواء كان الأمر في الثقافة الأميركية، أو تعداها إلى عموم الثقافة العالمية، والتي تبقى الثقافة الأميركية المحرّك الأول لها، فعلا ورد فعل.

حيث أن تمويل التعليم في الولايات المتحدة مرتبط بالضرائب العقارية، فإن فرص الطفل "الأسود" بتربية وتعليم يؤهلانه للعمل والتقدم والترقي متضائلة جدا بالمقارنة مع قرينه "الأبيض"

تتسلل العنصرية من خلال هذا الكلام وتترسخ من أوجه ثلاثة:

الوجه الأول هو في إهمال التمييز البنيوي المتراكم في مجموع الأطر والمؤسسات التشريعية والقانونية والأمنية، وقبول النتائج الصادرة عن هذه المؤسسات والهيئات دون تبيان السياق التمييزي الذي أصدرها.

وإذا جرى اعتبار بعض البيانات كجزئية مبتورة، فبالفعل، إن أشكال عدة من الجرائم، جنح وجنايات، تجد في أوساط "السود" نسبا مرتفعة. والبيانات الواردة من الولايات والمقاطعات المختلفة تفيد بأن أعداد "السود" في السجون تزيد بأضعاف عن نسبتهم من مجموع السكان.

ما لا تصرّح به هذه البيانات هو أن المواطن "الأسود" هو في الموقع الأسوأ إحصائيا، لأنه في الموقع الأسوأ بنيويا. ثمة جرائم وأشكال جرائم يرتكبها "السود" بنسب تفوق "البيض"، لأسباب اجتماعية واقتصادية وتاريخية، وثمة جرائم يرتكبها "البيض" بنسب تفوق التي يرتكبها السود. غير أن تعاطي التشريعات مع هذه الجرائم المختلفة ليس، وتحديد الجنح والجنايات ابتداءً لا يعتمد منهجا مجردا.

استهلاك المخدرات أو الإتجار بها مثال بارز، حيث يظهر أن أصناف المخدرات الأكثر تداولا في أوساط "السود" هي التي تؤرق العين الساهرة للشرطة، فيما الأصناف الأخرى أدنى على سلم الأولويات.

والأمر يتعدى الشرطة، ليطال الهيئات القضائية والجهات التشريعية. بل إن المقاربة التي تلجأ إليها السلطات، المحلية والاتحادية على حد سواء، ترجّح اعتماد منهجيات الصحة العامة والعلاج عند تفشي ظواهر الإدمان على المستوى العام، ولكنها تركّز على الأساليب الأمنية وأدوار الشرطة عندما يكون مركز الظاهرة الأوساط "السوداء". فارتفاع نسبة "السود" في جرائم المخدرات، وغيرها، ليس حقيقة موضوعية مجرّدة، بل هو، وإن جزئيا، عائد إلى خيارات تشريعية وقضائية وأمنية أقدم عليها المجتمع من خلال مؤسساته. خيارات يترسخ فيها التمييز، وإن دون تصريح.

والإمعان في الأذى يضاعف في تفويض القطاع الخاص إدارة السجون، ليمسي الإجرام سلعة قابلة للاستثمار، ويبرز الفائدة في توسيع تعريفها لا تضييقه، ما يعرقل مسعى إعادة النظر بالتفاوت في معاملة الأوساط المختلفة، وفي الإفراط بالتجريم الذي يزّج أعداداً كبيرة من الشباب "الأسود" في السجون، على حساب هذا الطرف لأنه الأضعف من حيث الصورة والقدرة على الاعتراض.

ومسألة التفاوت في المعاملة ليست نظرية. والإجراءات المعتمدة للملاحقة والتوقيف، والصلف بالمعاملة وصولا إلى التوحش، على أشدّها في الجنح والجرائم الأكثر انتشارا في أوساط "السود".

ما هو الفعل الجرمي الذي ارتكبه جورج فلويد؟ حتى إذا جرى التسليم جدلا بأنه تعمّد استعمال ورقة العشرين دولار النقدية المزوّرة، وهي تهمة جزافية على أية حال، فهو، كما تفيد كل الأشرطة المصورّة، لم يقاوم، بل أظهر ضيقا نفسيا قبل أن يكون تنفسيا، من التكبيل ومن الحشر بسيارة الشرطة. ما قتل جورج فلويد ليس مبلغ العشرين دولار، بل الإجراءات المتاحة للشرطة إثر توقيفه.

في مقابل جورج فلويد، أعداد لا تحصى من الذين اختلسوا وسرقوا المبالغ الطائلة، وانكشف أمرهم، جلّهم من "البيض"، وجاءتهم الشرطة للاعتقال. ركبة الشرطي قلّما تجد سبيلها إلى أعناق هؤلاء، ومراعاة ضيقهم النفسي والتنفسي يتم على الغالب كما تقتضيه الأصول.

لا يمكن للولايات المتحدة أن تحقق المساواة المنشودة إلا بالمعالجة العميقة للتمييز المتأصل في البنى التشريعية والقضائية والأمنية

يمكن زعم الاعتذار لهذا التمييز بالإشارة إلى طابعه الطبقي. كما يمكن ادعاء تفسير الفروق في التعاطي مع مختلف الأوجه التشريعية والقضائية والأمنية على أساس اعتبارات موضوعية. فداحة مفترضة لمسألة ما، نجاعة متوقعة لأسلوب ما، مراعاة محبذة لخصوصية ما. هل من باب الصدفة أن الثابت، في معظم هذه التبريرات، هو الجنوح إلى الشدّة إزاء "السود" واللين إزاء "البيض"؟

هل في هذا التصوير الناقد مبالغة؟ يمكن استدعاء بعض الأرقام هنا وهنالك لتشتيته، ولكن هذه الأرقام بدورها مشبوهة في الأصول المعتمدة لدى مصادرها، ولا يكفي زعم موضوعيتها للقبول التلقائي بها.

الواقع القائم، من حيث تلقي الأوساط المختلفة لدور الشرطة في المجتمع، هو أن هذا الدور هو للخدمة والحماية في الأوساط "البيضاء" فيما هو للترصد والقمع في الأوساط "السوداء". وهذا التلقي ليس عائدا إلى انطباع، بل إلى حقيقة مركبّة لا بد من مواجهة خلفياتها.

والحقيقة الصعبة هنا هي أنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تحقق المساواة المنشودة إلا بالمعالجة العميقة للتمييز المتأصل في البنى التشريعية والقضائية والأمنية.

الوجه الثاني من أوجه تسلل العنصرية إلى القراءة "الموضوعية" القائلة بأن "السود" أكثر ميلا للإجرام، هو في تجاهل العوامل المفاقمة للاختلاف، سواء منها الأصلية مثل فرص التعليم والتفاوت في تراكم رأس المال، أو المستجدة، مثل محاولات التصحيح، "العمل الإيجابي" وبرامج الرعاية، والتي جاءت بالنتائج العكسية.

يشتكي الناقدون للخطاب "المتمرد" في الأوساط "السوداء" من أن "السود" يفرطون في استدعاء مرحلة الاستعباد. ألم تنتهِ هذه المرحلة قبل أكثر من قرن ونصف؟ ثم ألم تذلل مخلفاتها في العقود التالية؟ أليس من الأجدى تحمّل المسؤولية الذاتية عن تردي الأحوال الاجتماعية والاقتصادية؟

الجواب باختصار هو: لا. عواقب الاستعباد مستمرة إلى اليوم والدعوة إلى تحمّل المسؤولية الذاتية هي بذاتها محاولة تنصل من المسؤولية الذاتية للمجتمع "الأبيض". الازدهار في الولايات المتحدة، وهو كثير، القوة في الولايات المتحدة، وهي كبيرة، الإمكانيات في الولايات المتحدة، وهي وافرة، كلها متحققة من مال مسروق.

المجتمع "الأسود" مطالب طبعا بالسعي إلى الارتقاء الذاتي، كغيره. ولكن الحقيقة الصعبة التالية هي أن ما عدا هذا المجتمع "الأسود"، بما في ذلك من نال جنسيته يوم أمس، عليه بدوره أن يرتقي إلى الإقرار بأن الحصة التي سلبت من الأفارقة المستعبدين هي، على أقل تقدير، دَين لا بد من تسديده، لا بالشكل الرمزي التبديدي، بل بالصيغة الحسابية الدقيقة الممنهجة، والتي تعيد رأس المال المنهوب إلى أصحابه كأفراد وكورثة مباشرين لأصحاب الحق المنهوب، وليس فقط كجماعة كليّة.

الولايات المتحدة ليست اليوم بهذا الوارد. بل السائد في الخطاب الفكري والسياسي تطبيع الاستيلاء على ناتج المستعبدين على أنه صفحة تاريخية قد انطوت. ما لم ينطوِ هو أن رأس المال المنهوب هذا قد أتاح لـ "البيض" الاحتفاظ برصيد مالي وعقاري كبير، فيما أرغم "السود" على الاكتظاظ دونه.

وحيث أن تمويل التعليم في الولايات المتحدة مرتبط بالضرائب العقارية، فإن فرص الطفل "الأسود" بتربية وتعليم يؤهلانه للعمل والتقدم والترقي متضائلة جدا بالمقارنة مع قرينه "الأبيض".

الوجه الثالث من أوجه تسلل العنصرية، وهو الأخطر فكريا ومعنويا وأخلاقيا، هو في عدم مواجهة الأساس الثقافي الممكّن لهذا التمييز

ثم جاءت محاولات "التصحيح" الحسنة النوايا في العقود القليلة الماضية، مع تخصيص مقاعد في الجامعات والمؤسسات لـ "السود" تعويضا على الظلم التاريخي، فحققت القليل من النجاح والكثير من الفشل. بل هو ظلم جديد، حيث أن هذا التصحيح الانتقائي، الاستدراكي دون تأسيس سليم، يحكم بالفشل على العديد من "المستفيدين" منه، لغياب التأسيس المطلوب، ويفاقم الخصومة مع العديد من "البيض" إذ يعتبرونه تفضيليا على حسابهم.

فالحقيقة الصعبة، ربما الأصعب بسبب أبعادها المادية، هي أنه لا بد للولايات المتحدة من تجاوز منحى المعالجة الرمزية، لعدم جدواها، وللنتائج العكسية التي تخرجها. ولا بد لها من مواجهة العواقب المستمرة والمتراكمة والمتضاعفة لفعل السرقة الذي طال الحقوق المالية لأحفاد المستعبدين بفعل القهر الذي عاشه أجدادهم. وإلى أن تفعل، لا يمكن أن تتوقع أن يصمت أصحاب الحق.

الوجه الثالث من أوجه تسلل العنصرية، وهو الأخطر فكريا ومعنويا وأخلاقيا، هو في عدم مواجهة الأساس الثقافي الممكّن لهذا التمييز.

هي هذه القناعة، والتي يجاهر بها البعض مفاخرين بتفوقهم المزعوم، والتي يسعى البعض الآخر إلى تلطيفها بأبوية تزعم أنها أخوية، بأن "السود" هم أقل من "البيض" على مستويات عدة، من الذكاء والحضارة وما شابه.

بعد عقود بل قرون من السعي إلى مواجهة هذه القناعات، الحصيلة التي يبدو أن العديد في المجتمع "الأسود" قد توصّل إليها هي أنه لا حاجة إلى التفنيد.

بل العبء هو على المجتمع "الأبيض" في الولايات المتحدة أن يسعى بذاته إلى الارتقاء ليبلغ قناعة أن كل الحجج والطروحات والمقولات والنظريات بهذا الخصوص ليست وليدة العلم والمعرفة، بل هي سبيله إلى إبراء من مسؤولياته. والحقيقة الصعبة هي أنه إلى أن يفعل، فإن العنصرية، المتسللة منها والمكشوفة، هي صفة ملازمة له.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.