Twenty-nine-year old DC resident, George (L), slaps hands with three-year-old Mikaela (R) in front of a police barricade on a…
سلام بين جورج الشاب وميكاييلا الطفلة أمام حاجز للشرطة في العاصمة الأميركية واشنطن

الأمريكيون ينتفضون ضد العنصرية، ومعها ضد عدد من الانتهاكات لحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

لكن هذا ليس موضوعنا الآن... دعنا نعود للأصل. لبداية الحكاية. جورج فلويد مواطن أميركي أسود البشرة تعرض لسلوك تعسفي من طرف بعض عناصر الشرطة، الأمر الذي أدى لوفاته اختناقا.

تم تسجيل الواقعة بالفيديو. الأخير انتشر عبر مواقع التواصل لينتفض السود الأميركيون... ومعهم البيض أيضا ضد تعسف الشرطة وضد العنصرية وضد مجموعة من الانتهاكات.

طيب، بعيدا عن كل التداعيات السياسية لـ "الحراك الأميركي"، لنعد إلينا قليلا. لنمارس لعبة النظر في المرآة حتى نخجل بعض الشيء من تعليقاتنا حول العنصرية ضد السود في الولايات المتحدة الأميركية.

أضف إلى ذلك عنصرية العربي مع الأمازيغي والأمازيغي مع العربي وعنصرية المسلم مع القبطي

في بلد العم سام، العنصرية واقع حقيقي، انطلاقا من الاسم نفسه. لنتأمل مثلا كيف أننا ما زلنا نتحدث عن "الأفرو ـ أميركيين" حتى بعد أجيال طويلة من تواجدهم في أميركا، في تذكير بأصولهم الأفريقية؛ رغم أن معظم الأميركيين ينحدرون من أصول أجنبية أخرى.

لكن، هل نظفنا بيوتنا قبل أن نقذف بيوت الناس بالحجر؟

ماذا عن عنصريتنا نحن أنفسنا ضد السود، سواء منهم أبناء البلد نفسه أو المهاجرون من بلدان أخرى (السودانيون في مصر، المهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء في المغرب، إلخ). هل سنمتلك شجاعة الاعتراف بأنهم يعانون بيننا للحصول على العمل ولاكتساب أصدقاء وللارتباط والزواج ولتفادي السب والإهانة في الشارع؟

هل سنمتلك شهادة الاعتراف بأن المجتمع والعلامات التجارية تشجع المرأة السمراء على استعمال كريمات تبييض البشرة لكي تبدو جميلة ولكي تعجب العريس وأمه؟ أليس مقياس الجمال عندنا بياض البشرة والشعر الأشقر؟

بل حتى بعيدا عن لون البشرة، لنتأمل عنصريتنا الاجتماعية: هو فقير لكن أخلاقه عالية. هي ريفية\بدوية لكنها مبدعة في ترتيب البيت وإعداد الطبخات الشهية \ هي غير محجبة لكنها محترمة \ هو مسيحي لكنه طيب...

أضف إلى ذلك عنصرية العربي مع الأمازيغي والأمازيغي مع العربي (رغم أن معظم المغاربة اختلطت دماؤهم بفعل الزيجات بين الأمازيغ والعرب على مدى قرون)، وعنصرية المسلم مع القبطي، وعنصرية سكان المدينة مع سكان القرية، وهلم عنصريات تنخر سلوكياتنا وعقلنا الباطن.

دون أن ننسى عنصرية الخليجي مع "الوافد" في بلده. على الأقل، في أميركا وأوروبا، تستطيع أن تحصل على الجنسية وتتمتع بكل حقوق المواطنة بعد عدد من السنوات، حسب قانون كل بلد. هل تتخيل الحصول على الجنسية السعودية أو الكويتية أو القطرية والإماراتية، حتى لو عشت واشتغلت هناك لمدة ثلاثين سنة؟ هل تتخيل أن تتقاضى نفس أجرة ابن البلد إن كنت تشغل نفس المنصب، كما قد يحدث لك في ألمانيا أو كندا أو البرتغال؟

في أميركا وأوروبا، تستطيع أن تجد مجتمعا مدنيا يدافع عنك في حالة انتهاك حقوقك بسبب العنصرية. هل تتخيل ذلك ممكنا في الدول المذكورة سالفا؟

في أميركا وأوروبا، لا أحد يأخذ جواز سفرك مقابل الإقامة (وإن حدث ذلك، يكون الفاعل قد خرق القانون ويمكن أن يتابع قانونيا) ولا توجد ثقافة "الكفيل" بكل حمولتها العنصرية، بل والاستعبادية...

هناك عبارة قرأتها منذ سنوات طويلة. عبارة قد تبدو عنيفة، لكنها حقيقية: "إذا أردت إعطاء دروس النظافة للآخرين... تعلم الاغتسال أولا!"

نعم، هناك عنصرية في الولايات المتحدة الأميركية ضد سود البشرة... لكنها أولا غير ممأسسة قانونيا كما يحدث في بعض بلدان الخليج مثلا، حيث التراتبية بين "أهل البلد" و"الوافدين" مؤطرة قانونيا. ثانيا، في الولايات المتحدة الأميركية، هناك نضالات كثيرة منذ عقود ضد مختلف أشكال العنصرية. لم تنجح جميعها. لكن، على الأقل، لن نجد هناك من يقول: "لا عنصرية في مجتمعنا ونحن نعيش في سلام وحب وتآخ".

اسألوا المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء في المغرب (وأغلب الظن أن المهاجرين في الجزائر وتونس وليبيا يعيشون نفس المأساة). شهاداتهم بخصوص العنصرية التي يعانون منها مؤلمة موجعة. اسألوا "الوافدين" في الخليج. اسألوا الأقليات الدينية والجنسية في معظم بلداننا. اسألوا أهل بلداننا من سمر البشرة. اسألوا النساء عن عنصرية الرجال. بل اسألوا من اجتمعت فيها السمرة والانتماء لجنس النساء...

هناك عبارة قرأتها منذ سنوات طويلة. عبارة قد تبدو عنيفة، لكنها حقيقية: "إذا أردت إعطاء دروس النظافة للآخرين... تعلم الاغتسال أولا!".

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.