Protesters ride on a school bus during a demonstration over the death of George Floyd while in Minneapolis Police custody, in…
من تظاهرات كاليفورنيا المطالبة بالعدالة واتخاذ إجراءات لمواجهة العنصرية

بينما كان عالم التواصل الاجتماعي "العربي" منهمكا جدا في انتقاد كل ما يحدث في الولايات المتحدة الأميركية، وصار كل عربي تقريبا يسطر الإدانات الغاضبة على التمييز والعنصرية عقب مقتل "جورج فلويد" والذي لقبه أحد المعلقين في أحد الصفحات بالشهيد فانهالت عليه الشتائم وفتاوي التكفير لأن فلويد "كافر" ولا يجوز أن يتم احتسابه شهيدا!

في خضم ذلك كله، كان يوم الأحد في الأردن، وهو بحكم نشأتي مصدر أكثر الصفحات التي أتابعها، يوما استثنائيا حين قررت الحكومة فتح الحجر والحظر الذي دام طويلا، فتم السماح للمؤمنين "بالإسلام والمسيحية" أداء الصلوات في المساجد والكنائس.

قامت محطات تلفزيونية أردنية ببث الصلوات وقداس يوم الأحد على شاشاتها، لكنها أيضا قامت بذات البث على صفحاتها في مواقع التواصل التي "وبالضرورة" هي مفتوحة للتعليقات.

كان كم السخرية المؤذية، ذات النفس الإقصائي التي وجهها معلقون "مسلمون" ضد "شركائهم في الوطن" المسيحيين كافيا للتأكد أن مشروع "قندهار" و "بيشاور" على بعد حفنة من الانهيارات الوشيكة.

صرت أقوم بانتقاء بعض التعليقات العنصرية والدينية الإقصائية وأدخل ما تيسر لي إلى صفحات أصحابها الشخصية والمفتوحة للعموم، لأجد العنصري الذي يلغي وجود "شريك المواطنة" بالسخرية من دينه، هو ذاته الذي ينتقد العنصرية في أميركا!

في العالم العربي كله، وبالمجمل، هناك عنصرية إقصائية، تلك التي تقصي أغلبية الناس ليصبحوا تابعية لا أكثر لنخب أقلية

أحدهم، وهو يعرف بنفسه كإعلامي، انتقد بقوة كل العنصرية في الولايات المتحدة الأميركية، لكن صفحته "منبره الإعلامي الوحيد" أيضا مليئة بالعنصرية الجندرية والجنسية ضد المرأة، ودعوات علنية لتحجيم دورها فهي ناقصة عقل ودين، ورمز الشرف للرجل حسب قوله.

ما أثار استغرابي هو أن القائمين على تلك القنوات الأردنية، يعرفون بلا شك أن العنصرية الدينية حاضرة وبشكل متزايد في المجتمع (مثل حضور الشوفينية الوطنية بين شرق النهر وغربه)، لكنهم ومع تلك المعرفة قاموا ببث القداس على صفحات فيسبوك، بخيار مفتوح للتعليقات التي لا يمكن السيطرة عليها، ولك أن تتخيل حجم الاضطهاد والتنمر الذي تعرض له "شركاء الوطن" في دولة ينسحب منها مفهوم المواطنة لحساب مفاهيم متناقضة أقل شأنا وانغلاقا وأكثر ضيقا، وهذا تنمر "مجتمعي" خطير، عواقبه الأكثر قربا، التفكير المباشر بالهجرة والرحيل وفض تلك "الشراكة الوطنية".

وهذا بالضبط ما حدث في الأراضي الفلسطينية مثلا، فحسب تقرير نشرته "الحرة" ، أن نسبة كبيرة من المسيحيين الفلسطينيين البالغ مجمل عددهم 47 ألف مسيحي من أصل 6 مليون في الضفة والقطاع، يرغبون بالهجرة والرحيل أسوة بمن سبقهم.

و"من سبقهم" هم أعداد كبيرة إذا قرأنا في نفس التقرير تلك الأرقام الإحصائية المثيرة للدهشة، ففي بيت لحم، حيث ولد المسيح نفسه، كان نسبة المسيحيين فيها تبلغ 84 في المئة عام 1922، وهذه نسبة منطقية جدا لمدينة هي مهد المسيحية حرفيا، لكن النسبة تنخفض عام 2007 إلى 28 في المئة! وفي ذات الأرقام الإحصائية التي اعتمدت استبيانات منهجية، فإن 43 في المئة من مجمل المسيحيين الفلسطينيين يشعرون أن المسلمين لا يرغبون بوجودهم.

ومع ذلك، فإنك ستضحك كثيرا وأنت تقرأ وتسمع وتشاهد الانتقاد الفلسطيني للعنصرية في أميركا! هذا الفلسطيني نفسه الذي يتعرض أيضا لعنصرية تحت الاحتلال، قادر على أن يكون عنصريا لا ضد المسيحي "شريك الوطن" وحسب، بل ضد المرأة أيضا "شريكة المجتمع" فهي هنا كذلك رمز الشرف والعفة للرجل الغاضب من كل ما يحدث في مينيابوليس من عنصرية!

المصريون، في وسائل التواصل الاجتماعي لم يقصروا كذلك في الانتقاد ثم الوعظ في وسائل الإعلام التي أصبحت ديمقراطية جدا، لكنهم غفلوا "وجل من لا يسهو ويغفل"، عن كل أنواع العنصرية والإقصاء عموديا وأفقيا في مصر؛ العنصرية ضد المرأة، والعنصرية الإقصائية الدموية والتاريخية مع الأقباط، أهل الأرض قبل أن يكونوا "شركاء الوطن" بالضرورة التاريخية.

وطبعا قمة العنصرية هي عنصرية النخبة "البوليسية" الفاسدة والثرية ضد باقي أفراد المجتمع، عنصرية نخب الجيش ضد باقي الأفراد في الجيش نفسه، ثم عنصرية الجيش على الشعب.

تلك هي الدولة المدنية التي ينقص وجودها في دول العالم العربي، الغارق في أكثر من صيغة للعنصرية في داخله لكنه غاضب جدا من عنصرية أميركا

لبنان، الرازح تحت عنصرية أمراء الحرب والمال، أيضا أشعلوا في شوارعه "المحترقة غضبا" الشموع تضامنا مع السود في أميركا، لكن هي ذات الشوارع التي يتشرد فيها نساء أفريقيات قدمن للعمل مدبرات منازل، شردهن الإقصاء العنصري، ومن لم تتشرد بعد، فلا تزال أسيرة في منزل له أسياده، تماما مثل أسرى سفن العبودية التي كان لها أسيادها العنصريون.

في الخليج كذلك، هل يمكن لأحد أن ينكر العنصرية من الجميع هناك (مواطنون ووافدون عرب) ضد الهنود والبنغال والفلبينيين، حتى الباكستاني هناك له درجة عبودية أرفع قليلا بحكم الدين، وهذا تمييز حتى في التمييز نفسه، لكن محطات تلك الدول ووسائل التواصل فيها خصوصا "تويتر" تنتقد وبشدة تلك العنصرية ضد السود في أميركا!

العراق، تمزقه الطائفية حد الدم المسفوح مجانا على ذمة الهوية، لكن كثيرا من العراقيين لم يتركوا القصة الأميركية تمر بسلام دون انتقاد هذا التاريخ العنصري في الولايات المتحدة. صار الحديث عن التاريخ نفسه، ونسي الجميع أن العالم الإسلامي كله مقسوم بسبب خلاف على السلطة بين أبناء عم من جد واحد في قريش، والشاهد دوما قميص عثمان الذي كان أول خيط الدم الممتد من القرن السابع حتى اليوم.

المغرب العربي، وتقارير حقوق الإنسان عن العبودية لا العنصرية وحسب في بعض جغرافيته البعيدة، والعنصرية ضد أهل الجغرافيا الأصليين من شعوب الأمازيغ المحرومين من حقوقهم التاريخية على أرضهم، لكن هذا كله يجعل المأساة ملهاة حين تقرأ وتسمع وتشاهد كثيرا من الغضب "المغاربي" على العنصرية في الولايات المتحدة.

في العالم العربي كله، وبالمجمل، هناك عنصرية إقصائية، تلك التي تقصي أغلبية الناس ـ المواطنين افتراضا ـ ليصبحوا تابعية لا أكثر لنخب أقلية، يحكمها قائد ملهم واستثنائي وله رؤية عصرية وتقدمية لرفعة الوطن ونهضته، فلا مؤسسات ولا دستور ولا قانون يمكن أن يضاهي هذا القائد وعصابته من النخبة.

لن أتحدث كثيرا عن الإعلام الإيراني (ومشتقاته العربية المقاومة) فإيران نظامها كله هو عمارة من زجاج بالغ الهشاشة، ومن المضحك أن يرمي سكان العمارة من أولياء الفقيه حجارتهم على العنصرية في أميركا.

♦♦♦

طيب، فلنعد إلى أميركا وتداعيات الحدث فيها.

نعم.. هناك عنصرية، ولها تاريخها الذي لم تنكره أدبيات المجتمع الأميركي، وهناك حرية تعبير سمحت لتلك الأدبيات أن تظهر في السينما والتلفزيون والكتب والمطبوعات والساحات العامة.

العنصرية لم تختف يوما في مجتمع ديناميكي متعدد ومتنوع مثل المجتمع الأميركي.

الفرق بين هناك والعالم العربي، أن جورج فلويد، بموته المؤسف والبشع كان مفصلا تاريخيا لحركة تغيير جديدة، لتطور مجتمعي جديد بعد صدمة كبيرة.

فلنقرأ هذا التقرير عن العبودية الحديثة في عالمنا اليوم، ولا يندهش أحد من الأرقام التي لا تكذب، حين يرى اسم دولته من بين 19 دولة عربية تم توثيق ممارسات العبودية بها

الحزب الديمقراطي تاريخيا هو الذي قاتل بشراسة لترسيخ العبودية في الجنوب الأميركي، وهو المسؤول تاريخيا عن عقود طويلة من العنصرية، وأبراهام لنكولن "محرر العبيد" كما كان لقبه، كان من الحزب الجمهوري.

اليوم، الحزب الديمقراطي بكل قياداته وعلى رأسهم نانسي بيلوسي، تقدموا بتشريع تاريخي قد يغير من منهجية العمل الشرطي في كل الولايات.. تشريع هذا زمانه ربما، وكل تلك القيادات التي ورثت الحزب المسؤول تاريخيا عن العبودية، ركعوا على ركبة واحدة ورؤوسهم منحنية لجورج فلويد وكل المجتمع الملون في الولايات المتحدة.

الحزب الجمهوري، الذي كان تاريخيا صاحب المبادرة في "تحرير العبيد"، متهم اليوم في أميركا بالعنصرية.

ماذا سيحدث برأيكم؟

كل ما سيحدث أن الحزب الجمهوري وضمن ذات الديناميكية سيتغير، سينتفض وربما يستعيد ذاته التي فقدها في لعبة انتخابية عميقة على عهد الرئيس السابق نيكسون.

باختصار أيها السيدات والسادة من كل دين ومذهب وعرق ولون وجنس، تلك هي ديناميكية الدولة الديمقراطية، دولة المؤسسات والقانون. تلك هي الدولة المدنية التي ينقص وجودها في دول العالم العربي، الغارق في أكثر من صيغة للعنصرية في داخله لكنه غاضب جدا من عنصرية أميركا.

وأخيرا...

فلنقرأ هذا التقرير عن العبودية الحديثة في عالمنا اليوم، ولا يندهش أحد من الأرقام التي لا تكذب، حين يرى اسم دولته من بين 19 دولة عربية تم توثيق ممارسات العبودية بها.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.