A Lebanese demonstrator with an inscription on her chest in Arabic meaning "My clothing is my decision", as she uses a…
متظاهرة في بيروت تكتب على صدرها: "أنا أقرر ما ألبس"

تونس. عشرة أشخاص يحتجزون طفلة ويتناوبون على اغتصابها.

مصر. رجل يتفق مع عامل عنده على اغتصاب زوجته، لكي "يضبطها" في حالة تلبس بالخيانة، فيطلقها ويتزوج بامرأة ثانية ترفض زوجته الأولى زواجه منها... بعد مقاومة الزوجة للمغتصِب، قام بقتلها أمام رضيعها واغتصابها بعد ذلك... اكتشفت المباحث الجريمة واعترف الاثنان بجريمتها، وستبدأ المحاكمة عما قريب!

إذا بحثنا أكثر، فمن المؤكد أننا سنجد جرائم بشعة مشابهة في الجزائر، السعودية، لبنان، العراق، المغرب...

ومع ذلك، فما زال الكثيرون مُصرّين أن ملابس المرأة هي السبب في اغتصابها والتحرش بها.

ألا يخجل هؤلاء أمام الحالات الكثيرة جدا لاغتصاب الطفلات الصغيرات، كما في جريمة تونس؟

ألا يخجل أصحاب هذا الخطاب أمام حالات اغتصاب النساء العجائز في بيوتهن؟
ما موقفهم من حادثة تونس، حيث تناوب عشرة وحوش على اغتصاب طفلة صغيرة؟ هل هي المسؤولة بسبب ملابسها وغنجها؟ أم أن المسؤول الوحيد هم هؤلاء المجرمون؟

أن ترتدي الحجاب أو الجينز أو التنورة القصيرة، كل هذا لا يجعلها مسؤولة عن اغتصابها أو التحرش بها. المسؤول الوحيد هو الفاعل

ما موقفهم أمام حادثة القاتل المصري الذي وصلت به الحقارة والاإنسانية لإرسال شخص لاغتصاب زوجته، حتى يتهمها بالخيانة... بل وفوق ذلك، اعتبر البعض بأنها تستحق ما حدث لها، لأنها عارضت شرع الله في التعدد! حتى وهي مغتصَبة ومقتولة وضحية مؤامرة دنيئة من زوجها، فهي السبب وهي المخطئة!

لنتخيل كيف كان سيكون موقف الضحية لو لم تتعرض للقتل، ولو نجحت خطة الزوج واتهمها فعليا بالخيانة (ظلما)؛ رغم أنه قد خطط لتفاصيل الحادثة! هل كان أحد سيصدقها؟ هل كان المجتمع والقانون سيرحمانها؟ أم أن النساء في مجتمعنا دائما السبب... حتى في قتلهن؟

إذا خان الرجل زوجته، فهي مسؤولة لأنها بالتأكيد جعلته يهرب منها بسبب إهمالها أو نكدها أو أي سبب آخر. إذا قرر الزواج من ثانية أو ثالثة أو رابعة فهذا حقه وليس عليها اعتراض. إذا ضربها فهي بالتأكيد فعلت شيئا تستحق عليه الضرب. إذا قتلها، فهي بالتأكيد خائنة أو مستفزة أو نكدية. وإذا أرسل لها شخصا آخر ليغتصبها، فلم يكتف المجرم الآخر بالاغتصاب بل قتلها، فهي السبب أيضا لأنها ترفض التعدد وتعارض شرع الله. وهم محقون بالتأكيد، لأن معارضة التعدد هي، شرعيا، أبشع بكثير من الاغتصاب والقتل... ومن إرسال زوج لرجل آخر لكي يغتصب زوجته!

متى سنعي بأن الاغتصاب والتحرش والقتل هي جرائم بشعة، المسؤول الوحيد عنها هو المغتصِب والمتحرش والجاني؟

متى سنعي بأن اغتصاب الطفلات الصغيرات هو واقع حقيقي يتساهل معه الكثيرون خوفا من الفضيحة، علما أن الفضيحة يجب أن تطال المغتصِب لا الطفلة وأسرتها؟ بل أن بعض الأسر تتنازل عن الدعوى القضائية لأن الاغتصاب لم يؤد لافتضاض البكارة... طبعا، فالشيء الوحيد المهم... هو غشاء البكارة!

ما لم نشرع في محاسبة الجناة بدل الضحايا، فستتكاثر جرائم الاغتصاب وسنستمر في تجاهلها وفي إيجاد الأعذار للمغتصبين

حتى القانون في المغرب يلغي المتابعة إذا تنازل أهل الضحية عن القضية، سواء في حالة الاغتصاب أو التحرش أو العنف أو الاعتداء على الأطفال؛ في حين أنه، في هذه الجرائم، لا يفترض أن تلغى المتابعة بسبب تنازل الضحايا. هؤلاء قد يتنازلون تحت ضغط المجتمع والأسرة، بينما يفترض أن يحمي القضاء الضحايا وأن تتم المتابعة، حتى لو تنازلت الضحية.

من جانب آخر، هذا العدد الهائل لجرائم اغتصاب تكون ضحيتها طفلات صغيرات أو نساء محجبات أو زوجات في بيوتهن... لا يجب أن ينسينا الأساسي: اللباس حرية فردية للمرأة، لا يمكن أن يبرر بأي شكل من الأشكال تعرضها للاغتصاب. أن ترتدي الحجاب أو الجينز أو التنورة القصيرة، كل هذا لا يجعلها مسؤولة عن اغتصابها أو التحرش بها. المسؤول الوحيد هو الفاعل...

ما لم نعِ ذلك وما لم نشرع في محاسبة الجناة بدل الضحايا، فستتكاثر جرائم الاغتصاب وسنستمر في تجاهلها وفي إيجاد الأعذار للمغتصبين... لأن الضحية هي دائما السبب! ولأن الجاني يعلم جيدا أن القانون والمجتمع سيتضامن معه، لمجرد أن الضحية... امرأة!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.