Palestinian Muslim women worshippers, distanced from each other due to the COVID-19 coronavirus pandemic, pray outside the…
فلسطينيات يصلين عند بوابة مغلقة لمسجد الأقصى

لا يمكن أن ينجح أي إصلاح أو نهضة أو تقدم في الفضاء الإسلامي من دون الفصل بين ما هو خاص وما هو عام عندما يتعلق الأمر بالشأن الديني. الخاص هو أن الدين/الإيمان الديني فردي بطبيعته وأن الفرد حر في اتخاذ أي دين أو عدم اتخاذه لدين معين. هذه حريته الشخصية وهي جزء من حريته كإنسان. بينما الشأن العام هو شأن يتعلق بالمجتمع ككل، وبهذه الصفة فهو لا يمكنه أن يتبنى أو ينحاز لدين أو أيديولوجية معينة.

الطريق إلى الفاشية

الخلط بين هذين الأمرين، وحيثما حدث، قاد على الدوام ويقود إلى نكبات وكوارث. لماذا؟ لأن الأديان والأيديولوجيات هي بطبيعتها مطلقة ومغلقة ونهائية. فكل شيء يبدأ عندها وينتهي معها. إذا تبناها الأفراد فهذه مشكلتهم وهي حريتهم في الأخير، لكن حين تتبناها الدول والمجتمعات والحركات، فهي تسير بها ومعها لا محالة نحو القمع والاستبداد والوحشية في الداخل، والسلوك الفاشي (أو الأقرب إلى الفاشية) في الخارج. هل نحتاج إلى أمثلة؟

إن الماضي وكل ماض، إنما هو فعل منته ولا يمكن استعادته من جديد

الأمثلة كثيرة بما يكفي لملأ مجلدات بأكملها. لنأخذ نموذج دولة تنظيم "داعش". ما هي الفكرة الأساسية التي كانت تحرك هذه الدولة أو التنظيم؟ سنجد أنها هي نفسها فكرة كل دين وكل أيديولوجية تحتل الفضاء العام. فهي الأعلى والأفضل والأحق بالوجود، وأتباعها هم خير الأتباع الذين أخرجوا للعالم. ما هو مصير من لا ينتمي إلى/ أو لا يوافق على/أو لا يتبع هذه الفكرة؟ هم ليسوا بشرا وإنما مثل الدواب والأنعام، بل أضل سبيلا، أي أنهم في المحصلة أدنى مرتبة من الحيوان نفسه. وإذا كان الحيوان يذبح فلماذا لا يكون مصير هؤلاء هو الذبح؟

العودة للأصل

ما هو النموذج الذي تتطلع إلى إقامته؟ هو نموذج ماضوي بحكم التسلسل المنطقي لهذه الفكرة. بمعنى أنه نموذج وجد في مرحلة تاريخية معينة، وكان عصره أزهى العصور وأكثرها عدلا وكمالا!

لماذا لا تسعى للأخذ من النماذج المعاصرة أو تبتكر نموذجا مغايرا؟ الإجابة هي لأن هذه النماذج كلها هي في مقام "البدعة"، إذ هي لا تشترك في الدين أو الأيديولوجيا، وهي ليست من إنتاج خير الأتباع الذي أخرجوا للعالم. فالعودة إلى الأصل هنا هو شرط لا غنى ولا تنازل عنه، لأنه يحفظ "للمقدس" أو من "يقوم مقامه"، حقه ومكانته من جهة، ويجنب الأتباع الانحدار نحو الدرك الأسفل، كي لا ينطبق عليهم ما ينطبق على "الدواب والأنعام".

الواقع أن العودة إلى الأصل أو إلى نقطة البداية (بداية ما) ليست حصرا على الدولة أو الجماعة الدينية، هي ملمح مشترك لكل أولئك الذين يتوقون أو يحنون بشكل مرضي نحو الماضي. إنه يشبه عجز الرضيع عن الفطام. وهو عجز يعمي هؤلاء عن التعامل مع الواقع من حولهم والذي يعيشون فيه.

أشباح الماضي

في عالمنا العربي يتساءل الكثيرون لماذا تأخرنا؟ والجواب هو كيف يتقدم من يسير إلى الخلف! إننا، من بين أمور أخرى، لم نكرس أي وقت للاهتمام بالحاضر. فقد كان الهم المقيم والطاغي دائما هو العودة إلى الماضي والبحث عن الماضي والصراع حول الماضي.. بالنسبة للعربي والمسلم كان دائما ثمة ماض ينبغي العودة إليه. فثمة دولة عربية واحدة كانت فيما مضى ويجب إقامتها من جديد. وثمة دولة إسلامية كانت في السابق ويجب العمل على إعادة بنائها، وكان ثمة خلافة إسلامية لا بد من إحيائها، وكان ثمة زمن جميل للصحابة والتابعين يجب التماهي معه.. إلخ.

إن السعي نحو الماضي أو محاولة العيش فيه يولد إهمال أكيد بالحاضر، وهو الزمن الوحيد الموجود، ويهدر الفرص لبناء أي شيء ذي قيمة

كل الجهد والطاقات والأفكار والأذهان، كانت ولا تزال مسخرة بشكل أو بآخر نحو استعادة الماضي أو محاولة العيش في ظلاله، بينما الحاضر يهمل ويضحى به على مذبح الأوهام والشعارات والخيالات.

وحين تسأل أين هو هذا الماضي، وهل له وجود أو مكان يمكن العودة إليه؟ يشيرون لك إلى بطون الكتب والقصص والأحاديث. من دون أن يدركوا أنه حتى هذه الكتب والأحاديث هي ليست الماضي نفسه، وإنما هي تفسيرات وآراء وتصورات بشرية للماضي.

الخسارة المؤكدة

بمعنى آخر، فإن الماضي وكل ماض، إنما هو فعل منته ولا يمكن استعادته من جديد. وحتى أولئك الذين أغرموا بالماضي حد الضياع، وحاولوا استعادته، اكتشفوا في اللحظة التي بدا لهم فيها بعض النجاح، أنهم إنما يستعيدون فهمهم هم للماضي وليس الماضي نفسه.

إن السعي نحو الماضي أو محاولة العيش فيه يولد إهمال أكيد بالحاضر، وهو الزمن الوحيد الموجود، ويهدر الفرص لبناء أي شيء ذي قيمة. كل الدول والجماعات البشرية التي حاولت استعادة ماضيها خسرت ما كان بحوزتها، بدءا من ألمانيا وإيطاليا خلال الحربين العالميتين، وحتى الفلسطينيين اليوم، بينما الدول التي وضعت حدا لهذا الشبق المرضي بالماضي، نجحت في التقدم وبناء مجتمعات حديثة مثل تركيا حينما تخلت عن الحقبة العثمانية، واليابان حينما تخلت عن ماضيها الإمبراطوي وغيرها. وفي الحالتين تم ذلك بالتوازي أيضا مع حل المشكلة الأكبر وهي الفصل ما بين الخاص والعام فيما يتعلق بالشأن الديني والاعتقادات عموما. من نافل القول إن باب العودة للماضي، في الحالتين الأخيرتين وفي الحالات عموما، يظل مفتوحا للأسف، لكن النتيجة لن تكون مختلفة كثيرا في كل مرة.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.