An aerial view shows a deserted street in the Lebanese capital Beirut during a nighttime curfew imposed to stem the spread of…
بيروت ليلا خلال فترة منع التجول

ربما لم تتوقع قيادة "حزب الله" وأمينها العام ردة الفعل التي حصلت جراء الإفراج عن عامر الفاخوري، آمر سجن الخيام في زمن الاحتلال الإسرائيلي للجنوب. لكن من يحتفظ بذاكرته يعرف أن هذه التجربة ليست الأولى، لجهة التسامح مع العملاء، إذ سبقتها تجارب مماثلة، ولم تتلق أي ردة فعل من الجمهور: مثل توزير إيلي حبيقة وصولا إلى قضية فايز كرم الذي أفرج عنه وأعيد الاعتبار له من حليف الحزب وشريكه في السلطة وغيرها كثير...
كان طبيعي أن ينبري حسن نصرالله لمحاولة احتواء الجو الاعتراضي الذي ساد بين جمهوره الغاضب. هذا الجمهور الذي استفاق على تواطؤ مكشوف لقيادة الحزب في قضية الفاخوري ولم يستوعبه، رغم أنه لم يسأل نفسه من قبل كيف ولماذا جيء به أصلا! وهل يمكن أن يحاكم ويبرأ ويخرج دون علم الحزب؟
الجمهور غاضب، لقناعته أنه أشرف البشر وفوق القوانين والدول والمجتمعات، وأن قيادته منزهة ولا يمكن الضغط عليها لتقديم التنازلات أو الانخراط في تسويات تخدش المبادئ والقناعات. في المقابل، غضبت القيادة من ردة فعل جمهورها لأنه شكك في عصمتها! وجاءهم الخطاب ليعيدهم إلى صوابهم: نحن فوق المحاسبة، لا تنتقدوا وعليكم الوثوق بنا "عالعمياني".

لا يمكن للحكومة أن تغض النظر عن قضية تعيد نكأ جراح الماضي وتحيي تداعيات الحرب الأهلية

وبالمناسبة نفسها، لا بأس من بث رسائل مبطنة تهيئ الجمهور، وتقمع مسبقا ردات فعله المنتظرة، تحسبا للقادم من التنازلات التي ستفرض المزيد من الهفوات والثغرات في الأداء. والوصفة: اسألوا ونشرح لكم. ونقطة عالسطر.
وفي خضم هذه الخضة المزلزلة جاء اغتيال انطوان الحايك، معاون الفاخوري، في دكانه في قريته المجاورة لصيدا؛ هو الذي حوكم وسجن وأفرج عنه وانخرط في القوى الأمنية الرسمية قبل أن يتقاعد.
لا يندرج هذا الاغتيال سوى في سجل جرائم الثأر والانتقام؛ مهما كانت الأسباب والفاعلين، سواء جاء من طرف أحد المتضررين القدامى أو ممن يحاول تهدئة الجمهور بأن يقدم له أضحية متأخرة، أو ممن يلعب على وتر تعكير السلم الأهلي أو على مذبح طموح البعض في الوصول إلى السلطة والبعض الآخر في استمرار الإمساك بخوانيقها!
والثأر هو ممارسة عنف لا عقلاني صرف لأنه يهدف إلى إلغاء ما قد حصل بطريقة سحرية. ويلعب هنا عدة وظائف: فعدا عن إلغاء مفاعيل هذه القضية من ألفها إلى يائها، يقول للجمهور: "عوضنا لكم" عن القتل الرمزي الذي طالكم في قضية الفاخوري بأضحية تغسل العار الذي شعرتم به. ولمن يعنيهم الأمر "إذا عدتم، عدنا". على أمل أن يكون الشوط النهائي في هذه المباراة.
لكن المنطق هنا لا يستقيم، لأن الفاخوري خرج بقرار محكمة عسكرية لبنانية ومن قاض محسوب على "حزب الله" سياسيا. مع ذلك تم استغلال القضية لتشريع المعابر غير الشرعية، بحجة الطائرة الأميركية التي أقلته لأنها "اعتداء على السيادة". لكنه شكل أيضا اعترافا بأن الحزب ينتهك السيادة كل الوقت.
أما تصفية الحايك بسبب ممارساته في سجن الخيام، فلقد تأخر كثيرا، عدا عن أن قتله بدم بارد وبكاتم للصوت يعد تصفية وحكم إعدام من قبل محترفين، ربما "ليفشوا خلق" المعترضين أو تخديرهم؛ او هو تحذير مستقبلي لمن قد يخل بدوره ووظيفته المرسومة له مع الحزب سواء كانت التزام أو اتفاق أو غيره.
أما إذا كان هناك تململ، مستجد واعتراض على كيفية معالجة ملف العملاء من أصله، فليس على الحزب المهيمن على السلطة، مهما نفى هذا الواقع، سوى أن يعيد المحاكمات تحت سلطة القانون وليس عبر إرسال الرسائل التي تهز السلم الأهلي وتضرب القضاء.

A woman wearing a face mask, amid concerns of the COVID-19 coronavirus, walks past the shop window of a grocery store in…
روسيا تضلّل العالم لإخفاء ضعفها
استخدم نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "كوفيد 19" لبث الذعر في أوكرانيا، ولتحريض الأوكرانيين ضد رئيسهم فلوديمير زولنسكي، الذي يسعى بوتين للضغط عليه لحمله على تقديم تنازلات في مفاوضات السلام المرتقبة بين الطرفين. ولهذا الغرض، استخدمت دعاية بوتين الكاذبة خبر قيام كييف بإخلاء 50 أوكرانيا من الصين، ووضعهم في حجر صحي في أوكرانيا

والضحية الأولى في كل ذلك، هي الدولة والسيادة والقضاء والشعب اللبناني، والأخص بينهم الشيعة الموالين للحزب. والخطورة الثانية تكمن أن هذه الحادثة، وهوية الضحية، تفتح باب الثأر والانتقام والتصفيات وتهدد السلم الأهلي وكأن هناك من يريد التلاعب به أو استخدامه للضغط ووضع آلاف الأشخاص موضع تساؤل وعرضة للانتقام. 
في العام 2013 كتبت مقالا بعنوان، "الشيعة العرب عملاء في أوطانهم"، طبعا أثار حفيظة الكثيرين، بمن فيهم مسؤول الصفحة الذي غير العنوان الأصلي الأقل استفزاز.
فالحرب السورية نبّهتنا إلى كارثية الدور الذي اضطلع به "حزب الله" في انخراطه في قتال الشعب السوري، وإمعانه في توسيع حروبه من العراق وصولا إلى اليمن ولم يردعه رادع. بينما جمهوره منتش ويشعر بفائض القوة والاستقواء. 
ألا يشعون بالاستقواء حتى في أزمة كورونا عبر منع الدولة من اتخاذ التدابير الوقائية الجذرية؟ بينما يعلن رئيس المجلس التنفيذي في "حزب الله" هاشم صفي الدين عن خطة "حزب الله" لمكافحة وباء كورونا! مع أن وزير الصحة في لبنان سمي من قبل الحزب، ويفترض أنه يقود جهود مكافحة الوباء ووضع الاستراتيجيات له! 
وأعلن الحزب أنه جهز 24 ألف شخص للجهاز الطبي ومستشفيات ومختبرات وفنادق، تجاوزت الدولة اللبنانية وخططها. وعدا عن أنه يعني تفشي الوباء، عنى أيضا وجود دولة أقوى من دويلة لبنان الرسمية ولا نعرف عن عدد إصاباتها ولا عن مرضاها، فهم غير مسجلين في السجلات الرسمية على ما يبدو! كما أن الوضع غير مطمئن والحكومة خارج السمع.
"حزب الله" منذ العام 2005 يعتدي على الدستور والقوانين اللبنانية. وتحول إلى معتد على الدول العربية منذ انخراطه في الحرب السورية بذرائع شتى. وكان على جمهوره أن يعي هذا مبكرا وأن يتململ حينها؛ لا أن ينعت من يدينه بعمالته لإيران بالخيانة والعمالة ومساواتها بالميل السياسي نحو، سواء السعودية أو الاميركية. عليهم أن يراجعوا أنفسهم عن تخوين من قال إنهم فرقة من الحرس الثوري لأن أي تبعية كاملة كالتي يمارسونها ويعلنون عنها للخارج هي خيانة للجنسية التي يحملونها، سواء كانت لإيران لأميركا أو إسرائيل أو السعودية أو غيرها.

"حزب الله" منذ العام 2005 يعتدي على الدستور والقوانين اللبنانية

قضية الفاخوري ـ الحايك، تؤكد تعطل الدولة والحكومة والسلطات الرسمية وعجزها عن القيام بدورها لجهة حماية مواطنيها وترك الجناة أحرار آمنين مع ما للمخابرات من باع مشهود. وليعفوننا من معزوفة "منظمة أو عصابة" قامت بذلك على غرار اعتراضات الأهالي في زمن مضى.
لا يمكن للحكومة أن تغض النظر عن قضية تعيد نكأ جراح الماضي وتحيي تداعيات الحرب الأهلية التي لم تشف لأنها لم تعالج أصلا. فلا مصالحات قد حصلت ولا جهد بذل لتفعيل آلية فض النزاعات والاعتراف بجروح الآخرين أو القيام بمحاكمات علنية تساهم بالاعتراف بالذنب كمقدمة لمصالحة فعلية.
إننا في لحظة توتر سمحت بتصاعد انعدام الثقة المتبادل بين المكونات الاجتماعية ما أوصلنا إلى انشطار عامودي مواز لم يعرفه لبنان حتى في أحلك ظروفه الأمنية. وتكاد الانقسامات المستجدة أن تغطي على الوحدة المواطنية التي برزت في 17 أكتوبر، لتهدد السلم الأهلي الذي لا يقوم فقط على مجرد إيقاف عنف الحرب؛ بقدر ما يهدف إلى تدعيم نظام للقيم وحسن العلاقات بين الأفراد والجماعات وتدعيم التماسك الاجتماعي. وهذا يتطلب بناء نظام سياسي واجتماعي واقتصادي في مجتمع مستقر وآمن يسوده القانون والعدالة ويتساوى فيه الأفراد والجماعات وفق أسس متوازنة ومتلازمة للحقوق والواجبات.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.