Russian President Vladimir Putin attends a meeting with Gazprom CEO Alexei Miller at the Kremlin in Moscow on March 27, 2020. …

في بداية الأسبوع الثاني من شهر مارس وبعد تخلي موسكو عن اتفاقية (+ OPIC) التي أدت إلى انخفاض أسعار النفط بنسبة مئوية أدنى مما كانت عليه في السنوات الثلاثين الماضية، كان من المتوقع أن يؤثر ذلك على قيمة العملة الروسية ويؤدي إلى انهيار سعر صرف الروبل مقابل الدولار، وهو ما أدى إلى تخوف أوساط اقتصادية روسية من أن تتكرر الانهيارات المالية التي جرت في شهر أغسطس 1998 والأزمات الأخرى التي حدثت في أعوام 2008 و2014، إلا أن الروبل تمكن من الصمود المحدود وحافظ على سعر يتراوح ما بين 78 و80 روبل للدولار الواحد في الأسبوع الأخير من هذا الشهر.
على الأرجح، فإن القدرة على السيطرة النسبية على سوق الأوراق المالية الروسية يعود، بحسب الخبراء الاقتصاديين، إلى تجربة موسكو في التعامل مع الأزمات السابقة نتيجة أزمات في سوق الطاقة أو نتيجة للعقوبات الأميركية التي فُرضت على روسيا، كما لم يعد مستبعدا أن الكرملين الذي قرر الخروج من اتفاق (+ OPIC) كان يعتمد على أمرين: الأول احتياطي السيولة البالغ حوالي 150 مليار دولار، وزيادة في إنتاج النفط لتلبية الأسواق العالمية بأسعار منافسه، تغطي جزءا من التزامات الميزانية العامة للدولة، إلى أن يتمكن الكرملين من تحسين شروطه الاقتصادية في قطاع الطاقة مع واشنطن والرياض.

ثنائية كورونا والطاقة انتزعت من بوتين أوراقه الرابحة التي كان يعول عليها لدعم مشروع حكمه إلى ما بعد 2024

موسكو التي خططت لحرب أسعار بوجه الرياض، لم تأخذ بعين الاعتبار تأثير فيروس كورونا وتحوله إلى وباء عالمي مما أدى إلى أضرار ضخمة في الأسواق العالمية وخصوصا في قطاع الطاقة، حيث انخفض الطلب العالمي على النفط والغاز، ما أدى إلى سحق الأسعار في البورصات العالمية، حيث وصل سعر خام برنت إلى ما دون 26 دولار، مع مخاطر كبيرة من انخفاض أكبر على العقود الآجلة، وهو مرتبط أيضا بارتفاع المخاوف من زيادة العرض في بداية شهر أبريل، بعدما تعهدت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بزيادة الإنتاج.
مما لا شك فيه أن جائحة كورونا قد عرقلت خطط الكرملين المستقبلية خصوصا الداخلية المرتبطة في إعادة تكليف فلاديمير بوتين حكم روسيا إلى 2036، بعد الإعلان عن تأجيل الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي كان من المقرر إجراءها في 22 أبريل المقبل إلى أجل غير مسمى.

بعد شهر من إعلان روسيا عن حالتها الأولى، أعلن بوتين عن عطلة وطنية مدفوعة الأجر لمدة أسبوع اعتبارا من 30 مارس لتشجيع الروس على البقاء في منازلهم بهدف الحد من انتشار فيروس كورونا، وقال بوتين في كلمته التي وجهها للروس "لا تفكروا، أن هذا لا يمكن أن يحدث لي، يمكن أن يحدث لأي شخص، أهم شيء هو البقاء في المنزل".
وفقا للإحصاءات الرسمية، خلال شهر من اكتشاف أول حالة في روسيا لم تعترف الجهات الرسمية إلا بوجود 648 إصابة بفيروس كورونا وثلاث وفيات فقط. ولكن في الأيام الأخيرة، بدأت الرواية الرسمية حول عدد الإصابات تتغير بعدما حذر يوم الثلاثاء الفائت رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة فيروس كورونا عمدة موسكو سيرجي سوبيانين من أن البلاد تواجه "وضعا خطيرا" ومن الممكن أن تتضاعف الأعداد المصابة ثلاث مرات بين عشية وضحاها. 

عملية الترقيع الاقتصادي تحت ضغط كورونا وأزمة أسعار النفط قلّصت خيارات الكرملين الاجتماعية والاقتصادية

تحذيرات السلطة تتقاطع مع ما قاله عالم الأوبئة في المدرسة العليا للاقتصاد الدكتور فاسيلي فلاسوف لجهة أنه "قد يكون انتشار المرض في روسيا في مراحله الأولى فقط، وأضاف "إما أن يكون الوباء قد بدأ للتو هنا أو أنه ينتقل بين السكان بشكل معتدل، النسخة الثانية أقل احتمالا، مما يعني أننا يجب أن نستعد لتفشي المرض".
عوارض كورونا على الأوضاع المعيشية في روسيا دفعت بوتين إلى الإعلان عن إعانات مادية لبعض الأسر خصوصا التي يوجد لديها أطفال بقيمة 5000 روبل إضافية أي ما يعادل (44.80 دولار) شهريا من الحكومة لكل طفل دون سن 3 سنوات، كما أعلن بوتين عن قرار لحماية الموظفين من خلال اعتبارهم في إجازة مرضية ما يمنحهم الحق بالحصول على الحد الأدنى للأجور حتى نهاية العام.
عملية الترقيع الاقتصادي تحت ضغط كورونا وأزمة أسعار النفط قلّصت خيارات الكرملين الاجتماعية والاقتصادية وحصرت إمكانياته الضئيلة أصلا في التحرك تجاه الحالات الأكثر حرجا اجتماعيا مثل المتقاعدين والأسر التي لديها أطفال، والطلب من البنوك إعطاء مدة سماح لسداد القروض الاستهلاكية والرهون العقارية، أما الشركات الصغيرة فستحصل على تأجيل دفع بعض الضرائب لمدة ستة أشهر.
مما لا شكل فيه أن ثنائية كورونا والطاقة انتزعت من بوتين أوراقه الرابحة التي كان يعول عليها لدعم مشروع حكمه إلى ما بعد 2024 بعدما بات مجبرا على تأجيل ما كان يعرف بالمشاريع القومية الكبرى تحت ضغط هذه الثنائية وما تسببت به من نزيف حاد في الميزانية الروسية.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.