A man watches the Facebook video of Syrian businessman Rami Makhlouf on his mobile in Syria's capital Damascus, on May 11, 2020…
سوء التقدير الروسي في زعزعة موقع الأسد والتراجع عنه فجأة، أظهر تخبط موسكو في كيفية التعامل مع أزمة رامي مخلوف وابن عمته

ثمانية أيام تفصل سوريا عن دخول قانون العقوبات الأميركي "قيصر" حيّز التطبيق. العملة السورية في انخفاض متسمر أمام الدولار، حيث وصلت إلى سعر قياسي لم تصله في ذروة الصراع والحرب على ثورة الشعب السوري. ثمانية أيام والرئة اللبنانية المتوقعة لدعم صمود النظام أمام القيصر الأميركي، تعاني من مخاطر انهيار شامل وعقوبات دولية قد تؤثر على استقرار البلدين أو النظامين.

تداعيات القيصر الأميركي على ما تصفه موسكو إنجازات القيصر الروسي منذ 15 يوليو 2015 إلى الآن باتت تهدد بعودة الاحتدام الإقليمي والدولي حول سوريا، خصوصا بعدما فشلت العروض الروسية باستدراج تسوية على رأس النظام، حيث لم يتعد الانشغال الروسي بمستقبل الأسد اهتمام بعض مراكز الدراسات والصحف العالمية المهتمة بالشأن السوري دون اهتمام واضح من صناع القرار في البيت الابيض أو في بعض العواصم العالمية المؤثرة في الأزمة السورية.

تغامر إيران بمدخرات شعبها، وتتهم باقتطاع جزء من أموال العراق وتعرض لبنان لمخاطر أزمة معيشية تهدد سكانه بالمجاعة، من أجل الحفاظ على سلامة النظام

على ما يبدو أن إخفاق الروس في مشروع المبادلة أو التسوية على رأس النظام أو على شكل النظام، دفع الكرملين إلى إعادة خلط الأوراق من جديد والاستعداد إلى ما هو أصعب، نتيجة عوامل سورية داخلية كشفت سطحية القراءة الروسية لتركيبة النظام السياسية الاجتماعية والدينية، وفشل الروس، الذين ركزوا على بناء قوة عسكرية موالية في استيعاب هذه التناقضات واستثمارها.

إذ على الرغم من إشارات الامتعاض العديدة التي خرجت من البيت العلوي بسبب محاولات طهران الدخول إلى النسيج الاجتماعي والديني للعلويين، ودفاعهم عن تقاليدهم بوجه هجمة الاستبصار التي قادتها مؤسسات عقائدية إيرانية في المدن والقرى العلوية، فشلت موسكو في استغلال فرصة تعزيز حضورها غير العسكري والأمني داخل بيئة النظام الطائفية تحت ذريعة الحفاظ على خصوصيات المكونات الدينية والعرقية السورية.

سوء التقدير الروسي في زعزعة موقع الأسد والتراجع عنه فجأة، أظهر تخبط موسكو في كيفية التعامل مع أزمة رامي مخلوف وابن عمته، وهي أزمة ستترك أثرها على ما يمكن تسميته بتماسك الجبهة الداخلية. فهذا الخلاف هو أول تناقض حاد يخرج إلى العلن، ليس فقط داخل الطائفة العلوية بل داخل العائلة الحاكمة، الأمر الذي قد يمهد مستقبلا إلى صراع علوي ـ علوي على السلطة والنفوذ خصوصا المالي والاقتصادي في ظل ظروف صعبة تمر بها دولة النظام، نتيجة تأخر التسوية المرتبطة بإعادة الإعمار، وشح المساعدات الإيرانية والروسية و"العراقية"، وما بينهما جائحة كورنا وعقوبات قيصر.

المحور المتمسك بالأسد حقق نقاطا استراتيجية، لكن صدمة هذا الطرف بالطرف الآخر الذي لم يعد يجد بالأسد قيمة ليفاوض عليه

هذا ما كتبه الخبيران الروسيان أنطون مارداسوف وكيريل سيمينوف في مقال بعنوان "روسيا من دون الأسد" نشر في 15 مايو في موقع "Riddle"، استعرضا فيه السجال الذي أثاره رامي مخلوف إضافة إلى الهجمات الإعلامية التي نفذها طباخ الكرملين ضد الأسد، التي اعتبراها مجرد تناقض مصالح بين يفغيني بريغوجين والنظام السوري، حسب ما نقله الخبير في الشؤون الروسية الدكتور بسام المقداد. لكن الملفت في المقال المشترك اعترافهما بأن "روسيا، وخلال السنوات التي انقضت على انخراطها في العملية العسكرية، قد عجزت عن مأسسة وجودها في سوريا، إذ عجزت عن إيجاد قوى مخلصة لها كليا ولوبي سياسي مؤثر يمكن لموسكو أن تستند إليه، وهي تدفع دمشق نحو هذه الخطوات أو تلك".

وفي الوقت الذي تغامر إيران بمدخرات شعبها، وتتهم باقتطاع جزء من أموال العراق وتعرض لبنان لمخاطر أزمة معيشية تهدد سكانه لأول مرة منذ الحرب العالمية الأولى بالمجاعة، من أجل الحفاظ على سلامة النظام واستقرار منظومته الرئاسية، ترتكب موسكو خطيئة قد تدفع بيئة النظام الطائفية إلى مراجعة حساباتها، حيث من الصعب بالنسبة لها الفصل ما بين "الدولة" النظام وأسرة الأسد، وذلك ضمن اعتبارات تاريخية، أرسى دعائمها الأب المؤسس للنظام الذي قام مبكرا بإقصاء الوجوه العلوية المنافسة وقضى على كافة مراكز القوة العلوية داخل مؤسسات الدولة وحصر ولاءها في عائلة الأسد، ما أدى إلى نشوء علاقة زبائنية ومصالح مكّنت آل الأسد من وضع اليد على الطائفة والدولة.

من الممكن القول إن المحور المتمسك بالأسد قد حقق نقاطا استراتيجية مقابل الأطراف التي حاولت المساومة، لكن صدمة هذا الطرف ليس قوة الأسد أو إمكانية الأطراف المتمسكة ببقائه بل بالطرف الآخر الذي لم يعد يجد بالأسد قيمة ليفاوض عليه.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.