Damages are seen inside an apartment in a residential area after shelling during a military conflict in self-proclaimed…
دمار في أحد المنازل في إقليم إقليم ناغورنو قره باغ

بعد عشرة أيام من شن أذربيجان لحرب ضارية على جارتها أرمينيا، وبالرغم من اختلال توازن القوة العسكرية بين الطرفين لصالح أذربيجان، بفعل الدعم العسكري التركي المفتوح ونوعية الأسلحة الحديثة التي حصلت عليها أذربيجان طوال السنوات الماضية، بفضل البحبوحة المالية المتأتية من تنامي عائدات أذربيجان النفطية، فإن روسيا لم تتخذ أي موقف سياسي أو عسكري "واجب عليها"، كحليفة إقليمية ودولية لدولة أرمينيا، خلا دعوتها ورغبتها باستضافة محادثات ثنائية بين الطرفين. أي أنها بذلت جُهدا يُمكن أن تحققه أية منظمة مجتمع مدني اسكندنافية!

ثمة ما هو "واجب" على روسيا، وليس على غيرها من القوى الدولية والإقليمية الفاعلة، لوجود ثلاثة عوامل تتحمل روسيا بسببها المسؤولية السياسية والأخلاقية لأية "هزيمة" أرمينية، فيما لو حدثت، وبالتالي اختلال توازن القوى في تلك المنطقة.

إذ كانت روسيا تاريخيا صاحبة النفوذ السياسي والعسكري الأكثر حضورا في تلك المنطقة، وبسبب تلك السطوة، منعت روسيا غيرها من القوى الدولية، بالذات الولايات المتحدة وقوى الاتحاد الأوروبي، من أن يكون لها نفوذا وحضورا عسكريا في منطقة جنوب القوقاز. وبنفس المستوى منعت الدول الإقليمي في تلك المنطقة من التوصل إلى توافقات سياسية وعسكرية مستقرة وبعيدة المدى، حينما اعتبرت أن نفوذها وسطوتها هي ضمانة للجميع، وأولا ضمانة للتوازن المفترض بين المتصارعين.

يكمن الخلل بأن روسيا لا تتحمل راهنا أية مسؤوليات أخلاقية وسياسية مفترضة ومتأتية من تلك السطوة، وعلى رأسها واجب حفظ السلام الإقليمي، والتوازن بين القوى الإقليمية التي في مناطق نفوذها، بالذات أشكال الخلل التي قد تؤدي لممارسة سياسات التغيير الجغرافي والديموغرافي، مثلما هو متوقع من الحرب التي تشنها أذربيجان راهنا على أرمينيا. فروسيا تريد أن تتمتع بكل ميزات القوة الكبرى في تلك المنطقة، لكن دون أن تقوم بأي من واجبتها، وهي واجبات منصوص عليها حتى في شرعة الأمم المتحدة.

الأمر الآخر متأتي من شكل "توازن الرعب" بين روسيا وتركيا في تلك المنطقة، هذا المنطق الذي عشمت به روسيا أرمينيا تقليديا، وقبلت أرمينيا بموجبه أن تكون جزءا من مساحة النفوذ الروسي في تلك المنطقة، عسكريا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا. فذلك التوازن الذي ادعته روسيا لم يكن لصالح أرمينيا فحسب، بل كان بمعنى ما كان مصلحة روسية أيضا. فأرمينيا كانت على الدوام منطقة أمان وثقة بالنسبة لروسيا، حيث لم تتخذ أية توجهات أو تحالفات قد تُقلق الحدود الجغرافية أو السياسية الروسية. تخلُ روسيا راهنا بذلك التوازن، وتترك المنطقة لنفوذ تركيا الإقليمي، دون سابق إنذار قط.

روسيا تريد أن تتمتع بكل ميزات القوة الكبرى في تلك المنطقة، لكن دون أن تقوم بأي من واجبتها

الأهم من هذين الأمرين متأت من الجذر والإرث التاريخي للقضية/الصراع الأذربيجانية الأرمينية، التي كانت روسيا هي المتسبب الرئيس بها. فهذه الحرب الأخيرة هي من سُلالة الحروب الأذربيجانية الأرمنية، منذ قرن وحتى الآن، والتي نشبت بسبب سياسات روسيا السوفياتية في عشرينيات القرن الماضي، حينما ضمت الأقاليم ذات الأغلبية السكانية الأرمنية المطلقة إلى دولة أذربيجان، مثل إقليم ناغورنو قره باغ / آرتساخ الذي يتصارع عليه الطرفان راهنا.

هذه الأفعال الروسية/السوفياتية، التي جرت الكثير من الحروب طوال العقود الماضية، لم تتحمل روسيا جرائها أية مسؤولية أخلاقية أو سياسية، بل على العكس تماما، اعتبرتها مناسبة لتمتين أواصر نفوذها داخل البلدان والكيانات المتصارعة على حدودها، لأن تلك الحروب كانت تزيد الدول الصُغرى هشاشة، وبالتالي تبعية لروسيا.

♦♦♦

في حرب اليوم، لا تعتد روسيا بكل ذلك، تقف متفرجة على تراجع أرمينيا، فحسابات روسيا السياسية والاستراتيجية، أو بقول أكثر دقة حسابات النُخبة الحاكمة المُحيطة بالرئيس فلاديمير بوتين، لها خيارات تتجاوز، ولا تعتد، بشبكة القيم والقواعد السياسية تلك.

فروسيا ترى بأن طيف التوافق والمهادنة الذي جمعها مع تركيا بقيادة رجب طيب إردوغان، أمّن لها فضاء رحبا من الهيمنة على مناطق مختلفة من العالم، وهو أمر يدفع تركيا لأن تكون أقرب لروسيا، وأقل التصاقا بالغرب، بل ويتسبب بالقلاقل للقوى الغربية المناوئة لروسيا، ومن جهة أخرى يؤمن للنخبة الروسية الحاكمة علاقات شراكة غير نزيهة مع نظام سياسي كالذي في تركيا الراهنة.

ثمة ما هو "واجب" على روسيا، وليس على غيرها من القوى الدولية والإقليمية الفاعلة، لوجود ثلاثة عوامل تتحمل روسيا بسببها المسؤولية السياسية والأخلاقية لأية "هزيمة" أرمينية، فيما لو حدثت

تركيا هذه أهم بالنسبة لروسيا من أية روابط وجدانية وتاريخية تجمعها مع أرمينيا، وأكثر استجابة لحساسيات ومصالح نُخب الحكم الروسية الفاسدة، الخالية من أية قيمة أيديولوجية أو وعي تاريخي بحساسيات المنطقة.

كذلك فإن روسيا ترى في أذربيجان كيانا سياسيا ونظاما حاكما مناسبا، فهو بلد نفطي تقوده طغمة حاكمة وراثية شمولية، غارقة في الفساد والنهب العام، وتملك عطشا لا نهائيا لشراء الأسلحة وترسيخ الشمولية، وليس من مثل ذلك ما يناسب روسيا تماما، في كل تفصيل واستطالة منه.

على العكس تماما، فإن روسيا ترى تحولات مزعجة لها في داخل أرمينيا، حركات شبابية ونزعات لليبرالية السياسية وتظاهرات مدنية، تطلب بمزيد من الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وفصل للسلطات ومحاربة الفساد، أي تماما المزيد من البُعد عن الفضاء السياسي والرمزي الروسي، واللحمة مع الغرب وعوالمه وقيمه وخطاباته، وعلى حدود روسيا، وهو مصدر قلق غير قليل بالنسبة لها.

♦♦♦

قبل أكثر من قرن من الآن، كان تفتت الإمبراطورية العثمانية يعني أولا ميول القوميات العثمانية غير التركية لاستحصال حقها في تقرير مصيرها. خاضت روسيا الحرب ضد الدولة العثمانية، ومثلما عشمت مسيحي البلقان بالاستقلال عن الفضاء العثماني في حروب عام 1912، وهو ما حصل بغالبه، وحصل اليونان والبلغار والصرب على استقلالهم من الإمبراطورية العثمانية، فإنها فعلت ذلك مع أرمن شرق الإمبراطورية العثمانية مع بدء الحرب الكونية عام 1914.

كان اندراج الأرمن في الحلف الروسي بناء على ذلك الوعد الإمبراطوري الروسي، وتحقيقا لمصالح متبادلة بين الطرفين. لأجل ذلك، دفع الأرمن أثمانا فادحة لا توصف، بسبب توقف روسيا عن الهجوم بعد الفوز الماحق في معركة "ساري قاميش" في أوائل العام 1915، حيث حمل العثمانيون مواطنيهم الأرمن أسباب تلك الهزيمة، وبطشوا بهم في إبادة جماعية مريعة طوال ذلك العام، راح ضحيتها ثلثا شعب كامل.

لم تمضِ ثلاثة سنوات على ذلك التاريخ، حتى وأعلن ما تبقى من الأرمن قيام جمهوريتهم الأولى عام 1918، على أراض أقل مما كان يشغلها أرمن الإمبراطورية العثمانية من قبل. لكن لم تمضِ سنتان على إعلان تلك الدولة، حتى بدأت قوات مصطفى كمال أتاتورك هجوما كاسحا على تلك الدولة في خريف العام 1920، مستفيدا من التحالف السياسي الذي جمع الأتاتوركيين بروسيا السوفياتية. وعوضا عن تدخل السوفيات لصالح أرمينيا وإعادة التوازن بين الطرفين، فإنهم احتلوا كامل أرمينيا الشرقية (أرمينيا الحالية) وضموها إلى مناطق النفوذ الروسية، ومنحوا تركيا وقائدها أتاتورك ما احتلوه من أراض أرمينيا، وكانت تقدر بضعف مساحة أرمينيا الراهنة. فالمهم بالنسبة للسوفيات وقتئذ كان العشم بتحول أتاتورك إلى زعيم بلشفي محارب لبريطانيا وفرنسا. فوق ذلك، ضم السوفيات أقاليم أرمنية وكردية تماما، سكانيا وتاريخيا، إلى دويلة أذربيجان.

إنها مرارة التاريخ وفروض الجُغرافيا.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.