A handout picture provided by the Lebanese photo agency Dalati and Nohra on May 21, 2020 shows Lebanon's Prime Minister Hassan…
رئيس الحكومة حسان دياب لم يلفظ، منذ تكليفه حتى اليوم، في ادعائه تقييم مشاكل لبنان البنيوية، ولو لمرة واحدة، كلمة "حزب الله"

ثمة كذبة كبيرة في لبنان، وهي تنسحب على سوريا والعراق واليمن، اسمها إنقاذ الدولة.

فعل "أنقذ" لا يمكن أن يكون حقيقة، إذا غاب "المفعول به"، أي الدولة.

فأين هي هذه الدولة المطلوب إنقاذها؟

دلّونا عليها، قبل زعم إنقاذها، فنحن لا نرى إلا أنقاضا، ركاما، فوضى، عصابات، ديوكا تصيح على المزابل، و"فتوّة" يسود على "حارتنا" وينشر "صبيانه" في الرئاسات والسلطات والوزارات والمؤسسات والإدارات والحدود وخارجها، ويعيث في أرض لبنان فسادا وظلما وقهرا وفقرا وجوعا ومرضا وتلوّثا وجهلا واستعبادا.

إن الدولة ليست مفهوما تخيّليا ترسمه ريشة تجريدية، بل هي كيان قانوني، واضح المعالم، وملتزم بشروطه التعريفية. إنها وظيفة، لها معايير ثابتة.

الدولة هي دستور ملزِم، وسلطات تلتزم إحداها حدود الأخرى، ومؤسسات تحتكر العنف تحت رقابة القانون، وترسم سياسات خارجية ودفاعية ومالية موحدة، ويتساوى شعبها، بالحقوق والواجبات، كما بالضعف والقوة.

نصرالله، وفي ظل الجوع والفقر والفوضى واليأس والكوارث والدماء، يتباهى بقوة "محور المقاومة"

هذه هي بالمبدأ الدولة المفترض أن يكون العمل جاريا على إنقاذها، فماذا بقي منها إلا ظلالا وتخيّلات وسرابا وأوهاما؟

إن شعار "إنقاذ الدولة" ليس شعارا حديثا في لبنان، بل هو أقدم من أغنية الراحل زكي ناصيف، "راجع يتعمّر لبنان"، التي كان اللبنانيون، على عقود، وحتى ضربهم "كوفيد-19"، يدبكون عليها، في تعبير عن الأمل بالغد الذي لم يأتِ.

الواعدون بكذبة الإنقاذ ليسوا مخدوعين بل يخدعون. شغفهم بالسلطة والمناصب والمكاسب والأضواء، يجعلهم يستسهلون هذا الفعل.

التدقيق في أدبياتهم يظهر ذلك.

الدكتور داهش

رئيس الحكومة حسان دياب الذي لم يلفظ، منذ تكليفه حتى اليوم، في ادعائه تقييم مشاكل لبنان البنيوية، ولو لمرة واحدة، كلمة "حزب الله"، لا يخجل أن يعلن، في ظل انهيار تاريخي للبلاد وإفقار غير مسبوق للشعب وسرقة وقحة لودائع الناس واستشرافه بأن يكون نصف الشعب جائعا مع حلول نهاية هذا العالم، أن العالم يراقب بدهشة إنجازات حكومته.

ما مفهوم هذا الداخل إلى المنصب الدستوري من "الغرف السوداء"، للإنجاز وللعالم؟

لا نطلب توضيحا، فمن يستسهل الخداع لا تعصى عليه كذبة جديدة تتوسّل أسوأ أنواع الأدب.

إن خلفية كلام دياب الذي يصح عليه لقب" الدكتور داهش"، واضحة، ويمكن العثور عليها، عند الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، أي الرقم واحد في الحزب المسيطر على لبنان والمتحكم به.

نصرالله، وفي ظل الجوع والفقر والفوضى واليأس والكوارث والدماء، يتباهى بقوة "محور المقاومة"، وهو يقصد بذلك تلك البقع الجغرافية التي استباحتها، في إطار عمليات قمع الشعوب، أذرع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

بطبيعة الحال، غالبية المؤشرات تظهر ضعف هذا "المحور"، لكنّ مفهوم القوة عند نصرالله لا يعني، بالمحصلة، أكثر من امتلاك أدوات التخريب والترهيب.

قد يكون "استعجال" باسيل ناجم عن وضعية ضعف صحي يضاف إلى الضعف السياسي، عند العماد عون الطاعن بالسن

في خلفيته السياسية والعقائدية، لا وجود للدولة الوطنية النهائية. خراب هذه الدولة لا يعنيه جوهريا، لأنها، بالنتيجة، مجرد ساحة معركة في حرب مفتوحة لا تنتهي إلا وفق ما يرتئيه "الولي الفقيه".

ومن لا وجود للدولة في خلفيته، لا يمكنه أن يعير اهتماما حقيقيا للمواطنين. الشعب بالنسبة إليه مجرد جيش في الحرب المفتوحة، وما الموت سوى تحرر من "أرض البلاء".

في ظل هذه العقلية الحاكمة اللاغية للدولة، كمفهوم ونظرية وكيان، يزعم "الدكتور داهش"، إنجاز خطوات "مدهشة" في مسار إنقاذ الدولة.

عون الضعيف و"صهره" المستعجل

ولأن المسألة كذلك، فإن من رفعهم "حزب الله" إلى السلطة، بصفتهم أقوياء، أصبحوا ضعفاء، كما هي عليه حال رئيس الجمهورية ميشال عون.

ومن يدقق بالنهج السياسي لحزب عون الذي يقوده صهره جبران باسيل، يدرك أنه يربط حاضره ومستقبله بما يمكن أن يهبه إياه "حزب الله" أو يحرمه منه.

والاشتباك الأخير الذي افتعله "حزب عون" مع "حزب الله" لا يخرج عن هذا السياق، فجبران باسيل يريد الخروج من مأزق مثلث الأضلاع:

1 ـ المنافسة على رئاسة الجمهورية مع سليمان فرنجية، أحد الموالين التاريخيين لـ "حزب الله".

2 ـ التلويح المستمر بإدراجه على قائمة العقوبات الأميركية الذي سهّل خروجه من الحكومة إمكانية حصوله، وفق اعتقاد السفير جيفري فيلتمان.

3 ـ انتخابه" أكثر الشخصيات السياسية اللبنانية "المكروهة" شعبيا.

ويطمح جبران باسيل، بالمعطيات الراهنة، من الاشتباك المتجدد مع "حزب الله" إلى تحقيق "الحد الأدنى" من ثلاثة مخارج متداخلة، يتصوّرها:

1 ـ إعادة إحياء الصفقة بين حزبه من جهة وبين "حزب الله" من جهة أخرى. صفقة تقوم على المعادلة الآتية: أعطونا السلطة، نترك لكم لبنان.

من يدقق بالنهج السياسي لحزب عون الذي يقوده صهره جبران باسيل، يدرك أنه يربط حاضره ومستقبله بما يمكن أن يهبه إياه "حزب الله" أو يحرمه منه

2 ـ إيصال رسالة إلى واشنطن بأنه "قابل للاسترداد" وبالتالي، فالحكمة تقتضي جذبه ترغيبا وليس معاقبته ترهيبا.

3 ـ تعويم نفسه في الشارع، على أساس أنه يمكن أن يكون يوما قائدا في معركة تحرير لبنان من قبضة "حزب الله" التفقيرية والتجويعية والتهريبية.

وقد يكون "استعجال" باسيل ناجم عن وضعية ضعف صحي يضاف إلى الضعف السياسي، عند العماد عون الطاعن بالسن، بدليل دخول "العديل" شامل روكز، بقوة، على خط حفظ "حقوقه" في عملية "حصر الإرث" السياسي.

ومهما كان عليه الأمر، فإن ما يحصل يؤكد أن "حزب الله" استبدل، بذاته، الدولة والشعب.

نبيه بري... الناصح

ومن يدقق بكلمات رئيس مجلس النواب نبيه برّي، وكان آخرها اليوم، يجد أنها، في بعدها الحقيقي، هي نصائح، من موقع "لا حول لي ولا قوة"، إلى "حزب الله".

وفي هذا الإطار، ومن دون أن يسمّي الحزب قال له، في "عيد المقاومة والتحرير": "النصر العظيم الذي تحقّق يمكن أن تذهب به لقمة العيش، وإمبراطورية كالاتحاد السوفياتي، أتى بها رغيف وذهب بها رغيف".

وكانت "حركة أمل" التي يترأسها بري قد خاضت، في الثمانينيات من القرن الماضي، حربا شرسة ضد "حزب الله"، انتهت بفرض الحزب شروطه على "الحركة"، ممّا أنشأ في لبنان ما يسمّى بـ"الثنائي الشيعي".

ولكن "حزب الله"، طالما أهمل نصائح برّي، وكان أبرزها رفض محاولات برّي إقناع الحزب بالتراجع عن مخطط إيصال العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية.

وبحسب العارفين، فإن منطلقات بري السياسية مختلفة عن منطلقات "حزب الله"، ولعل ذلك يترجمه عدم اعتقاد "حركة أمل" بـ"ولاية الفقيه"، بمعنى أن "الحركة" تعتنق الفكرة الوطنية، في حين أن "حزب الله" يعتنق فكرة "الأمة الإسلامية التي يحكمها الولي الفقيه الملزم قراره".

وما يصح على عون وبري ودياب، يصح على كثيرين غيرهم، ممّن يقفون في صفوف طويلة للحصول على مكسب سلطوي، في دولة حوّلها "حزب الله" إلى ركام... متناثر.

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة