People attend a vigil in memory of the twin mosque massacre victims in Christchurch on March 24, 2019. - New Zealand will hold…
تجمع تضامني مع ضحايا الهجوم على المسجدين في نيوزيلاندا

انتشر على بعض مواقع التواصل فيديو لكنيسة في ألمانيا، يصلي فيها المسلمون صلاة الجمعة خلال العشر الأواخر من رمضان.

مبادرة رائعة جدا على المستوى الإنساني. مبادرة تترجم إمكانية التعايش الجميل بين الأديان، كما تترجم انفتاح القائمين على تلك الكنيسة على الثقافات والديانات الأخرى.

كل هذا جميل جدا.

لكن، هل لنا أن نتخيل إمكانيات فتح مساجدنا للمسيحيين أو اليهود ليؤدوا فيها صلواتهم حين يتعذر عليهم ذلك في أماكن عباداتهم، لسبب ما؟

الجواب على هذا السؤال يترجم فعليا مدى قدرتنا على التعايش مع الآخر المختلف (أفضل شخصيا الحديث عن "التعايش" بدل "التسامح"، لأن الأخير يعني أن الشخص المتسامح هو ضمنيا أعلى مرتبة، لكنه "يتنازل"، أو على الأقل يبذل مجهودا لكي يقبل بالآخر و"يتسامح معه"، وكأننا بالمتسامح يقول ضمنيا: "أنا أفضل منك لأني أبيض، لكني سأتسامح معك وسأقبلك رغم أنك أسود". أو: "أنا أفضل منك لأني أوروبي، لكني شهم ومتسامح مع الأفارقة"، إلى غير ذلك من الأمثلة).

هل نحن قادرون على الإتيان بنفس الفعل في الرباط أو القاهرة أو الرياض، تضامنا مع ضحايا مسيحيين أو يهود أو لادينيين للإرهاب؟

بعد الأحداث الإرهابية التي عرفها مسجدان في نيوزيلاندا، تابعنا جميعا، بإعجاب وتقدير، تفاعل السياسيين والمواطنين هناك مع الأفعال الإرهابية، من إدانة وتنديد وتعاطف مع الضحايا؛ كما تم تنظيم تجمعات هائلة خلال صلاة الجمعة الموالية، شكل خلالها المواطنون غير المسلمين حزاما أمنيا لحماية مواطنيهم المسلمين خلال الصلاة.

هل نحن قادرون على الإتيان بنفس الفعل في الرباط أو القاهرة أو الرياض، تضامنا مع ضحايا مسيحيين أو يهود أو لادينيين للإرهاب؟ هل نحن قادرون على التعايش بسلام، بل وحماية الآخر المختلف من الخطر المحتمل من بعض مكونات مجموعتنا؟ هل نحن قادرون على استقبال أصحاب ديانات أخرى في أماكن تعبدنا؟ 

الجواب واضح، خاصة حين نرى تعامل المسلمين فيما بينهم حين تختلف الطوائف داخل البلد الواحد والدين الواحد، فما بالك بالقادم من مرجعية دينية أخرى!

علينا يوما ما أن نعي أن التعايش هو لغة مشتركة. لا يمكن أن نحتفي بها حين تكون في صالحنا... ونعتبرها "فسادا" أو "حربا ضد الإسلام" أو "انحرافا" حين تكون في صالح الآخر

لنتأمل أيضا حجم الفاعلين في عدد من البلدان والذين تتم محاكمتهم بتهمة "ازدراء الأديان" في مصر أو "زعزعة عقيدة مسلم" في المغرب أو بتهم مشابهة هناك وهناك... ألا نلاحظ أن هذه التهم تترجم بصيغة دين واحد؟ هل سمعنا يوما عن مصري مسلم سخر من الأقباط أو من اليهود وتمت محاكمته بتهمة ازدراء الأديان؟ هل حاكمنا في المغرب يوما، شخصا مسلما دعا يهوديا للإسلام أو حول سائحة أجنبية للإسلام، بتهمة "زعزعة عقيدة مسيحي\ة أو يهودي\ة"؟ 

نحن، طبعا، نفتخر ونحتفي بتحول الآخرين لديننا، رغم أن هذا في الحقيقة ليس مكسبا للدين، بما أنه مجرد اختيار فردي لشخص اقتنع بدين معين وقرر اعتناقه؛ تماما كما لا يفترض أن يعتبر خروج شخص من الإسلام أو من غيره شهادة ضعف ضد هذا الدين لأنه، مرة أخرى، مجرد اختيار فردي لشخص معين. لكننا، في المقابل، نرفض بتاتا العكس. أم أن العقيدة الإسلامية وحدها هشة تخاف الزعزعة وتخاف الازدراء؟

باختصار، علينا يوما ما أن نعي أن التعايش هو لغة مشتركة. لا يمكن أن نحتفي بها حين تكون في صالحنا... ونعتبرها "فسادا" أو "حربا ضد الإسلام" أو "انحرافا" حين تكون في صالح الآخر، وحين يكون علينا أن نتحلى بها لنثبت إنسانيتنا!

صلاة خلال مظاهرة سودانية مؤيدة للرئيس المصري الأسبق محمد مرسي - أرشيف
صلاة خلال مظاهرة سودانية مؤيدة للرئيس المصري الأسبق محمد مرسي - أرشيف

قلت في الجزء الأول من هذا المقال أن جماعة الإخوان المسلمين شيدت نظاما استبداديا فاسدا طوال الثلاثين عاماً التي حكمت فيها السودان وجاء السقوط المدوي لذلك النظام بثورة شعبية عارمة اندلعت في ديسمبر 2018، ومع ذلك فقد ظلت الجماعة تسعى بالظفر والناب للعودة للسلطة دون أن تدفع أية استحقاقات لتلك العودة سوى تشكيل واجهة جديدة تحت مسمى "التيار الإسلامي العريض". 

قال القيادي الإخواني حسن رزق في المؤتمر الصحفي لتدشين الواجهة الجديدة للجماعة : ( الوحدة بين الجماعات الإسلامية تنطلق من مرتكز التأكيد على فهم الإسلام بشموله على أساس الكتاب وصحيح السنة، وما هو مجمع ومتفق عليه)، ومن جانبه قال القيادي محمد على الجزولي، إن هدف التيار العريض هو ( تنزيل قيم الدين على جميع أوجه الحياة في شؤون المعاش والمعاد في شمول وتكامل وفق فهم عميق لمقاصد الدين). 

إن فكرة "الشمول" التي أشار إليها رزق والجزولي تمثل العمود الفقري الذي قامت عليه جماعة الإخوان باعتبار أن الإسلام دين يحكم كل مناحي الحياة وهو الأمر الذي يتطلب في نظرهم ضرورة تطبيق الشريعة وأسلمة الدولة وعودة الخلافة، ذلك أن تلك الشمولية تعنى بالنسبة لهم استحالة فصل الدين عن الدولة كما حدث في الديانة المسيحية.    

وقد شرح الدكتور يوسف القرضاوي فكرة الشمول هذه في كتابه "التربية السياسية عند الإمام حسن البنا" بالقول إنها تعني: (أن الاسلام يشمل الحياة كلها بتوجيهه وتشريعه: رأسيا منذ يولد الإنسان حتى يتوفاه الله. بل من قبل أن يولد وبعد أن يموت حيث هناك أحكام شرعية تتعلق بالجنين وأحكام تتعلق بالإنسان بعد موته. وأفقيا، حيث يوجه الإسلام المسلم في حياته الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية من أدب الاستنجاء إلى إمامة الحكم وعلاقات السلم والحرب). 

ولكن على العكس التام مما يدعيه هؤلاء فإن شمولية الدين واستمرار فاعليته تكمن في عموميته وتساميه عن الوقائع المتجددة وعدم تدخله في تفاصيل الحياة المتغيرة، فهو يطرح الإجابات على الأسئلة الوجودية الأساسية حول الحياة والموت، خلق الكون ومسيره ومآله الأخير، مصير الإنسان والقيم التي يجب أن تحكم حياته. 

إن اكتفاء الدين بطرح المبادئ والتصورات والقيم الكبرى وامتناعه عن الاستغراق في الشؤون التفصيلية المرتبطة بكيفية إنزالها على واقع الناس في الحياة هو الذي يؤكد على شموليته، وهذا هو الأمر الذي يثبته النص الديني (القرآن) والتجربة التاريخية الإسلامية. 

في مسألة السياسة والحكم، يؤكد القرآن على قيم عامة أساسية مثل الحرية والعدل والشورى، ولكنه يصمت عن كيفية تطبيقها في الواقع الحياتي المتغير، ولا يضع تفصيلات محددة يجب إتباعها في جميع الأحوال والأوقات، وكذلك فعل الرسول الكريم في واقع الممارسة التاريخية، فهو لم يترك لأصحابه دليلا تفصيليا لكيفية تسيير شؤون المسلمين بعد رحيله، وكذلك امتنع عن اختيار من يخلفه في إدارة أمرهم. 

إن عدم وجود نظرية سياسية في الإسلام يؤكد ما ذهبنا إليه من أن شمولية الدين تعني اكتفاءه بوضع القيم والمبادئ العامة التي يجب أن تلتزم بها السلطة السياسية في المجتمع دون الخوض في تفاصيل الأشكال والآليات التي تتخذها السلطة في إنزال تلك المبادئ إلى الواقع التطبيقي. 

وقد أثبتت تجربة حكم الجماعة في السودان طوال ثلاثين عام أن الشمولية التي تتحدث عنها ليست سوى وهم يعشعش في العقول، حيث اتضح أن الجماعة لم تكن تملك أية رؤية لطبيعة الدولة مما أدى إلى تحول السلطة التي بين يديها إلى استبداد سياسي مطلق يوظف الدولة لقمع الخصوم، كما اشتكى زعيم الجماعة الراحل الدكتور حسن الترابي من بؤس الفقه السياسي التاريخي للمسلمين وافتقاره للمبادئ التي توضح كيفية الحكم وتداول السلطة بطرق سلمية بعيدا عن أسلوبي الغلبة والوراثة.  

إن شمولية الدين الحقيقية ليست سياسية بل هى تلك التي تسعى للإجابة على أسئلة الوجود وتنشد القيم الكبرى "الحرية، العدل، الخ" ولعل من أبلغ العبارات الدالة عليها هي تلك المنسوبة للفقيه ابن القيم: "أينما يكون العدل فثم شرع الله". هذه المقولة تبين أن أحد المقاصد الكلية للدين هو تحقيق العدل وبالتالي فإنه ليس مهما نوع النظام السياسي (الوسيلة) الذي يتم عن طريقه الوصول لتلك الغاية، بل إن تنزيلها إلى أرض الواقع والممارسة وحده كفيل بإعطائها الصفة الإسلامية. 

وفي ذات المؤتمر الصحفي قال القيادي الإخواني أمين حسن عمر إن الهدف من إعلان قيام التيار الإسلامي العريض هو: ( تنسيق المواقف بين التيارات الإسلامية نحو الهدف الأول، وهو نهضة البلد بالدين) ! 

ظل الإخوان طوال ثلاثين عاما من حكمهم للسودان يرددون عبارة "نهضة البلد بالدين"، ومع ذلك فشلوا في تعريف كنهها، ففي المجال السياسي قاموا باستنساخ تجربة  "اللجان الشعبية" من نظام العقيد القذافي وعندما فشلت التجربة ابتدعوا نظاما أطلقوا عليه اسم "التوالي السياسي" وعندما فشل الأخير ركنوا إلى نظام الحزب الواحد الذي أسلم أمره في خاتمة المطاف لديكتاتور فرد يحكم بواسطة دائرة من اللصوص ! 

أما في الجانب الاجتماعي فقد رفعوا شعار "إعادة صياغة الإنسان السوداني" الذي ركز على خلق شخصية دينية تهتم بالمظهر والرسوم والأشكال ولا تلتفت لجوهر الدين، مما أدى إلى إطالة اللحى واصطناع زبيبة الصلاة والتسابق على بناء المساجد من قبل آكلي أموال السحت، فانتشر الفساد بصورة غير مسبوقة في تاريخ البلاد وباعتراف قادة الجماعة. 

وعلى صعيد الحريات، أفرز حكم الجماعة أسوأ نموذج لانتهاك حقوق الإنسان حيث تم إطلاق أيادي أجهزة الأمن والمليشيات كوسيلة أولى وأساسية لإحكام السيطرة على الدولة، فتم تعذيب وقتل المعارضين السياسيين في المعتقلات القبيحة المعروفة بإسم "بيوت الاشباح"، وارتكبت المجازر التي راح ضحيتها عشرات بل مئات الآلاف من المواطنين الأبرياء والعزل في مناطق النزاعات. 

قد انتهت عبارة "نهضة البلد بالدين" إلى مجرد شعار خالي من المحتوي، شأنه شأن جميع شعارات الجماعة، وبعد أن أفاق قادتها من صدمة الثورة العارمة التي أدت لسقوط نظامهم، لم يقم بينهم شخص أو فئة عاقلة تدعوهم لتقييم الفشل المدوي للشعارات وتطالبهم بالابتعاد عن إعادة  تدويرها دون إجراء المراجعات اللازمة، بل عمدوا لتجميع صفوفهم مدفوعين بشهوة الرجوع للسلطة مرة أخرى، فتأمل !     

إذا أرادت الجماعة أن تجد لها مكانا في الساحة السودانية فلن يكفيها تغيير واجهاتها مع الاحتفاظ بنفس المباديء والأفكار، إذ يتوجب عليها أن تبتعد عن إستخدام الدين كأيدولوجيا للوصول للسلطة فضلا عن ضرورة ابتداع برامج مفصلة لكيفية إيجاد الحلول العملية للمشاكل بدلا عن رفع الشعارات الفضفاضة .