الشيماء ي/تروي قصة معاناته/ا بين ثلاثة دول
"الشيماء" وهي/هو إنسان أردني أراد أن يعيش حياته/حياتها بحرية وكيف ما أرادها

تابعت بتأثر شديد القصة التي عرضتها قناة الحرة عن "الشيماء" وهي/هو إنسان أردني أراد أن يعيش حياته/حياتها بحرية وكيف ما أرادها. لكنهم عاملوه/ها مثل المريض الذي تتوجب معالجته أو المنبوذ الذي يتعين تخليص المجتمع من شره.

انعدام التحضر

ومع أنها ليست حالة فريدة في مجتمعاتنا العربية، فهناك بالتأكيد غيرها، وهناك أفراد يتعرضون باستمرار للتنمر والأذى بسبب ميولهم الجنسية. وهناك من يقدمون على الانتحار أو إيذاء أنفسهم للتخلص من هذه الضغوط المجتمعية الهائلة. لكن هذه الحالة أظهرت دليلا آخر على مدى القسوة والتخلف الذي تتميز به الدولة العربية، رغم كل الادعاءات الفارغة. هل يعقل أنها تضع إنسانا في مصحة عقلية لمجرد أنه أعلن عن ميول جنسية معينة، وذلك بدلا من توفير الحماية له أو لها؟

هذا أمر مفزع حقيقة. في أي قرن وفي أي عالم يعيش هؤلاء البشر؟

لا يوجد أي عذر للأردن في التصرف الذي اتخذه. لقد كانت فكرتي عن الأردن أنه دولة يشيع فيها التسامح وتحكمها قوانين وتشريعات متمدنة، ومتحضرة. لكن من الواضح أن معلوماتي خاطئة تماما، وأنه لا يختلف عن العديد من الدول العربية عندما يتعلق الأمر بالإنسان وحقوقه وحرياته.

تجريم التمييز

في أميركا يعتبر التمييز على أساس الجنس جريمة فيدرالية يعاقب عليها القانون. وفي أي مؤسسة أميركية، صغيرة كانت أم كبيرة، يخضع العاملون إلى دورات سنوية إجبارية بهدف تثقيفهم بشأن كيفية احترام والتعامل مع زملاءهم المختلفين عنهم في الجنس أو العرق أو اللون وما شابه. وأتصور أن الأمور في أوروبا ربما تكون أكثر صرامة في هذا المجال. فالهدف هو أولا، توفير الحماية الضرورية لهؤلاء ومعاقبة المتنمرين، والثاني هو رفع سوية ووعي الإنسان إلى مستوى يمكنه أن يرى فيه أن مثل هذه الاختلافات ليس لها علاقة بجوهر الإنسان الفرد، وبالطبع ليس لها علاقة بما يمكن أن يقدمه هذا الإنسان لمجتمعه أو يكشف عنه من إمكانيات ومواهب.

طبعا هنا في الغرب عموما فإن موضوع المثلية الجنسية لم يعد أمرا جديدا أو خاضعا للنقاش. وهو لم يعد مسألة تقبّل عام لهذه المسألة، فقد تجاوز ذلك إلى مستوى التشريعات والقوانين والأنظمة المختلفة. وأكثر من هذا بات جزءا من الثقافة العامة.

التعليم العلماني

وفي أميركا تظهر جميع الاستطلاعات، وخاصة في أوساط الجيل الجديد المتعلم من الشباب والشابات، أنه عندما يتعلق الأمر بالمثلية الجنسية أو زواج المثليين أو ما شابه، تبلغ نسبة القبول والتأييد نسبة ساحقة. وقد أجبر ذلك القطاعات التقليدية في الحزبين الديمقراطي والجمهوري مع الوقت على تغيير موقفهم من هذه القضية وتقبل هذا الأمر.

لكن من باب الإنصاف ينبغي أن نقول بأن الحزب الديمقراطي له قصب السبق في هذا المجال. وكان الرئيس السابق باراك أوباما تحديدا، وهو ليبرالي التوجه (وأنا كنت ولا أزال من أشد مؤيديه والمعجبين به) من أكثر الرؤساء الذين دعموا ووقفوا مع المثليين. وفي عهده وافقت المحكمة الأميركية العليا على دستورية زواج المثليين.

لماذا يتقبل معظم السكان وخاصة الشباب في الغرب بالذات هذه المسألة؟

هذا سؤال لا بد أن يخطر في البال. والإجابة عليه، أن النظام التعليمي العام في أميركا هو نظام علماني. بمعنى أن التلاميذ لا يتعرضون إلى أية إكراهات أو تأثيرات دينية أو أيديولوجية من أية جهة. بل أنه لا يسمح للمعلمين بإظهار ميولهم أو اعتقاداتهم الدينية أيا كانت.

في مثل هذا الوسط ينشأ التلاميذ ويتعاملون مع بعضهم البعض على أساس الفطرة الطبيعية السليمة للإنسان. وهذه الفطرة لا يمكنها أن تجعل الإنسان يميز بينه وبين أخيه الإنسان على أساس اللون أو الجنس أو الدين أو الخلفية الثقافية أو العرقية أو غيرها.

الفطرة السليمة تجعل الإنسان يتعامل مع الجميع بالمساواة. بل أنها تسمح وتشجع التلميذ على أن يطور ميلا طبيعيا للتعاطف والمساندة مع الفئات الأضعف في المجتمع. وهذا أمر طبيعي وأخلاقي.

تشويه الفطرة

في مجتمعاتنا العربية والإسلامية تُضعف السلطات الدينية والسياسية والمجتمعية الفطرة السليمة في الإنسان وتشوهها، من خلال الضخ الديني والأيديولوجي والعرفي وما شابه، بحيث تنزع من قلب الإنسان الرحمة والشعور بالمساواة تجاه الآخر وتزرع بدلا منها القسوة والهمجية والاستعداء. إنها تهبط بوعي الإنسان إلى أسفل درجات التطور البشري، بحيث يصبح مع الوقت صورة مصغرة عن المحيط الذي يعيش فيه.

وما هي هذه الصورة؟

هي صورة لإنسان يعيش كجزء من قطيع، ليست له أية ملامح محددة وليست له حرية اختيار أو تفكير أو اعتقاد خارج نطاق المحيط الذي يعيش في وسطه.

بل تجري مع الوقت برمجته بحيث يصبح مدافعا شرسا وبصورة غير واعية عن أفكار واعتقادات ونمط عيش المجموعة. بحيث أنه قد يلجأ إلى إطلاق أحكام أو القيام بأي عمل، مهما بلغت وحشيته وساديته إذا تعلق الأمر بحماية "البقرات المقدسة" للمجموعة. في هذا الجو تصبح المرأة ويصبح المثليون جنسيا (وأحيانا الأجانب الضعفاء) أهدافا مفضلة.

وإذا شعر إنسان ما بأن ثمة خطأ في كل ذلك أو تجرأ (وهذا أسوء) على انتقاده علنا، تنهال عليه لعنات المجموعة وسباب أفرادها وشتائمهم.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.