A member of the Syrian civil defence, known as the White Helmets, disinfects a former school building currently inhabited by…
عناصر من الخوذ البيضاء يعقمون منزلا في إدلب

وصل فيروس كورونا إلى سوريا. في 29 مارس، وثق نظام الطاغية بشار الأسد أول حالة وفاة مؤكدة بسبب المرض، ولدى دمشق الآن زهاء 12 حالة إصابة بكوفيد - 19، وهو رقم سيرتفع دون شك في الأيام القادمة.

كان وصول هذا الوباء إلى سوريا أمرا متوقعا في نهاية المطاف. منذ تفشي كورونا المستجد في مقاطعة ووهان الصينية في ديسمبر من العام الماضي، انتشر الفيروس على مستوى العالم.

اليوم، لا توجد دولة على وجه الأرض تقريبا لم تتأثر، ولو بشكل قليل على الأقل، بالجائحة. مع الوقت، يتنبأ علماء الأوبئة، بأن جميع الدول ستتعرض للفيروس، وسيتأثر كثير منها بشدة. لكن الحقائق السياسية للحرب الأهلية السورية، التي اندلعت منذ عام 2011 والتي دخلت في موجة جديدة من العنف في الأسابيع الأخيرة، تضمن فعليا أن للمرض آثارا كارثية هناك.

والواقع أنه حتى قبل أن يتفشى فيروس كورونا بالكامل في الخارج، كانت الأمم المتحدة تحذر من الوضع المتدهور في سوريا، حيث بدأت مؤخرا دورة جديدة من العنف. في منتصف فبراير، حذر مارك لوكوك، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، من أن النزاع المتمركز حاليا في شمال غرب سوريا، حيث تصطدم قوات النظام السوري مع الفصائل المعارضة المدعومة من تركيا ـ قد وصل إلى "مستوى جديد مرعب". في غضون الأسابيع القليلة الماضية، أوضح لوكوك، أن ما يقرب من مليون سوري (الغالبية العظمى منهم من النساء والأطفال) قد تشردوا نتيجة القتال.

العواقب تترك سوريا بدون مسار واضح إلى الأمام في مواجهة الوباء الذي يلوح في الأفق

ومع ذلك، فإن هذا يمثل مجرد التصعيد الأخير، في سياق ما أصبح كارثة إنسانية طويلة الأمد. قبل هذا الشتاء، كانت الأمم المتحدة تقدر أن ما يقرب من ثلاثة ملايين سوري ـ ثلاثة أرباع سكان شمال غرب سوريا ـ كانوا "بحاجة إلى المساعدة الإنسانية". واليوم، يوجد أكثر من ذلك، مع وجود العديد منهم في مخيمات اللاجئين، حيث لا يمكن ببساطة اتخاذ الاحتياطات اللازمة التي يجب اتخاذها ضد فيروس كورونا (مثل التباعد الاجتماعي وإجراءات النظافة المعززة).

وفي الوقت نفسه، أدت الانقسامات السياسية الحالية في البلاد لأن تكون الاستجابة الشاملة للمرض حلما بعيد المنال. كما أوضح آرون زلين وعلا الرفاعي من معهد واشنطن، أن هناك ثلاث سياسات وبائية منفصلة على الأقل يتم توظيفها الآن في البلاد. نظام الأسد "يتلاعب بالطوارئ" ويحاول، أسوة  بشريكه الاستراتيجي إيران، استخدام الأزمة لتسهيل رفع العقوبات الدولية. ما يسمى بـ "حكومة الإنقاذ" (الجبهة السياسية لجماعة تحرير الشام) تتصرف بشكل بنّاء أكثر بمواردها المحدودة، وتغلق الأماكن العامة في المناطق الخاضعة لسيطرتها وتعمل على رفع مستوى الوعي والسلامة بين السكان المحليين. في غضون ذلك، لا تزال الإدارة المستقلة التي يقودها الأكراد في شمال البلاد غير مستعدة بشكل مؤسف لحالة الطوارئ الصحية، وتفتقر إلى الإمدادات الكافية من المعدات الحيوية (مثل أجهزة التنفس).

نظام الأسد "يتلاعب بالطوارئ" ويحاول استخدام الأزمة لتسهيل رفع العقوبات الدولية

في الوقت نفسه، فإن اختيار النظام السوري للشركاء الاستراتيجيين يجعل البلاد أكثر فقرا، على مدى نصف العقد الماضي، نظمت الجمهورية الإسلامية قوة ضخمة من الشيعة غير النظاميين، من أماكن مثل العراق وباكستان واليمن، دربتها وأرسلتها إلى ساحة المعركة السورية لدعم نظام الأسد. بدورها، لعبت هذه المليشيات دورا فعالا في مساعدة دمشق على تحويل مسار الحرب الأهلية السورية. ولكن يبدو أن هذه القوى نفسها مسؤولة أيضا عن نقل فيروس كورونا إلى البلاد في المقام الأول. وفقا لتحليل جديد أجراه معهد الشرق الأوسط لبحوث الإعلام (MEMRI) ، وصل المرض إلى البلاد قبل أسابيع من اعتراف دمشق به علنا، وتم نقله إلى هناك بشكل أساسي من قبل أعضاء الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الموالية لإيران. أشارت مواقع المعارضة السورية إلى العديد من حالات الإصابة بفيروس كورونا في جميع أنحاء البلاد، حيث يعمل رجال الميليشيات المدعومة من إيران وإيران كسبب رئيسي لانتشاره.

في غضون ذلك، واصلت روسيا دعم نظام الأسد في جهوده للقضاء على جيوب المعارضة، على الرغم من توقيع مذكرة تفاهم مع تركيا في أكتوبر 2018 تهدف إلى فرض وقف لإطلاق النار في شمال البلاد. وفي الوقت نفسه، استخدمت موسكو حق النقض في الأمم المتحدة لمنع أي عمل متعدد الأطراف حازم قد يسود في دمشق ويخفف من قمعها المحلي.

العواقب تترك سوريا بدون مسار واضح إلى الأمام في مواجهة الوباء الذي يلوح في الأفق. من المرجح أن تكون النتيجة توسعا كبيرا للأزمة الإنسانية الشديدة بالفعل في البلاد ـ أزمة ستضطر المنطقة والعالم إلى التدخل فيها وإدارتها.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.