China's Foreign Minister Wang Yi shakes hands with Iran's Foreign Minister Mohammad Javad Zarif during a meeting at the…
وزير الخارجية الصيني وانغ يي مستقبلا نظيره الإيراني محمد جواد ظريف في بيكين

تتجه طهران شرقا. في الأسبوع الماضي، كشف وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، أمام البرلمان الإيراني أن النظام وصل إلى المراحل النهائية من المفاوضات مع الصين بشأن اتفاقية تعاون وتجارة ضخمة جديدة مدتها 25 عاما. ويقال إن هذا الاتفاق، الذي جاء في أعقاب خارطة طريق لربع قرن من التعاون صيغت قبل أربع سنوات، سيربط البلدين سياسيا وعسكريا، ويوفر للجمهورية الإسلامية المتهالكة شريان الحياة الاقتصادي الذي تشتد الحاجة إليه.

بالنسبة لإيران، التي تعاني الآن تحت الضغط المتزايد للعقوبات الأميركية، فإن الصفقة هي حاجة ضرورية للغاية. منذ بدايتها قبل أكثر من عام ونصف العام، أصابت حملة إدارة "الضغط الأقصى"، التي تبنتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، النظام الإيراني بشدة. تضاءلت، بشكل كبير، صادرات البلاد من النفط وهي التي كانت تصدر كميات كبيرة في السابق، وأخذت معها الإيرادات التي يحتاجها النظام بشدة من أجل البقاء واقفا على قدميه. في غضون ذلك، تدهورت قيمة العملة الوطنية، الريال، وهي الآن عند أدنى مستوى لها في تاريخ الجمهورية الإسلامية أي منذ 41 عاما. وإزاء هذه الواقع، أصبحت المساعدة من بكين أكثر من ضرورية لآيات الله في إيران.

لكن هذا الدعم سيرافقه ما يرقى إلى تآكل هائل في السيادة الإيرانية. الاتفاق، الذي حصلت "إيران واير" على مسودة نسخة منه، سيؤسس لتعاون عسكري واسع النطاق بين البلدين (مما يجبر إيران على شراء المزيد من الأسلحة الصينية)، ويلزم الجمهورية الإسلامية بتصدير النفط إلى الصين لمدة ربع قرن على الأقل، وربط طهران ببكين من الناحية التكنولوجية.

بالنسبة لبكين، فإن فوائد الاتفاق الجديد واضحة. من خلاله، ستكون جمهورية الصين الشعبية قادرة على تعزيز شراكتها الاستراتيجية طويلة الأمد مع إيران، والتي حققت قفزة عملاقة إلى الأمام منذ تولي الرئيس الصيني شي جينبينغ السلطة في عام 2013.

هذا الدعم سيرافقه ما يرقى إلى تآكل هائل في السيادة الإيرانية

الديناميكية الجديدة الظاهرة الآن في العلاقات الصينية ـ الإيرانية ترتبط ارتباطا وثيقا بجهود شي جينبينغ الخارجية، والمعروفة باسم مبادرة الحزام والطريق، والتي من خلالها قامت الصين بتوسيع وجودها بشكل كبير في الشرق الأوسط. وتعكس هذه الاتفاقية الثنائية هذه الأولوية. يقال إنها تقدم للصين حصة كبيرة في بناء البنية التحتية المستقبلية ومشاريع النقل في الجمهورية الإسلامية، وهي إذا ما تم بناؤها، فإنها ستحول إيران إلى مركز أساسي في مشروع مبادرة الحزام والطريق.

إيران مهمة للصين من حيث الطاقة أيضا. قبل بداية سياسة "الضغط الأقصى" الأميركية، صنفت إيران كمزود رئيسي للنفط الخام إلى جمهورية الصين الشعبية، وهو ما يمثل حوالي 6 في المئة من إجمالي واردات النفط الصيني. انخفض هذا الرقم بشكل كبير (حوالي 53 في المئة) خلال العام ونصف العام الماضيين، حيث قلصت الصين مشترياتها من النفط من إيران لتجنب التعرض للعقوبات الأميركية. ولكن، كما يوضح الترتيب الثنائي الجديد، فإن المسؤولين في كلا البلدين يعتمدون على إدارة أميركية جديدة في واشنطن في المستقبل القريب ـ إدارة ستتخذ موقفا أكثر تسامحا تجاه تجارة الطاقة مع إيران وتسمح لها بالتوسع من جديد.

يحاول آيات الله في إيران ببساطة جعل الوضع الراهن يدوم لفترة أطول، بغض النظر عن التكلفة

ومع ذلك، إذا كانت الفوائد لبكين واضحة، فإن الفوائد بالنسبة لطهران هي بالتأكيد أقل من ذلك. وكما لاحظ موقع "إيران واير"، فإن التنازلات التي وافقت عليها إيران "غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية منذ 41 عاما". إنها تربط طهران أكثر من أي وقت مضى بالحكومة الصينية، وتفعل ذلك على حساب استقلال البلاد.

بموجب الشروط المذكورة في الاتفاقية، على سبيل المثال، ستقوم إيران بتحويل تطوير شبكة اتصالاتها 5G إلى جمهورية الصين الشعبية في اللحظة التي تعيد فيها دول أخرى (مثل المملكة المتحدة) إعادة التفكير في شراكتها مع عمالقة التكنولوجيا الصينيين. وتحول الاتفاقية ـ التي من المتوقع الآن أن يوافق عليها البرلمان الإيراني في المستقبل القريب ـ الجمهورية الإسلامية إلى ملحق لخطط جمهورية الصين الشعبية لوجود استراتيجي موسع في الخليج الفارسي، وتجعل النظام الإيراني أكثر اعتمادا اقتصاديا من أي وقت مضى على البلد الذي ساعد على تفاقم أزمته الصحية الحالية.

لماذا سيؤيد النظام الإيراني مثل هذا الترتيب؟ الجواب له علاقة كبيرة ببقاء النظام. في مواجهة ضغوط متزايدة من الولايات المتحدة ووسط تدهور الأوضاع الداخلية، تم تذكير القيادة الإيرانية بحقيقة غير مرحب بها: إن الجمهورية الإسلامية ليست إيران، وإن حكم رجال الدين ليس إلى الأبد.

يحاول آيات الله في إيران ببساطة جعل الوضع الراهن يدوم لفترة أطول، بغض النظر عن التكلفة.

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.