A Lebanese protester (R) holds a placard reading in Arabic "Refugees, residents, all of us against racism" on July 18, 2016 in…
تظاهرة مناهضة للعنصرية في بيروت

تبدو بعض التصريحات العنصرية التي تقذف بها وسائل الإعلام المتنوعة بين الحين والآخر، مفاجئة/ صادمة لكثير من الشرائح المتمدنة التي تتوهم أنها ـ وبمجتمعاتها الآخذة بسبل الحداثة الاستهلاكية الفائقة ـ تجاوزت صحارى التحيّزات العنصرية؛ وصولا إلى واحات التسامح والسلام، أو ـ على الأقل ـ تتوهم أنها تجاوزتها كخطاب معلن/ صريح، كخطاب اقتحامي يحاول أن يتأسس من جديد في الواقع، كما في القانون الذي ينتظم هذا الواقع.

تُشَكِّل هذه التصريحات العنصرية ـ التي غالبا ما تكون صادرة عن مشاهير في عالم الفن التافه أو في مجال الإعلام العشوائي الشعبوي ـ صدمة لكثيرين؛ لأنها تصدر عن شخصيات معروفة، هي في "العُرف الدهمائي" اعتبارية؛ حتى وإن لم تكن في الحقيقة كذلك. 

ومصدر الصدمة هنا، كما هو مصدر ترسيم الاعتبارية، هو أن هذه الشرائح الاجتماعية العريضة بات وعيها يقف على مُفْترق طُرُق: فهي وإن كانت معجبة بهذه الشخصيات التي تراها تُعبّر عن أعماق وعيها؛ إلا أنها مصدومة بحقيقة الوعي العنصري الذي تستبطنه في أعماقها، فتفضحه عواصف الكلام العابر على الحدث العابر، بينما كانت تظن أنها تجاوزته إلى أفق حضاري إنساني أرحب، يجد مثاله/ نموذجه في منظومة القيم الإنسانية الغربية (المتجذرة في التراث التنويري)، التي أصبحت هي ضمير الإنسان الحديث.

إن الإنسان العربي اليوم يحاول ـ على مستوى الوعي المباشر ـ أن يكون إنسانا إنسانيا/ غير عنصري، ولكنه ـ في سياقه الجغرافي/ الثقافي ـ لا يستطيع. يحاول أن يفعّل إنسانيته ـ كما يفهمها ـ لتَسَع الجميع، ولكن التراث العريق المُنْسَرب في عروقه يقف به في حدود ملتهبة تقذف به في الاتجاه المعاكس. إنه يبذل الإحسان للغريب؛ كتمدّد إنساني يؤكد به شيئا من التجاوز للموروث البدائي/ موروثه العرقي ـ الثقافي، بينما هو ـ في الوقت نفسه/ في المكان نفسه ـ يعامل المُخْتَلفين: العاملين معه/ العاملين لديه/ العاملين في محيطه من غير بني عِرْقه، معاملة لا تختلف عن معاملة الأرقاء في الزمن القديم.

العنصري يرى أن مُقَوِّمات موقفه العنصري ما هي إلا استحقاق في "الجغرافيا" وفي "التاريخ" وفي "العِرْق النقي"

في سياق ثقافي/ اجتماعي كهذا، لا عجب أن يصدر عن بعض أولئك الذين يظنون ـ بحكم الشهرة الجماهيرية الشعبوية ـ أنهم مُتَحَدِّثون بلسان الجميع، تصريحات عنصرية متخمة بالكراهية العمياء، تصريحات تدعو ـ بشكل واضح ومباشر ـ لقذف الأجانب/ غير المواطنين خارج الحدود في هذا الوطن العربي أو ذاك. يقولون بصراحة عنصرية وقحة: أخرجوهم عنا، ارموا بهم ولو في الصحراء، ولو البحر. يهتف العنصريون بهذا، يخطونه في كتاباتهم؛ وكأنهم لا يتحدثون عن بشر، عن أناس مثلهم تماما، بل وكأنهم لا يتحدثون عن كائنات حيّة، وإنما يتحدثون عن ركام من النفايات، أو ـ في أحسن الأحوال ـ عن بقايا أثاث قديم لم يعد قابلا للتداول في بيع أو شراء!

الغريب، أنك لو قلت لهؤلاء الذين يهتفون بهذه التصريحات العنصرية الصريحة: أنتم عنصريون؛ لغضبوا، وتأهّبوا للدفاع عن أنفسهم قائلين: نحن فقط ندافع عن وجودنا، نحن فقط نحمي أوطاننا من الغرباء...إلخ المبررات التي لا تُلْغي ـ بل ولا تُخْفي ـ حقيقة الموقف العنصري؛ لأن مثل هذا التبرير/ الدفاع قال به كل العنصريين في كل زمان ومكان، بل لم تحدث المذابح الجماعية الكبرى في التاريخ إلا بوصف الضحايا/ المذبوحين خطرا على الذات بشكل مباشر أو غير مباشر، وأنهم/ الضحايا من حيث هم "آخرين" يأتون بمرتبة تالية ـ بمسافات متفاوتة حسب تفاوت الموقف العنصري ـ للذات، فهم ـ وفق هذا التصوّر العنصري ـ إذ لم ينتموا إلى هذا العرق/ هذه الأمة، فهم لا ينتمون إلى دائرة: الإنسان.

العنصري يرى أن مُقَوِّمات موقفه العنصري ما هي إلا استحقاق في "الجغرافيا" وفي "التاريخ" وفي "العِرْق النقي". العنصري يرى أنه ـ بموقفه العنصري ـ لا يرتكب جريمة إنسانية؛ بقدر ما هو يقوم بـ"واجبه الإنساني" تجاه نفسه، وتجاه أقرب الأقربين إليه؛ وفق دوائر الانتماء التي تضيق وتتسع على حدود المبدأ العنصري ذاته. وهنا طبيعي أن مَنْ هو داخل الدائرة/ ضمن نطاق الذات في موقف ما، سيكون خارج الدائرة/ سيكون في موقع: ما وراء الذات/ سيكون آخرَ على نحو ما، في موقف آخر مُغايرٍ للموقف الأول.

للأسف، إلى الآن، المبدأ العنصري المتحيز تجاه الآخر من حيث هو آخر، لم يجد له مساءلة جذرية وشاملة في الثقافة العربية. بل على العكس، الثقافة العربية السائدة القائمة على مخزون تراثي مُعْرقٍ في التاريخ، تتماهى مع التمايزات العنصرية. والموقف العروبوي، كما هو الموقف الإسلاموي، كلاهما تأسس على شوفينية تورمت فيها الذات إلى درجة رسم معالم التاريخ بما يشبه "الهلوسات الفكرية"؛ كيما يستجيب لمنطق الأوهام الذي يراد لها أن تصبح هي منطق الواقع؛ بعد أن تصبح منطق الأيديولوجيا.

منذ جاهلية العرب الأولى، ودوائر التعنصر هي التي تحكم شبكة العلاقات. الأنا مقابل الإخوة، الإخوة مقابل أبناء العم، أبناء العم مقابل العشيرة، العشيرة مقابل القبيلة...إلخ حتى يصبح العرب مقابل العجم، والمسلمون مقابل غير المسلمين. وقد جرى تقنين هذا الوعي المتعنصر وتنضيده، ومن ثمة ترسيخه بتديينه وتعميمه، حدث ذلك في أخطر لحظات تشكل الوعي العربي الذي بقي سائد إلى اليوم، أي في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام.

لو قلت لهؤلاء الذين يهتفون بهذه التصريحات العنصرية: أنتم عنصريون؛ لغضبوا، وتأهّبوا للدفاع عن أنفسهم قائلين: نحن فقط ندافع عن وجودنا، نحن فقط نحمي أوطاننا من الغرباء

لكن، لا ريب أن القرن الأول من هذه القرون الثلاثة هو الذي وضع اللبنات الأساس للوعي السائد. القرنان التاليان تشرعنا ـ ثقافيا ـ بمواقف القرن الأول، فاستمرت الثقافة عربية ترفع من شأن العربي، وتحط من شأن غير العربي، كخط عام، ولا عبرة بالاستثناء. وقد دعم هذه الموقف الثقافي أن الغلبة السياسية/ العسكرية ـ والتي هي غلبة واقع متعين: واضح ومباشر ـ كانت للعرب على نحو حاسم، وأن احتضان الأمم الأخرى لم يكن احتضانا ناعما، لم تبدأ خطواته الأولى بدعوة تسالم أو تحالف أو توافق، وإنما كان بسيف القهر والإذلال الذي تجسّد في الواقع احتلالا ونهبا واسترقاقا/ سَبْيا/ استعبادا يستمر مدلوله الإذلالي ـ في تمظهره التمايزي الطبقي الحاد: العنصري ـ حتى بعد "العتق"/ التحرر بمفهوم "الولاء".

يرى أحمد أمين أن العربي قبل الإسلام لم يكن يشعر بانتمائه الأممي، أي بأنه عربي، بل كان الشعور الطاغي هو الانتماء للقبيلة التي كانت هي محل فخره الدائم. وهذا صحيح. لكن العربي بعد الإسلام، وبعد حركة الفتوح التي انتهت بإقامة إمبراطورية عربية واسعة النطاق، بدأ يشعر بتميزه العرقي كعربي؛ دون أن يتنكّر لانتمائه الأساس: الانتماء القبلي، بل لقد نهض الشعور القومي بالتميز العرقي الأممي كفرع على تصوّر التميز العرقي القبلي.

يشير أحمد أمين إلى واقع الحال آنذاك، حيث كان العرب يشعرون بوضاعتهم إزاء الأمم الأخرى قبل الإسلام، ولكن الانتصار الكبير المتمثل بالفتوحات الإسلامية لبلاد فارس وجزء من بلاد الروم "رفع من نفسية العرب. وغلا كثير منهم في ذلك فشعروا بأن الدم الذي يجري في عروقهم دم ممتاز، ليس من جنسه دم الفرس، والروم، وأشباههم! وتملكهم هذا الشعور بالسيادة والعظمة، فنظروا إلى غيرهم من الأمم نظرة السيد إلى المسود. وكان الحكم الأموي مؤسسا على هذا النظر[...] سواد العرب، وحكام بني أمية، وولاتهم، كانت عندهم هذه العصبية العربية قوية، يحقرون معها من لم يكن منهم. وكتب الأدب، وحوادث التاريخ، مملوءة بالشواهد على ذلك" (ضحى الإسلام، ج1 ص31/32).

وينقل أحمد أمين عن الأصفهاني وصفا تفصيليا لحال الموالي/ غير الغرب في الفترة السابقة على الدولة العباسية، أي في العهد الأموي. يقول الأصفهاني: "كانت العرب إلى أن عادت الدولة العباسية إذا أقبل العربي من السوق ومعه شيء فرأى مولى؛ دفعه إليه ليحمله عنه. فلا يمتنع، ولا السلطان يغير عليه! وكان إذا لقيه راكبا، وأراد أن ينزل فعل، وإذا رغب أحد في تزوج مولاة: خطبها إلى مولاها دون أبيها وجدّها" (ضحى الإسلام، ج1ص33).

هذا النص الأخير خطير، وفيه لا يتضح مستوى التعصب العربي المشروط باحتقار الآخر فحسب، وإنما يتضح أيضا كيف أن النتاج العملي للسياسة الرسمية الأموية بدأ يتجذر ثقافيا في الوعي الاجتماعي العام؛ مدعوما بقوة النظام الأموي العنصري. إنه وعي في صورة عرف عام، وعي يُضْمر أعلى درجات العنصرية تجاه جنس الآخر/ غير العربي؛ حتى ليراه موضع خدمته على كل حال، دون أن تكون ثمة رابطة تعاقدية أو حتى رابطة معرفة شخصية، بل يكفي أن المُتعالِي من جنس/ عربي، والمُتعالَى عليه ـ حَدّ إنزاله من دابته ـ من جنس آخر/ غير عربي، بل وصل الأمر بأن يكون متحكما بهذا الآخر حتى في أشد خصوصياته، إذ هو/ العربي الذي يملك حق إتمام عقد زواج المرأة/ غير العربية دون أقرب أقربائها، فهو/ العربي أحق منهم بتقرير مصيرها!

القرنان التاليان تشرعنا ـ ثقافيا ـ بمواقف القرن الأول، فاستمرت الثقافة عربية ترفع من شأن العربي، وتحط من شأن غير العربي

إن هذا ليس ظرفا تاريخيا عابرا، بل كان عصرا تدشينيا متكاملا، كان له الدور الأساس في تأسيس وترسيخ وعي عنصري ظل فاعلا حتى اليوم بصور شتى. وهو إن لم يجد طريقه إلى الأنظمة والقوانين، فهو قانون ثقافي مضمر يحكم مجمل السلوكيات الكبرى والصغرى. وقد تختفي بعض ملامحه، خاصة الملامح الحادّة بألوانها الفاقعة، أو تستحي فتتوارى خجلا في الأوقات الطبيعية، ولكنها سرعان ما تكشف عن وجهها البشع في الأزمات التي تستيقظ فهيا غريزة حب البقاء والاستئثار الأناني في الأنفس المصابة بالهزال في وعيها الإنساني.

وإذا كان "عصر التدوين" الأول هو المسهم الأساس في "تكوين العقل العربي" كما يرى المفكر المغربي الراحل/ محمد عابد الجابري، وأن الوعي العربي اليوم محكوم به، فإن ما جرى تأسيسه وتدوينه في تلك العصور ينضح بعنصرية عرقية تتجاوز حدود الكلام/ الأقوال التي يمكن أن تكون ذات طابع افتخاري إلى فضاء الأفعال/ الوقائع.

بمعنى أن تلك الثقافة العنصرية الفاعلة والمنفعلة بالنظام السياسي الأموي لم تكن فترة زمنية عابرة، كما لم تكن استثناء/ هامشا ثقافيا طواه المتن العام، وأيضا لم تكن مجرد أقوال منفصلة عن الأفعال، وإنما كانت لحظة زمنية/ ثقافية تفاعل فيها التدبير مع التعبير؛ فصنعت محددات الوعي العربي الأساسية التي لا يزال يعاين الوجود من خلالها إلى اليوم. 

وما لم يبدأ النقد المعرفي/ الثقافي في تشريح هذه المواقف العنصرية ابتداء من ذلك التاريخ البعيد/ من مرحلة التشكّل والتأسيس؛ فلن يحدث تغيير حقيقي/ تغيير عميق وشامل في مواقفنا الإنسانية تجاه الآخر، إذ النقد العابر الذي يلامس الظاهرة السلبية في تمظهرها الأخير دون الحفر في جذورها، ليس ـ في أحسن أحواله ـ أكثر من صرخة في بيداء مقفرة، تُعبّر عن غضب فردي أو شبه فردي، ولكنها لا ترقى لتعديل المزاج/ الوعي العام. 

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.