تبدو بعض التصريحات العنصرية التي تقذف بها وسائل الإعلام المتنوعة بين الحين والآخر، مفاجئة/ صادمة لكثير من الشرائح المتمدنة التي تتوهم أنها ـ وبمجتمعاتها الآخذة بسبل الحداثة الاستهلاكية الفائقة ـ تجاوزت صحارى التحيّزات العنصرية؛ وصولا إلى واحات التسامح والسلام، أو ـ على الأقل ـ تتوهم أنها تجاوزتها كخطاب معلن/ صريح، كخطاب اقتحامي يحاول أن يتأسس من جديد في الواقع، كما في القانون الذي ينتظم هذا الواقع.
تُشَكِّل هذه التصريحات العنصرية ـ التي غالبا ما تكون صادرة عن مشاهير في عالم الفن التافه أو في مجال الإعلام العشوائي الشعبوي ـ صدمة لكثيرين؛ لأنها تصدر عن شخصيات معروفة، هي في "العُرف الدهمائي" اعتبارية؛ حتى وإن لم تكن في الحقيقة كذلك.
ومصدر الصدمة هنا، كما هو مصدر ترسيم الاعتبارية، هو أن هذه الشرائح الاجتماعية العريضة بات وعيها يقف على مُفْترق طُرُق: فهي وإن كانت معجبة بهذه الشخصيات التي تراها تُعبّر عن أعماق وعيها؛ إلا أنها مصدومة بحقيقة الوعي العنصري الذي تستبطنه في أعماقها، فتفضحه عواصف الكلام العابر على الحدث العابر، بينما كانت تظن أنها تجاوزته إلى أفق حضاري إنساني أرحب، يجد مثاله/ نموذجه في منظومة القيم الإنسانية الغربية (المتجذرة في التراث التنويري)، التي أصبحت هي ضمير الإنسان الحديث.
إن الإنسان العربي اليوم يحاول ـ على مستوى الوعي المباشر ـ أن يكون إنسانا إنسانيا/ غير عنصري، ولكنه ـ في سياقه الجغرافي/ الثقافي ـ لا يستطيع. يحاول أن يفعّل إنسانيته ـ كما يفهمها ـ لتَسَع الجميع، ولكن التراث العريق المُنْسَرب في عروقه يقف به في حدود ملتهبة تقذف به في الاتجاه المعاكس. إنه يبذل الإحسان للغريب؛ كتمدّد إنساني يؤكد به شيئا من التجاوز للموروث البدائي/ موروثه العرقي ـ الثقافي، بينما هو ـ في الوقت نفسه/ في المكان نفسه ـ يعامل المُخْتَلفين: العاملين معه/ العاملين لديه/ العاملين في محيطه من غير بني عِرْقه، معاملة لا تختلف عن معاملة الأرقاء في الزمن القديم.
العنصري يرى أن مُقَوِّمات موقفه العنصري ما هي إلا استحقاق في "الجغرافيا" وفي "التاريخ" وفي "العِرْق النقي"
في سياق ثقافي/ اجتماعي كهذا، لا عجب أن يصدر عن بعض أولئك الذين يظنون ـ بحكم الشهرة الجماهيرية الشعبوية ـ أنهم مُتَحَدِّثون بلسان الجميع، تصريحات عنصرية متخمة بالكراهية العمياء، تصريحات تدعو ـ بشكل واضح ومباشر ـ لقذف الأجانب/ غير المواطنين خارج الحدود في هذا الوطن العربي أو ذاك. يقولون بصراحة عنصرية وقحة: أخرجوهم عنا، ارموا بهم ولو في الصحراء، ولو البحر. يهتف العنصريون بهذا، يخطونه في كتاباتهم؛ وكأنهم لا يتحدثون عن بشر، عن أناس مثلهم تماما، بل وكأنهم لا يتحدثون عن كائنات حيّة، وإنما يتحدثون عن ركام من النفايات، أو ـ في أحسن الأحوال ـ عن بقايا أثاث قديم لم يعد قابلا للتداول في بيع أو شراء!
الغريب، أنك لو قلت لهؤلاء الذين يهتفون بهذه التصريحات العنصرية الصريحة: أنتم عنصريون؛ لغضبوا، وتأهّبوا للدفاع عن أنفسهم قائلين: نحن فقط ندافع عن وجودنا، نحن فقط نحمي أوطاننا من الغرباء...إلخ المبررات التي لا تُلْغي ـ بل ولا تُخْفي ـ حقيقة الموقف العنصري؛ لأن مثل هذا التبرير/ الدفاع قال به كل العنصريين في كل زمان ومكان، بل لم تحدث المذابح الجماعية الكبرى في التاريخ إلا بوصف الضحايا/ المذبوحين خطرا على الذات بشكل مباشر أو غير مباشر، وأنهم/ الضحايا من حيث هم "آخرين" يأتون بمرتبة تالية ـ بمسافات متفاوتة حسب تفاوت الموقف العنصري ـ للذات، فهم ـ وفق هذا التصوّر العنصري ـ إذ لم ينتموا إلى هذا العرق/ هذه الأمة، فهم لا ينتمون إلى دائرة: الإنسان.
العنصري يرى أن مُقَوِّمات موقفه العنصري ما هي إلا استحقاق في "الجغرافيا" وفي "التاريخ" وفي "العِرْق النقي". العنصري يرى أنه ـ بموقفه العنصري ـ لا يرتكب جريمة إنسانية؛ بقدر ما هو يقوم بـ"واجبه الإنساني" تجاه نفسه، وتجاه أقرب الأقربين إليه؛ وفق دوائر الانتماء التي تضيق وتتسع على حدود المبدأ العنصري ذاته. وهنا طبيعي أن مَنْ هو داخل الدائرة/ ضمن نطاق الذات في موقف ما، سيكون خارج الدائرة/ سيكون في موقع: ما وراء الذات/ سيكون آخرَ على نحو ما، في موقف آخر مُغايرٍ للموقف الأول.
للأسف، إلى الآن، المبدأ العنصري المتحيز تجاه الآخر من حيث هو آخر، لم يجد له مساءلة جذرية وشاملة في الثقافة العربية. بل على العكس، الثقافة العربية السائدة القائمة على مخزون تراثي مُعْرقٍ في التاريخ، تتماهى مع التمايزات العنصرية. والموقف العروبوي، كما هو الموقف الإسلاموي، كلاهما تأسس على شوفينية تورمت فيها الذات إلى درجة رسم معالم التاريخ بما يشبه "الهلوسات الفكرية"؛ كيما يستجيب لمنطق الأوهام الذي يراد لها أن تصبح هي منطق الواقع؛ بعد أن تصبح منطق الأيديولوجيا.
منذ جاهلية العرب الأولى، ودوائر التعنصر هي التي تحكم شبكة العلاقات. الأنا مقابل الإخوة، الإخوة مقابل أبناء العم، أبناء العم مقابل العشيرة، العشيرة مقابل القبيلة...إلخ حتى يصبح العرب مقابل العجم، والمسلمون مقابل غير المسلمين. وقد جرى تقنين هذا الوعي المتعنصر وتنضيده، ومن ثمة ترسيخه بتديينه وتعميمه، حدث ذلك في أخطر لحظات تشكل الوعي العربي الذي بقي سائد إلى اليوم، أي في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام.
لو قلت لهؤلاء الذين يهتفون بهذه التصريحات العنصرية: أنتم عنصريون؛ لغضبوا، وتأهّبوا للدفاع عن أنفسهم قائلين: نحن فقط ندافع عن وجودنا، نحن فقط نحمي أوطاننا من الغرباء
لكن، لا ريب أن القرن الأول من هذه القرون الثلاثة هو الذي وضع اللبنات الأساس للوعي السائد. القرنان التاليان تشرعنا ـ ثقافيا ـ بمواقف القرن الأول، فاستمرت الثقافة عربية ترفع من شأن العربي، وتحط من شأن غير العربي، كخط عام، ولا عبرة بالاستثناء. وقد دعم هذه الموقف الثقافي أن الغلبة السياسية/ العسكرية ـ والتي هي غلبة واقع متعين: واضح ومباشر ـ كانت للعرب على نحو حاسم، وأن احتضان الأمم الأخرى لم يكن احتضانا ناعما، لم تبدأ خطواته الأولى بدعوة تسالم أو تحالف أو توافق، وإنما كان بسيف القهر والإذلال الذي تجسّد في الواقع احتلالا ونهبا واسترقاقا/ سَبْيا/ استعبادا يستمر مدلوله الإذلالي ـ في تمظهره التمايزي الطبقي الحاد: العنصري ـ حتى بعد "العتق"/ التحرر بمفهوم "الولاء".
يرى أحمد أمين أن العربي قبل الإسلام لم يكن يشعر بانتمائه الأممي، أي بأنه عربي، بل كان الشعور الطاغي هو الانتماء للقبيلة التي كانت هي محل فخره الدائم. وهذا صحيح. لكن العربي بعد الإسلام، وبعد حركة الفتوح التي انتهت بإقامة إمبراطورية عربية واسعة النطاق، بدأ يشعر بتميزه العرقي كعربي؛ دون أن يتنكّر لانتمائه الأساس: الانتماء القبلي، بل لقد نهض الشعور القومي بالتميز العرقي الأممي كفرع على تصوّر التميز العرقي القبلي.
يشير أحمد أمين إلى واقع الحال آنذاك، حيث كان العرب يشعرون بوضاعتهم إزاء الأمم الأخرى قبل الإسلام، ولكن الانتصار الكبير المتمثل بالفتوحات الإسلامية لبلاد فارس وجزء من بلاد الروم "رفع من نفسية العرب. وغلا كثير منهم في ذلك فشعروا بأن الدم الذي يجري في عروقهم دم ممتاز، ليس من جنسه دم الفرس، والروم، وأشباههم! وتملكهم هذا الشعور بالسيادة والعظمة، فنظروا إلى غيرهم من الأمم نظرة السيد إلى المسود. وكان الحكم الأموي مؤسسا على هذا النظر[...] سواد العرب، وحكام بني أمية، وولاتهم، كانت عندهم هذه العصبية العربية قوية، يحقرون معها من لم يكن منهم. وكتب الأدب، وحوادث التاريخ، مملوءة بالشواهد على ذلك" (ضحى الإسلام، ج1 ص31/32).
وينقل أحمد أمين عن الأصفهاني وصفا تفصيليا لحال الموالي/ غير الغرب في الفترة السابقة على الدولة العباسية، أي في العهد الأموي. يقول الأصفهاني: "كانت العرب إلى أن عادت الدولة العباسية إذا أقبل العربي من السوق ومعه شيء فرأى مولى؛ دفعه إليه ليحمله عنه. فلا يمتنع، ولا السلطان يغير عليه! وكان إذا لقيه راكبا، وأراد أن ينزل فعل، وإذا رغب أحد في تزوج مولاة: خطبها إلى مولاها دون أبيها وجدّها" (ضحى الإسلام، ج1ص33).
هذا النص الأخير خطير، وفيه لا يتضح مستوى التعصب العربي المشروط باحتقار الآخر فحسب، وإنما يتضح أيضا كيف أن النتاج العملي للسياسة الرسمية الأموية بدأ يتجذر ثقافيا في الوعي الاجتماعي العام؛ مدعوما بقوة النظام الأموي العنصري. إنه وعي في صورة عرف عام، وعي يُضْمر أعلى درجات العنصرية تجاه جنس الآخر/ غير العربي؛ حتى ليراه موضع خدمته على كل حال، دون أن تكون ثمة رابطة تعاقدية أو حتى رابطة معرفة شخصية، بل يكفي أن المُتعالِي من جنس/ عربي، والمُتعالَى عليه ـ حَدّ إنزاله من دابته ـ من جنس آخر/ غير عربي، بل وصل الأمر بأن يكون متحكما بهذا الآخر حتى في أشد خصوصياته، إذ هو/ العربي الذي يملك حق إتمام عقد زواج المرأة/ غير العربية دون أقرب أقربائها، فهو/ العربي أحق منهم بتقرير مصيرها!
القرنان التاليان تشرعنا ـ ثقافيا ـ بمواقف القرن الأول، فاستمرت الثقافة عربية ترفع من شأن العربي، وتحط من شأن غير العربي
إن هذا ليس ظرفا تاريخيا عابرا، بل كان عصرا تدشينيا متكاملا، كان له الدور الأساس في تأسيس وترسيخ وعي عنصري ظل فاعلا حتى اليوم بصور شتى. وهو إن لم يجد طريقه إلى الأنظمة والقوانين، فهو قانون ثقافي مضمر يحكم مجمل السلوكيات الكبرى والصغرى. وقد تختفي بعض ملامحه، خاصة الملامح الحادّة بألوانها الفاقعة، أو تستحي فتتوارى خجلا في الأوقات الطبيعية، ولكنها سرعان ما تكشف عن وجهها البشع في الأزمات التي تستيقظ فهيا غريزة حب البقاء والاستئثار الأناني في الأنفس المصابة بالهزال في وعيها الإنساني.
وإذا كان "عصر التدوين" الأول هو المسهم الأساس في "تكوين العقل العربي" كما يرى المفكر المغربي الراحل/ محمد عابد الجابري، وأن الوعي العربي اليوم محكوم به، فإن ما جرى تأسيسه وتدوينه في تلك العصور ينضح بعنصرية عرقية تتجاوز حدود الكلام/ الأقوال التي يمكن أن تكون ذات طابع افتخاري إلى فضاء الأفعال/ الوقائع.
بمعنى أن تلك الثقافة العنصرية الفاعلة والمنفعلة بالنظام السياسي الأموي لم تكن فترة زمنية عابرة، كما لم تكن استثناء/ هامشا ثقافيا طواه المتن العام، وأيضا لم تكن مجرد أقوال منفصلة عن الأفعال، وإنما كانت لحظة زمنية/ ثقافية تفاعل فيها التدبير مع التعبير؛ فصنعت محددات الوعي العربي الأساسية التي لا يزال يعاين الوجود من خلالها إلى اليوم.
وما لم يبدأ النقد المعرفي/ الثقافي في تشريح هذه المواقف العنصرية ابتداء من ذلك التاريخ البعيد/ من مرحلة التشكّل والتأسيس؛ فلن يحدث تغيير حقيقي/ تغيير عميق وشامل في مواقفنا الإنسانية تجاه الآخر، إذ النقد العابر الذي يلامس الظاهرة السلبية في تمظهرها الأخير دون الحفر في جذورها، ليس ـ في أحسن أحواله ـ أكثر من صرخة في بيداء مقفرة، تُعبّر عن غضب فردي أو شبه فردي، ولكنها لا ترقى لتعديل المزاج/ الوعي العام.

