Women hold candles as one of them holds up her fist during a vigil around a makeshift memorial at the tree where Robert Fuller…
إضاءة شموع في مدينة بالمديل للمطالبة بالتحقيق بظروف مقتل روبرت فوللر

بدأت الحرب الأهلية الاميركية في 12 أبريل 1861 عندما قصفت القوات الكونفدرالية قاعدة سامتر Fort Sumter في ولاية ساوث كارولينا، وانتهت في 9 أبريل 1865 عندما استسلم الجنرال روبرت أي لي قائد القوات الكونفدرالية (الولايات الجنوبية) إلى الجنرال يوليسيس أس غرانت قائد قوات الاتحاد الفدرالي في بلدة آبوماتوكس Appomattox  بولاية فيرجينيا. 

بين هذين التاريخين، سقط في المعارك الضارية، التي وقعت بمعظمها في الولايات الجنوبية، 750 ألف جندي من الطرفين. لا توجد أي أرقام حول عدد القتلى من المدنيين. عدد الجنود الذين قتلوا أو جرحوا في الحرب الأهلية يفوق عدد الجنود الذين قتلوا أو جرحوا في جميع حروب الولايات المتحدة خلال أكثر من قرن ونصف. 

مدن بأكملها دمرت أو أحرقت، وتم اقتلاع وتشريد الملايين، ولذلك لا تزال الحرب الأهلية الحدث الأهم، والتجربة الأكثر ألما في تاريخ الولايات المتحدة. الحرب الأهلية خلقت جرحا عميقا لم يلتئم حتى الآن. التظاهرات الاحتجاجية التي عمت جميع الولايات وكبريات المدن الأميركية  في أعقاب جريمة قتل جورج فلويد، المواطن من أصل أفريقي بعد أن ضغط شرطي أبيض بركبته على عنقه لثمانية دقائق ونصف وهو يراقب دون اهتمام الفتاة التي صوّرت الإعدام البطيء، وفي أعقاب الجدل الذي جرى على هامش الجريمة حول رموز الكونفدرالية وتحديدا مئات التماثيل التي أقيمت في الولايات الجنوبية لتكريم القادة العسكريين للجيش الكونفدرالي، تؤكد مرة أخرى أن الحرب الأهلية، وتحديدا مضاعفاتها وتردداتها العنصرية، لم تنته بجميع أشكالها حتى الآن.

المحتجون من مختلف الخلفيات الإثنية والاجتماعية طالبوا بالتعجيل بإصلاحات جذرية في النظام الجنائي وخاصة التصدي "لثقافة العنف" التي يتم التعبير عنها في قسوة الشرطة وعنف أفرادها ضد الشباب من أصل أفريقي والتي أدت في السنوات الأخيرة إلى قتل عدد من الشباب غير المسلحين أو خلال وجودهم في عهدة الشرطة وبعضهم تم تصويرهم وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة، ومن هنا شعار "لا أستطيع التنفس" الذي حمله وهتفه آلاف المتظاهرين. 

بعض مطالب المتظاهرين تصدت للإرث العنصري للبلاد والمتمثل بالرموز العديدة للكونفدرالية الجنوبية و"القيم" التي مثلتها ومنها تفوق العنصر الأبيض الذي جسدته مؤسسة العبودية، والقوانين العنصرية التي اعتمدتها سلطات الولايات الجنوبية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، والتي فرضت قوانين تمييزية ضد الأميركيين من أصل أفريقي جمدت أو أخرت تقدمهم الاقتصادي وتحصيلهم العلمي وقوضت فرص تمثيلهم بشكل منصف في الكونغرس وفي المجالس الحكومية المحلية.

معظم تماثيل الحقبة الكونفدرالية تستحق الإزالة من الساحات، ووضعها إما في المتاحف أو في حدائق خاصة واستخدامها لتذكير الأميركيين بأسوأ حقبة في تاريخهم

فور انتهاء الحرب الأهلية وبعد التعديلات التي أدخلت على الدستور مثل إعطاء الجنسية للمتحدرين من المستبعدين ومنحهم حق التصويت، بدأ هؤلاء بممارسة حقوقهم الجديدة، خاصة وأن القوات الفدرالية التي بقيت منتشرة في الولايات الجنوبية المهزومة وفرت الحماية للسود الأميركيين للتمتع بحقوقهم للمرة الأولى.

ولكن هذه الفترة، التي سميت بمرحلة إعادة الإعمار والتي كان الهدف منها إعادة دمج الولايات الجنوبية في الاتحاد الفدرالي وتحسين أوضاع الملايين الذين تم عتقهم، انتهت في 1877 بعد انسحاب القوات الفدرالية من الجنوب، وما لحق ذلك من محاولات الجنود السابقين للولايات الكونفدرالية لإعادة تنظيم أنفسهم في ميليشيات عنصرية مسلحة مثل كو كلاكس كلان، التي أسسها ضباط كونفدراليون مثل الجنرال ناثان بيدفورد فوريست (لا تزال تماثيله الكاملة على جواده تزين الساحات العامة، مثل تماثيله النصفية في المباني الرسمية في بعض الولايات الجنوبية) والسيطرة على المجالس المحلية في مختلف الولايات، وسلب أولاد وأحفاد المستعبدين من معظم حقوقهم. 

خلال هذه الفترة التي أراد من خلالها العنصريون البيض إعادة فرض قيم التفوق العنصري، قتل آلاف الأبرياء السود شنقا وحرقا. اللافت في إقامة التماثيل لتكريم الكونفدرالية وجنرالاتها هو أن هذه العملية بدأت في العقد الأخير من القرن التاسع عشر واستمرت حتى 1920، مع وفاة آخر المقاتلين في الجيش الكونفدرالي، ورغبة السياسيين الجنوبيين في تكريمهم وتخليدهم. 

خلال هذه الفترة، بدأ الجنوبيون من مؤرخين وسياسيين ومثقفين بإعادة كتابة تاريخ الحرب الأهلية، والادعاء بأن الحرب لم تكن لصيانة مؤسسة العبودية، وهو ادعاء لا أساس له من الصحة، لأن إعلان انفصال ساوث كارولينا وهي أول ولاية تنفصل عن الاتحاد الفدرالي في 1860 أكد أن السبب هو عداء بعض الولايات (والرئيس المنتخب ابراهام لينكولن) "لمؤسسة العبودية"، والقول بأن الحرب كانت لصيانة نمط حياة معين، والحفاظ على حقوق الولايات "وسياداتها"، في تعاملها مع الحكومة الفدرالية في واشنطن، ولصد ما سمي "بالعدوان الشمالي". 

هذا التاريخ المتخيل عرف باسم سردية "القضية الخاسرة" وهي سردية رومانسية للجنوب الأميركي الذي ناضل ببطولة وبفروسية ضد تسلط الحكومة الفدرالية. وخلال حقبة النضال من أجل الحقوق المدنية في ستينيات القرن الماضي التي قادها القس مارتن لوثر كينغ، برزت سردية "القضية الخاسرة" من جديد، وكان الرد العنصري على حركة الحقوق المدنية، إقامة تماثيل جديدة للكونفدرالية، والتلويح بعلمها.

الإرث الكونفدرالي موجود بطفرة في الولايات الجنوبية. نراه في أسماء جنرالات الكونفدرالية التي أعطيت لبعض أهم القواعد العسكرية في جنوب البلاد وحتى في أعلام الكونفدرالية التي كانت ترفع تحت علم الولايات المتحدة أمام المباني الحكومية في جنوب البلاد. الساحات العامة في الولايات الجنوبية تهيمن عليها تماثيل ضخمة للقادة العسكريين على جيادهم الجميلة فوق المنصات العالية، أو في المسلات التي تكرم شخصيات سياسية لعبت دورا هاما في التاريخ القصير لكونفدرالية الولايات الجنوبية.

هذا الإرث بكل مآسيه وضحاياه هو جزء من تاريخ الولايات المتحدة، ولا يمكن نكرانه أو نسيانه. كما أن تحطيم تماثيل هذا الإرث، على الرغم من قسوة وبشاعة النظام العنصري الذي قاتلت الكونفدرالية لصيانته، لن يمحو هذا الإرث أو يغير معناه. 

تحطيم نصب كبير لرئيس الكونفدرالية جيفرسون ديفيز وسط جادة النصب التذكارية في قلب مدينة ريتشموند بولاية فيرجينيا

المؤلم في النقاش الراهن حول رموز الحرب الأهلية هو أن خطاب الرئيس دونالد ترامب يساهم في إحياء المشاعر التي زجت البلاد في آتون الحرب الأهلية. وعندما يرفض ترامب بالمطلق طلب المتظاهرين، الذي لقي صدى إيجابيا في أوساط المسؤولين في وزارة الدفاع بضرورة تغيير أسماء بعض القواعد العسكرية التي سميت بأسماء جنرالات الكونفدرالية، فإنه يساهم بلغته النابية بنبش أبشع تجليات الخطاب العنصري.

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي والثورات السلمية التي عمت دول أوروبا الشرقية، وخلال موسم الانتفاضات العربية شاهد العالم تماثيل لينين وستالين وحتى ماركس تسقط وتحطم وتجر في الشوارع، وكذلك تماثيل الطغاة العرب مثل حافظ الأسد ومعمر القذافي (وقبلهما تمثال صدام حسين، الذي ساهم الجيش الأميركي في إسقاطه وسط بغداد). 

التاريخ حافل بحكام وسلالات تحطم تماثيل وهياكل وحتى قبور أسلافهم. العباسيون نبشوا قبور الأمويين. السلالات الفرعونية كانت أحيانا تحطم ما بناه الأسلاف. في السنوات الأخيرة شاهد العالم بربرية عناصر ما سمي بتنظيم "الدولة الإسلامية" الذين حاولوا تدمير تماثيل وآثار بنتها الحضارات الأشورية والبابلية والرومانية كما دمروا وأحرقوا الكنائس وتماثيلها، في محاولة عبثية لمحو التاريخ والذاكرات الجماعية لفئات عديدة من الناس. إذن، المطالبة بتحطيم التماثيل والنصب التي تمثل الماضي هي "تقليد" عريق في معظم المجتمعات في العالم، بما فيها الولايات المتحدة.

مسألة مصير تماثيل ومسلات ونصب الحرب الأهلية، تطرح وتناقش بشكل مستمر. في 2015 أحيت الولايات المتحدة الذكرى المائة والخمسون للحرب الأهلية. ونوقشت هذه المسألة بقوة وحدة وعاطفية آنذاك، ومعها سقطت بعض التماثيل. 

وفي السنة ذاتها عندما قام شاب عنصري كان دائما يلوح بعلم الكونفدرالية بقتل 9 مصلين من السود داخل كنيستهم، بولاية ساوث كارولينا، قامت حاكمة الولاية آنذاك نيكي هايلي بنزع علم الكونفدرالية من أمام المبنى الرسمي لحاكمية الولاية، وأدت هذه الجريمة إلى سقوط بعض التماثيل في أكثر من مكان. 

تحطيم تماثيل هذا الإرث، على الرغم من قسوة وبشاعة النظام العنصري الذي قاتلت الكونفدرالية لصيانته، لن يمحو هذا الإرث أو يغير معناه

وفي أغسطس 2017 ساهم قرار السلطات المحلية في مدينة تشارلوتسفيل نقل تمثال كبير للجنرال روبرت أي لي، في إثارة رد فعل عنيف لتنظيمات يمينية متطرفة من بينها نازيون، رد عليها متظاهرون مناوئون للعنصريين ما أدى إلى قتل متظاهرة على يد رجل عنصري. الرئيس ترامب ساهم في تأجيج التوتر العنصري حين قال إن هناك مشاركون "جيدون" من الطرفين. بعد هذا العنف، سقطت بعض التماثيل. 

خلال كل دورة من هذا النوع كان المطالبون بتحطيم التماثيل يقولون إنها رموز لحقبة عنصرية يجب رفضها بالمطلق من أجل أن تنتهي البلاد من بلسمة جراح الحرب الأهلية وتحقيق الوفاق الاجتماعي والتخلص من إرث التمييز والاستغلال. المطالبون ببقاء التماثيل يقولون إنها جزء عضوي من تراث وتاريخ الولايات المتحدة، وتحطيمها لن يمحو من الذاكرة الجماعية الحقب التاريخية التي يمثلها الرجال الذين كرمتهم التماثيل والمسلات وغيرها من النصب التذكارية.

ما يجعل النقاش الراهن حول مستقبل الحرب الأهلية إذا صح التعبير لافتا، هو طبيعته المطلقة. المطالبون ببقاء التماثيل لا يريدون أن يدركوا عمق الإهانة التي يشعر بها ليس فقط الأميركي الأفريقي الاصل، بل أي أميركي يحترم نفسه عندما يرى تمثالا لناثان بيدفورد فوريست مؤسس تنظيم إرهابي مثل كوكلاكس كلان في ساحة عامة في مدينة أميركية. 

في المقابل المطالبون بتحطيم كل التماثيل أو رموز الحقبة الكونفدرالية لا يريدون أن يدركوا أن هناك فارق كبير بين تمثال لمؤسس تنظيم إرهابي، وتمثال لجندي جنوبي شاب، وربما مراهق يقف متعبا وهو ينظر إلى الجنوب، وهذه التماثيل الصغيرة الحجم عادة موجودة في العديد من البلدات الصغيرة في الولايات الجنوبية. تمثال الجندي المراهق والمرهق هو لتكريم ابن البلدة الذي قاتل وربما قتل دفاعا عنها. هذا الجندي هو أيضا ضحية لنظام عنصري هو ليس مسؤولا عنه.

النقمة الشعبية التي عكستها التظاهرات الاحتجاجية في الأسابيع الماضية في الولايات المتحدة ضد حقبة الكونفدرالية ترجمت في حالات عديدة في قيام المتظاهرين بتحطيم أو إسقاط أو تشويه تماثيل لشخصيات سياسية وعسكرية للكونفدرالية، من بينها تحطيم نصب كبير لرئيس الكونفدرالية جيفرسون ديفيز وسط جادة النصب التذكارية في قلب مدينة ريتشموند بولاية فيرجينيا التي كانت عاصمة الولايات الكونفدرالية. 

التظاهرات شملت تحطيم أو تشويه تماثيل لا علاقة لها بالحرب الأهلية مثل قطع رأس تمثال لكريستوفر كولومبوس في مدينة بوسطن، أو إرغام مدينة فيلادلفيا على التخلص من تمثال رئيس بلديتها الأسبق فرانك ريزو المعروف بعنصريته. وساهمت التظاهرات في إقناع المسؤولين المحليين في أكثر من ولاية للإعلان عن عزمهم على التخلص من تماثيل ومسلات بنيت في مدنهم قبل أن يولدوا. 

هذا الجو العام المناوئ لكل ما مثله الجنوب العنصري، والاستياء العام من قسوة الشرطة تجاه الشباب السود، أدى ببعض شركات الإنتاج التلفزيوني لإلغاء برامج قديمة وشعبية حول الشرطة، ودفع بشبكة التلفزيون HBO Max للإعلان عن وقف عرض فيلم "ذهب مع الريح" وهو أحد أشهر الأفلام في تاريخ السينما الأميركية والذي تدور أحداثه خلال الحرب الأهلية بسبب صوره النمطية والمهينة للأميركيين من أصل أفريقي. الشبكة أعلنت أنها ستعيد بث الفيلم في المستقبل في سياق مختلف وشرح الظروف التاريخية التي أنتج فيها (1939) ودحض أخطائه التاريخية.

التظاهرات شملت تحطيم أو تشويه تماثيل لا علاقة لها بالحرب الأهلية مثل قطع رأس تمثال لكريستوفر كولومبوس في مدينة بوسطن

سحب "ذهب مع الريح" ووضعه في خزانة ولو مؤقتا، هو قرار لا معنى له ونوع من الرقابة المرفوضة. وأعتقد أن القرار اتخذ لاسترضاء المتظاهرين والرضوخ للاتجاه الراهن للرياح. شخصيا لا أعتبره عملا فنيا هاما ـ وبالمناسبة كلارك غيبل ممثل رديء للغاية ـ ولكن الفيلم يعكس حقبته، أي الفصل العرقي بين البيض والسود، وسياسات التمييز ضد الأميركيين من أصل أفريقي. 

ما حدث لفيلم "ذهب مع الريح" يذكرنا بفيلم أكثر عنصرية هو "ولادة أمة" Birth of A Nation وهو فيلم صامت من إخراج D. W. Griffith في 1915. الفيلم الذي تجري وقائعه قبل وبعد الحرب الأهلية هو مديح مقزز للحياة في الجنوب الأميركي قبل الحرب الأهلية، ويتضمن تعاطفا نافرا مع تنظيم كوكلاكس كلان. ولكن الفيلم من الناحية الفنية يعتبر عملا رائدا ومؤسسا للمدرسة الواقعية في السينما. معظم النقاد السينمائيين يعتبرون هذا الفيلم عملا مفصليا في تاريخ السينما الأميركية، وربما أفضل وصف له هو ما قاله أحد النقاد "أسوأ شيء في ولادة أمة، هو كم هو جيد"، كعمل فني. ولكن إذا لم يمنع مثل هذا الفيلم البشع في مضمونه والذي يراقبه ويتعلم منه محبو السينما منذ أكثر من قرن، كيف يمكن تبرير سحب فيلم "ذهب مع الريح"؟

المشكلة هي أن هناك من يريد إعادة كتابة التاريخ ووقائعه وأحداثه وحتى شخصياته وفقا للقيم والمعايير السائدة الآن. وفي هذا السياق تمنع بعض المدارس تدريس رواية The Adventures of Huckleberry Finn للكاتب مارك توين التي نشرت للمرة الأولى في 1884.  تعتبر الرواية من أهم الأعمال الأدبية الأميركية، ولذلك قال الروائي إرنست هيمنغواي إن كل الأدب الأميركي ينطلق منها. ولكن الرواية التي تتمحور حول علاقة المراهق Huckleberry Finn بالمستعبد JIM  تتضمن في كل صفحة تقريبا وصفا تحقيريا للسود. ولكن الرواية هي عمل أدبي ضد العبودية وضد التسلط وضد الظلم. استخدام تعابير وكلمات خلال حقبة العبودية ولا يمكن استخدامها او التسامح معها اليوم، لا يلغي حقيقة أن الرواية يجب أن تقرأ كما هي ودون فرض أي قيود على توزيعها وتعليمها في المدارس. 

وإذا أردنا وضع القيود على قراءة مثل هذه الرواية، هل سنضع القيود على قراءة شعر Ezra Pound أو يجب أن نندد بموسيقى  Wagner ونتوقف عن الاستمتاع بخواطر وفلسفة Nietzsche لأن الاول دافع عن الفاشية، ولأن الثلاثة معادون لليهودية؟ أيضا لماذا الوقوف عند قطع رأس تمثال كولومبوس؟ لماذا لا نعود إلى الصليبي ريتشارد قلب الأسد؟ أو إلى كل إمبراطور روماني كان يزيد من مساحة هذه الإمبراطورية الطاغية، والتي خلقت في الوقت ذاته حضارة رائعة وغنية على الرغم من نواحيها المظلمة. هل يجب أن نحطم تماثيل قادتها الكبار؟ وهل سنضع الإسكندر المقدوني في قائمة الغزاة الدمويين لأنه فتح عالما يمتد بين اليونان والهند بالسيف وإن حاول ضمه إلى الحضارة الهيلينية. هل سنضع الخلفاء الراشدين، والخليفة معاوية أو صقر قريش في خانة الغزاة الذين سفكوا الدماء، مثلهم مثل أي غزاة في التاريخ عندما خرجوا من الجزيرة العربية وبلاد الشام لفتح فارس ومصر والمغرب ووصلوا إلى جنوب فرنسا. هل يجب أن ندمر أي نصب تذكارية لهؤلاء؟ هم قطعا لم يصلوا إلى قلب فارس أو الأندلس عبر الأساليب الدبلوماسية أو من خلال التبشير السلمي بدين جديد.

جنود يرتدون زي القوات الاتحادية خلال إحياء الذكر الـ 150 للحرب الأهلية الأميركية في قاعدة سامتر في ساوث كارولينا حيث بدأت الحرب

المؤرخ جون ميتشوم ينظر إلى تماثيل السياسيين والقادة الأميركيين عبر التاريخ من منظور: هل ساهم صاحب التمثال في بناء وتطوير التجربة الأميركية وفق جوهر الدستور وإعلان الاستقلال الأميركي؟ ميتشوم يتحدث عن شخصيات تاريخية هامة ساهمت في تأسيس الجمهورية الأميركية مثل جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وغيرهم على الرغم من خطاياهم الكبيرة ومن بينها امتلاكهم لمئات المستعبدين. في المقابل يضع ميتشوم شخصيات مثل جيفرسون ديفيز وجنرالات الكونفدرالية الذين انفصلوا عن الاتحاد الفدرالي وتسببوا بحرب أهلية رهيبة. 

ووفقا لهذا التقويم هؤلاء لا يستحقون أي تكريم. في هذا السياق يمكن تكريم جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وغيرهم من مؤسسي الجمهورية مع التذكير بأنهم لم يكونوا شخصيات مثالية، من خلال إقامة التماثيل لتخليدهم. ولكن كيف يمكن تكريم من حاول تقويض تجربة ديمقراطية ولدت غير كاملة أو مثالية ولكنها تسعى وفقا لأول عبارة في الدستور إلى إنشاء "اتحاد أكثر كمالا وإقامة العدالة"...

لا يوجد هناك جواب سهل وقاطع ومنصف لهذا الخلاف. لديّ اهتمام كبير وقديم بالحرب الأهلية الأميركية. بعض أصدقائي يصفون هذا الاهتمام بالولع. أزور بعض ساحات المعارك دوريا، وأحيانا أقوم بدور المرشد لبعض الأصدقاء والمعارف. شخصيات هذه المأساة الأميركية ساحرة. أبراهام لينكولن رجل عظيم وكاتب مبدع، ولكنه في جوهره شخصية مأساوية. بعض جنرالات الجيشين المتحاربين، وخاصة يوليسيس أس غرانت وروبرت أي لي وبعض ضباطهم المقربين منهما وجميعهم من خريجي جامعة ويست بوينت وبعضهم حاربوا معا ضد المكسيك، يمثلون مجموعة فريدة من المحاربين: جميعهم شجعان، وشخصياتهم معقدة وبعضهم قساة لا يرحمون، وآخرون جمعوا بين القسوة والإرادة القوية فوق ساحة المعركة وبالحنكة السياسية بعد انتهاء القتال. بعضهم مارس سياسة الأرض المحروقة، وآخرون اعترفوا بأخطائهم وعرضوا الاستقالة. 

النهاية الحقيقية للحرب الأهلية الأميركية تتم بمواصلة العمل من أجل تحقيق "اتحاد أكثر كمالا"، على أن يتم ذلك عبر الوسائل السياسية إن كان في مراكز الاقتراع أم في التظاهرات والاحتجاجات السلمية

وعندما استسلم روبرت اي لي ليوليسيس أس غرانت، جاء غرانت ذو الخلفية الفقيرة إلى الاجتماع ببذة لا تليق بجنرال منتصر، بينما جاء روبرت أي لي وريث ثروة كبيرة إلى الاجتماع ليستسلم ولكن ببذة جديدة وسيف يليق بجنرال منتصر. غرانت المنتصر عامل لي المهزوم باحترام وسمح لجنود الكونفدرالية بالاحتفاظ بسلاحهم الشخصي وطلب منهم العودة إلى ديارهم لإعادة بنائها. غرانت مارس ما يمكن وصفه بالمفهوم الأميركي "للعفو عند المقدرة".

بعد نهاية الحرب أقسم روبرت أي لي الولاء للاتحاد الفدرالي، وانتقد مشاعر الانفصال التي بقيت في قلوب العديد من الجنوبيين ودعا إلى الوفاق وتخطي آثار الحرب الأهلية. والمفارقة الهامة في هذا السياق، هي أن روبرت أي لي لم يؤيد فكرة إقامة تماثيل أو أي نصب تذكارية للحرب التي دعا إلى تخطيها ونسيانها. ورفض الجنرال لي المشاركة في اجتماع لضباط الجيشين الذين شاركوا في معركة غيتيزبيرغ التي خسرها، وقال في رسالة لمنظمي الاجتماع "إن الحكمة تقضي بعدم إبقاء الجراح مفتوحة، بل في اتباع أمثلة الدول التي سعت للتخلص من معالم النزاع الأهلي، والتي وضعت وراءها المشاعر التي خلقتها هذه النزاعات".

معظم تماثيل الحقبة الكونفدرالية تستحق الإزالة من الساحات، ووضعها إما في المتاحف أو في حدائق خاصة واستخدامها لتذكير الأميركيين بأسوأ حقبة في تاريخهم. الاعتقاد بأن هدمها أو تفكيكها يعني وضع نهاية لحقبة بشعة، هو اعتقاد ساذج، ولن يؤدي إلى محو هذه الحقبة من الذاكرة الجماعية للأميركيين. ولكن إبقاء تماثيل شخصيات نادت وبقيت تنادي بالعنصرية بعد نهاية الحرب مثل ناثان بيدفيرد فوريست هو أمر مشين. 

إبقاء تماثيل المحاربين من الجيشين في ساحات المعارك التي يزورها ملايين الأميركيين كل سنة، يجب أن يساهم في شرح ما حدث في ساحات هذه المعارك، لأن الجنود والضباط الذين شاركوا في القتال كانوا ينفذون أوامر قياداتهم السياسية.

النهاية الحقيقية للحرب الأهلية الأميركية تتم بمواصلة العمل من أجل تحقيق "اتحاد أكثر كمالا"، على أن يتم ذلك عبر الوسائل السياسية إن كان في مراكز الاقتراع أم في التظاهرات والاحتجاجات السلمية، وتحقيق الرؤية التي أعطانا إياها توماس جيفرسون في إعلان الاستقلال "نحن نؤمن بهذه الحقائق البديهية: أن جميع البشر قد خلقوا متساوين، وأن خالقهم قد منحهم حقوقا معينة ثابتة لا يمكن انتزاعها منهم ومن بينها: حق الحياة والحرية، والسعي من أجل السعادة".

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.