Tunisians hold up signs, which one reads (R) in Arabic "No republic without freedom", during a demonstration to mark Tunisia's…
تظاهرة نسوية في تونس

يواجه العالم العربي أزمة حكم مستعصية منذ بروز مفهوم الدولة الحديثة، القائم على المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين، والحق في المشاركة السياسية لجميع أفراد الشعب. مفهوم الدولة الحديثة تطور في أوروبا عبر تاريخ طويل من التجارب السياسية والاجتماعية، وبعد حروب دينية وثورات فكرية، حتى وصلت إلى ما هي قائمة عليه الآن من مُثل عليا أساسها، ولو نظريا، ضمان الحريات الفردية لكل مواطن وحقه في المشاركة الفعلية في بلاده، وعلى أساس قاعدة المواطنة المتساوية.

توهمت معظم شعوب بلادنا أننا بعد دحر الاستعمار، سوف نحقق ما حققه هؤلاء، ونبني أوطانا تكرم شعوبها وتوفر لهم بيئة آمنة للإبداع والازدهار والحرية. هذا الوهم سببه أننا لم نفهم حقا أسس المواطنة والديمقراطية واعتقدنا بأنها سهلة البناء. 

منذ الاستقلال والدول العربية، ربما باستثناء تونس، تسير من سيئ إلى أسوأ، فهي اليوم إما دول فاشلة تمزق الحروب أوصالها، أو دول دكتاتورية لا يجرؤ مواطنوها على التعبير عن أي نقد أو رغبة في المشاركة السياسية، أو دول شبه دكتاتورية تحاول دولا إقليمية أو دولية باستمرار التدخل في مسارها لدفعها نحو دكتاتورية كاملة أو نحو الهاوية، خوفا من وصول شبح الديمقراطية إليها.

فلماذا لا يستطيع العرب إلى حدود اليوم حكم أنفسهم بسلمية وبلا قمع، رغم أن لديهم من الموارد ما يحسدون عليه، سواء الطبيعية أو المواقع الجغرافية أو الإرث التاريخي الهائل؟ لماذا لا تتوفر في هذه الدول كرامة إنسانية وسياسية واجتماعية؟

منذ الاستقلال والدول العربية، ربما باستثناء تونس، تسير من سيئ إلى أسوأ

من الصعب أن نتأمل بقدوم مستقبل أفضل ما لم نبن في ثقافتنا مكونا أساسيا تقوم عليه الديمقراطية ومنظومة حقوق الإنسان ألا وهو احترام حقوق الفرد. تقوم الدول التي تحمي حقوق الإنسان ويتم فيها التداول السلمي للسلطة بتقديس حقوق الفرد في قوانينها المدنية. نعم الفرد. ليس المجتمع وليس العائلة ولا القبيلة، ويقينا ليست الأفكار مهما كانت مقدسة. ليس حتى السماء نفسها ذات حقوق هنا، ففكرة السماء والغيب تختلف من شخص لآخر. 

لا أحد يستطيع أن يحكم على فرد آخر بأنه مرتد لتركه المسيحية واعتناقه البوذية مثلا، وذلك لأن لكل فرد حق اختيار معتقده وتغيير هذا المعتقد كما يشاء ومتى يشاء. يحق للفرد ألا يؤمن بالرب أيضا، فترى مؤلفين مثل ريتشارد دوكنز يؤلف كتاب "وهم الإله" ولا حق لأحد بإيذائه أو التطاول عله بأي شكل من الأشكال، يعيش حياته بشكل طبيعي دون تهديد، لأن حقوق الأفراد وليس الأفكار هي وحدها القانون. 

قارن وضع هذا المؤلف ـ مثلا ـ بالمفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد، أستاذ الدارسات الإسلامية في جامعة القاهرة والذي تم تكفيره رغم إيمانه بالإسلام، لمجرد أنه أنتج فكرا جديدا لا يعتمد على إعادة صياغة الماضي السحيق. حين تهدر الروح من أجل فكرة قد تكون صائبة أو مخطئة فهذه منظومة تحتقر الحياة نفسها وتخلق مجتمعات تضع الأفكار ـ والتي تتغير باستمرار ـ فوق الإنسانية. ولهذا، لا وجود لمجتمع في هذا العالم يقدس الأفكار فوق البشر يعيش فيه الناس بحرية وكرامة وأمن.

تقديس حرية الفرد قد تكون الدين الفعلي للدول التي يحلم شبابنا وشاباتنا بالهجرة إليها، فمجتمعاتنا قائمة في معظمها على قمع الفردية ومنع الاختلاف، وعندما تتقلص حقوق الأفراد يسهل تأسيس سلطوية سياسية واجتماعية. إن احترام الفرد يعني أنه لا يجوز لأي جهة، سواء العائلة أو الدولة أن تفرض إرادتها عليه. الأفراد في الدول الغربية يترعرعون على هذه الثقافة منذ نعومة أظافرهم فيدركون في أعماقهم أن حياتهم ملك لهم وحدهم وليست لأحد سواهم، فحتى لو كانوا أطفالا صغارا لا يجوز للآباء انتهاك حقوقهم. ولذا، لا تتردد الدولة في حماية هؤلاء الأطفال من ظلم أو اعتداءات أهاليهم عليهم. هذه الحقيقة صدمت الكثير من المهاجرين إلى دول غربية والذين جلبوا معهم ثقافة "أطفالي ملكي أنا" أفعل بهم ما أشاء.

وهكذا فإن السؤال الذي يواجهنا هو كيف نؤسس لمجتمعات تشرع قوانين مدنية عادلة تقوم على المساواة واحترام حرية الأفراد؟ أحد الحلول تكمن في بناء مؤسسات مجتمع مدني قوية، وهناك ثلاثة نماذج لذلك؛ أولا، قد يتم التغيير من الأعلى للأسفل، كما فعل أتاتورك عندما حول تركيا من مركز للخلافة الإسلامية إلى دولة علمانية، معتمدا على النموذج الأوروبي، لكن المشكلة في هذا المسار أن معظم الدول العربية تحكمها نخب لا هم لها إلا البقاء في السلطة، وغير مهتمة أساسا بمصير شعوبها ومجتمعاتها. وليس هذا فحسب، بل تجد كثيرا من النخب الحاكمة بلغت من الغطرسة بحيث أنها لا ترى سببا لوجود البلد بدونها، مثل شعار "إما الأسد أو نحرق البلد". 

المسار الثاني هو من الأسفل للأعلى أي عن طريق مؤسسات المجتمع المدني التي تقوم ببناء أفراد قادرين فعلا على خلق منظومة تحترم حقوق الإنسان. ولعل تونس مثال على هذا المسار، فبالرغم من أن الرئيس السابق زين العابدين بن علي كان دكتاتورا سلطويا إلا أنه تبنى علمانية سمحت في وجود مجتمع مدني ونسوي قوي، مما أدى إلى تمكين الأفراد، نساءً ورجالا، قاموا في النهاية بإنقاذ بلادهم من مصير مجهول، وكتابة دستور علماني يقوم على احترام حقوق الإنسان وليس على أفكار سلطوية. ورغم محاولات كثير من الدول المجاورة التأثير على مسارها، إلا أن تونس لا تزال النموذج المثالي في المنطقة. 

أما السيناريو الثالث هو دمج لكلا الأسلوبين بحيث تحاول سلطة حكيمة تغيير القوانين والعادات فيما تترك يد العنان للمجتمع المدني لتثبيت المكاسب.

من الصعب أن نتأمل بقدوم مستقبل أفضل ما لم نبن في ثقافتنا مكونا أساسيا تقوم عليه الديمقراطية ومنظومة حقوق الإنسان ألا وهو احترام حقوق الفرد

في هذا السياق، فإن التحدي في الشرق الأوسط متمثل في موقف السلطة السياسية من مؤسسات المجتمع المدني. فبالرغم من أن هذه الأخيرة لها دور رئيس لا غنى عنه في تجنيب البلاد أزمات العنف والدمار على المدى البعيد، إلا أن السلطات السياسية تملك فهما مغلوطا للأمر، إذ ترى أنه ما لم يتم التحكم التام بجميع فئات الشعب بشكل خانق فإنها ستفقد السيطرة عليها تماما. 

في دول أخرى يُسمح لمؤسسات المجتمع المدني بالعمل ولكنها تفتقر لدعم مادي، وأحيانا قانوني، قد يمكنها من إحداث تغيير حقيقي على أرض الواقع، فيما يتم في المقابل تمرير قوانين تمنع التمويل الخارجي من مؤسسات غربية تدرك أهمية العمل المدني لبناء أوطان قوية ومستقرة. 

وفي أحيان أخرى وإن تم السماح بتلقي تمويل خارجي إلا أنه يكون مصحوبا دوما بتخوين من قبل الحكومات، التي لا تسمح بفهم مركب لطبيعة المجتمعات الغربية التي تحتوي مؤسسات فعلا خيرية تهدف لدعم البشرية.

لكن، بشكل عام، لا تسمح الدول العربية إلا في ما ندر للأفراد المميزين ببناء مؤسسات مجتمع مدني. خذ مصر على سبيل المثال تحت حكم عبد الفتاح السيسي، فقد قام نظامه بمسح مؤسسات المجتمع المدني عن الوجود، فيما يرقد أكثر شباب مصر وطنية، أولئك الذين ساروا لتحريرها من القمع، في غياهب السجون. 

وهناك أيضا المملكة السعودية، والتي قامت بسجن مئات الشباب المبدعين الطامحين أيضا للنهوض ببلدهم كما فعلت بفهد البتيري، الشاب السعودي الفذ الذي أسس أنجح قناة يوتيوب، وكذلك زوجته لجين الهذلول، المدافعة عن حق المرأة في القيادة في السعودية، فأمثال هؤلاء يرقدون في السجون ويتعرضون للتعذيب ثمنا لإبداعهم وفرديتهم.

فهل يا ترى سيكون لبلاد تقتل مبدعيها معنويا وجسديا مستقبل مزهر؟!

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.