A scientist handles samples of PCR coronavirus tests at the microbiology laboratory of the Gregorio Maranon General Hospital in…
علماء يجرون أبحاثا مرتبطة بفيروس كورونا

كنت أتصور أني سأكتب عنوان هذه المقالة لبعض رجال الدين المتطرفين كما قال لهم البعض في المقولة المعروفة "يا رجال الدين يا ملح البلد من يصلح الملح إذا الملح فسد"، ولكني وجدت نفسي آخذ هذه المقولة وأوجهها إلى بعض علماء الطب الذين وصل بهم الأمر إلى أن يلووا طرق البحث العلمي ليحققوا إما مكاسب مادية أو انتصارات سياسية، فأقول لهم وبصوت عال "يا رجال العلم يا "ملح" البلد من يصلح "الملح" إذا "الملح" فسد!

فيا للعار حينما نرى جريدة اللانست الطبية، وما أدراكم ما جريدة اللانست في عالم الطب، فكل المجلات الطبية حتى وقت قريب كان قد يؤخذ منها ويرد عليها إلا جريدة اللانست، وإذ بها تنشر بحثا خطيرا عن عقار الملاريا المرشح لعلاج فيروس كورونا "الكلوروكين" دون بحث أو تدقيق كاف.

فتلك الجريدة العريقة، التي أنشأها الجراح البريطاني "توماس واكلي" عام 1823، وأسماها على اسم أداة جراحية (المشرط)، كانت منارة للعلم والدقة والمراجعة الدقيقة حتى وصل الأمر بها أن تتربع أو تكاد أن تتربع عرش الطب، فكان الطبيب الذي ينشر فبها مقالاته العلمية والطبية يتم اعتباره أيقونة علمية لمجرد أن تقبل جريدة اللانست نشر بحثه!

إن فقدت الناس الثقة بجريدة مثل اللانست في عالم الطب فبمن يثقون؟ ومن يصدقون؟!

وفجأة، وعلى حين غرة، تخرج علينا جريدة "اللانست" من فترة قريبة بمقال علمي لم يكتفِ فقط بإظهار عقار الكلوروكين وكأنه عقار فاشل وحسب، بل واتهمه بأنه يتسبب في وفيات أكثر من لو تركنا المرضى دون إعطائهم العلاج.

ولم تتردد وكالات الأنباء والصحف المناهضة لهذا الدواء لأسباب قد تكون سياسية أو اقتصادية في نشر الخبر في كل أنحاء الأرض، دون أدنى تحقق من المعلومة المذكورة في جريدة اللانست، فكيف لهم أن يشككوا ولو مثقال حبة من الخردل في دقة معلومة تم نشرها في جريدة اللانست!

ولم يقف الأمر عند ذلك فحسب، بل وصلت الأمور إلى أن منظمة الصحة العالمية وبدون أي تحقق من دقة ومصداقية المعلومات المذكورة في جريدة اللانست، هرولت إلى وقف كل التجارب التي تقوم بها حول العالم في أكثر من مئة دولة لاختبار نجاح العقار في علاج فيروس كورونا!

ولنا أن نتصور كم مريض مات لأنه لم يعالج به بسبب قرار منظمة الصحة العالمية بوقف استخدام الدواء دون تحقق من الأمر.

كارثة بكل المقاييس، فنحن لا نعلم حتى الآن كم نفس بشرية فقدت بسبب وقف استخدام هذا العقار كنتيجة لمقال اللانست وقرار منظمة الصحة العالمية المتسرع بوقف استخدام الدواء!

ثم تأتى الطامة الكبرى حين تراجعت اللانست فقط بعد أن طالب المجتمع العلمي ومجتمع الأطباء بالتحقيق في مصادر البحث، خاصة أن به أخطاء واضحة، فعلى سبيل المثال لا الحصر ذكرت المقالة أعداد الوفيات في مستشفيات أستراليا وتبين بعد ذلك أن الأرقام المذكورة في المقالة أكبر بكثير من كل أعداد الوفيات في القارة الأسترالية داخل المستشفيات وخارجها! وبعد إثارة هذه النقطة بدأت اللانست في التراجع وأعلنت أن هناك خطأ في الأرقام.

وبعد ذلك طالب العديد من العلماء والأطباء أيضا معرفة المصادر الطبية المذكورة في البحث حتى يتأكدوا من مصداقيتها، وحين ذاك بدأت الحقيقة تتكشف خاصة بعد أن رفضت شركة الأبحاث الطبية الصغيرة والمجهولة التي قامت بالبحث أن تفصح عن مصادر الأرقام التي ذكرتها.

وبدأ تراجع اللانست بعد ذلك من شدة الضغط العلمي عليها فأعلنت في النهاية سحب المقال وحتى الأطباء الذين نشروه اعتذروا عن نشره!

ويا لها من مأساة أن نرى واحدة من أعرق مؤسسات النشر الطبية في العالم تنزلق إلى هاوية الكذب والخداع وفقدان المصداقية العلمية!

لنا أن نتصور كم مريض مات لأنه لم يعالج به بسبب قرار منظمة الصحة العالمية بوقف استخدام الدواء دون تحقق من الأمر

فإن فقدت الناس الثقة بجريدة مثل اللانست في عالم الطب فبمن يثقون؟ ومن يصدقون؟!

أما الأمر الأكثر إيلاما فهو انطلاق التساؤلات حول عدد المرات التي حدث فبها أمر شبيه. أو بمعنى آخر كم من عقار دعمته المجلة ولم يكن يستحق الدعم، وكم من حقيقة علمية ذكرت ولم تكن معلومة صادقة أو دقيقة؟!

فالأمر لا يقف عند عقار الكلوروكين، إذ كيف لنا أن نثق في ما ينشرونه يبعد الآن؟

فمن يكذب في حقائق العلم ولو لمرة واحدة يبقى أبد الدهر مزعزع العقيدة سقيم الوجدان!

والعجيب أنني قبل أن أكمل هذه المقالة جاءني خبر عاجل في صميم الموضوع. والخبر هو أن ثاني صرح في عالم النشر الطبي وهي مجلة "نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسين" تراجعت هي أيضا عن بحث هام نشرته وله علاقة خطيرة بمرض كورونا وعلاجه!

وأختصر كلامي هذا بتعليق قالته زوجتي الغالية وهي طبيبة أيضا بعد أن أدركت ما حدث فنطقت بكلمة عفوية تلخص ما حدث باللغة العامية ألا وهي "يا خسارتك يالانست!".

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.