From left: Iranian President Hassan Rouhani, Turkish President Recep Tayyip Erdogan and Russian President Vladimir Putin shake…
القمة الثلاثية بين روسيا وإيران وتركيا لبحث الوضع في سوريا في سبتمبر 2019

تؤكد معظم التطورات السياسية والميدانية في الشرق الأوسط في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين مثل الغزو الأميركي للعراق، وانهيار مفاوضات السلام بين العرب وإسرائيل، وإخفاق معظم الانتفاضات العربية، باستثناء تونس، في إسقاط الأنظمة السلطوية، تؤكد حقيقة وجود انكفاء عربي وأميركي على مستوى المنطقة بكاملها، يقابله صعود إقليمي واضح للنفوذ التركي والإيراني والإسرائيلي كما يتبين من الدور المتعاظم لهذه الدول في نزاعات سوريا والعراق وليبيا واليمن. 

وصاحب ذلك تصاعد للنفوذ الروسي منذ التدخل العسكري في سوريا في 2015 ولاحقا في ليبيا. قادة المنطقة يزورون موسكو أكثر مما يزورون واشنطن. روسيا هي في خضم الخيارات العسكرية والحلول الديبلوماسية المقترحة في سوريا وليبيا في السنوات الماضية. الولايات المتحدة في أفضل الحالات هي لاعب له دور محدود وأحيانا تتصرف واشنطن وكأنها مراقب لما يجري في منطقة كانت قبل عقود هي اللاعب الأساسي فيها. 

حتى الحشود العسكرية التي أرسلتها إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى منطقة الخليج في الأشهر الأخيرة لردع الاعتداءات الإيرانية المباشرة وغير المباشرة ضد المصالح الاقتصادية لأصدقائها في الخليج هي حشود مؤقتة، لأن الرئيس ترامب أكد في أكثر من مناسبة أنه يريد سحب معظم، إن لم نقل جميع، القوات الأميركية من جنوب آسيا (أفغانستان تحديدا) والشرق الأوسط بما في ذلك من العراق وسوريا، لتفادي الأعباء المالية الضخمة لهذا الانتشار العسكري الأميركي الذي لم يخدم المصالح الأميركية في المدى البعيد كما يرى ترامب.

الجنوح للتسلط والقمع

هذه التطورات تزامنت مع بروز نزعات وممارسات سلطوية نافرة حتى في الدول التي تحكمها أصلا أنظمة أوتوقراطية، ووصلت هذه النزعات والممارسات التسلطية والشوفينية حتى إلى الدول التي توجد فيها مؤسسات وممارسات ديمقراطية مثل تركيا وإسرائيل. خلال السنوات الماضية وضع رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو إسرائيل على طريق أوتوقراطي شوفيني على حساب حقوق المواطنين الإسرائيليين العرب، على خلفية حملة شنها مع اليمين المتطرف والديني ضد التيارات الليبرالية والصحافة. 

في تركيا، فرّغ الرئيس طيب رجب إردوغان المؤسسات التركية من مضمونها الديمقراطي المحدود، وشنّ حملة ترهيب ضد منتقديه في الصحافة والمجتمع المدني، وغالى في انتهاكاته للحقوق المدنية والسياسية لأولئك الذين تجرأوا على انتقاده وخاصة في أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة في 2016.

ساهمت النزاعات بين الدول العربية من الخليج إلى ليبيا وقبلها في سوريا والعراق في تعزيز دور الدول الإقليمية الثلاثة غير العربية: إيران وتركيا وإسرائيل

في مصر، تحول نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي وصل إلى السلطة في انقلاب عسكري، إلى أسوأ نظام يحكم مصر منذ الإطاحة بالنظام الملكي في 1952. خلال السنوات الأخيرة للرئيس حسني مبارك، ومنذ الإطاحة به ومصر مشغولة بمشاكلها الداخلية: التصدي للتحدي العسكري والإرهابي للجماعات الإسلامية المتطرفة في شبه جزيرة سيناء، وقمع الأصوات المنادية بإصلاح سياسي في الداخل المصري. 

هذه السلطوية الداخلية في مصر مشت يدا بيد مع الانحسار السريع لنفوذ مصر الإقليمي. مصر اليوم عاجزة عن تحرير سيناء، أو التأثير بشكل فعال على قطاع غزة، أو التأثير بالعمق على التطورات الليبية، كما لا تعرف القاهرة حتى الآن كيف ستتعامل مع التحدي الكبير الذي يمثله لها سد النهضة في أثيوبيا اقتصاديا وحتى وجوديا.

في السعودية أوصل ولي العهد الجديد محمد بن سلمان انتهاكات حقوق الإنسان إلى مستويات غير معهودة، بما في ذلك السجن الاعتباطي لناشطات في مجال حقوق الإنسان وتعذيبهن، واعتقال أفراد من العائلة المالكة وعدد من كبار رجال الأعمال وإرغامهم ـ باسم مكافحة الفساد ـ على دفع مبالغ كبيرة للخزينة التي يسيطر عليها، وهو الذي اشترى يختا بقيمة نصف مليار دولار وقصرا فخما في فرنسا ثمنه 300 مليون دولار. 

تهور ولي العهد الشاب دفعه لتوريط بلاده في أبشع وأخطر حرب منذ تأسيسها حين اعتقد ساذجا أن شنّ حرب جوية عشوائية ضد أعدائه الحوثيين في اليمن سيحقق أهدافه. الحوثيون الذين سلحتهم إيران لاستنزاف السعودية ودولة الإمارات، أصبحوا أكثر اعتمادا على إيران في السنوات الماضية وأظهروا احتقارا لحقوق المدنيين مماثلا لاحتقار السعوديين. 

الغزو الأميركي للعراق الذي أراده جورج بوش الابن أن يخلق دولة تمثيلية ومدنية تحترم الحقوق الأساسية لمواطنيها، أصبح أكثر من أي وقت مضى خاضعا للمحاصصة الطائفية والاثنية والمذهبية، حيث تهيمن عليه ميليشيات بعضها يدين بالولاء السافر لإيران، وطبقة سياسية ـ دينية فاسدة ومتسلطة.

في سوريا، تحول نظام بشار الأسد المتسلط والفاسد أصلا إلى طغيان مطلق حين لجأ النظام إلى القتل الجماعي للسوريين لوقف الانتفاضة الشعبية. نجحت الانتفاضتان الشعبيتان في السودان والجزائر بالإطاحة برأسي نظامين متسلطين وفاسدين، ولكن التخلص من البنى التحتية الفاسدة والمتسلطة للنظامين هي مسألة أخرى. هذه بعض الأمثلة عن جنوح بعض الدول العربية للتسلط والطغيان.

من سوريا

مأساة سوريا، أظهرت بشكل سافر ومخجل انهيار النفوذ العربي والأميركي في وجه النفوذ الروسي والإيراني والتركي والإسرائيلي. الرئيس السابق باراك أوباما أخفق في تنفيذ تهديده بالتدخل إذا اجتاز نظام الأسد الخطوط الحمر التي رسمها أوباما وأهمها استخدام السلاح الكيماوي. الرئس ترامب كاد يسحب جميع القوات من سوريا، ما أدى إلى استقالة وزير دفاعه السابق جيمس ماتيس. الوجود الأميركي العسكري لم يمنع تركيا من اجتياح شمالي سوريا لفرض إرادتها ولضرب القوى الكردية. 

في مصر، تحول نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي وصل إلى السلطة في انقلاب عسكري، إلى أسوأ نظام يحكم مصر منذ الإطاحة بالنظام الملكي في 1952

بقاء الأسد في السلطة يعود للتدخل العسكري الروسي والإيراني المباشر أو من خلال الميليشيات الشيعية التي تخدم إرادة ولاية الفقيه في طهران. إسرائيل تملك الأجواء السورية، ربما بغمزة من روسيا تعكس العلاقة القوية بين نتانياهو وفلاديمير بوتين. في هذا المشهد السوري الفاجع، لا يوجد هناك لاعب عربي واحد فاعل مثل مصر أو السعودية.

إلى ليبيا

تشهد ليبيا منذ سنوات حربا أهلية تحولت أيضا إلى حرب بالوكالة. هناك جبهة الحكومة المعترف بها دوليا، والتي يبقيها على قيد الحياة التدخل العسكري التركي، المدعوم ماليا وسياسيا من قطر حيث قام البلدين بتنظيم مرتزقة من المقاتلين السوريين لاستخدامهم كوقود بشرية في مدافعهم. 

وفي الجبهة المقابلة هناك ائتلاف من روسيا ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة يدعم ما يسمى بالجيش الوطني الليبي الذي يرأسه الجنرال خليفة حفتر الذي قضى سنوات طويلة في المنفى في الولايات المتحدة خلال حكم معمر القذافي. 

روسيا تنشط عسكريا في ليبيا عبر مرتزقتها المعروفة بقوات "فاغنر" نسبة إلى الموسيقار الألماني الكبير ريتشارد فاغنر، لأن الأوليغارشي الروسي الذي أسس هذه المجموعة من المرتزقة التي نشطت في سوريا أيضا، يحب موسيقى فاغنر. 

الدور العربي في ليبيا لا يرقى إلى مستوى الدور التركي أو الروسي. كما أن الدور العربي في ليبيا هو عبارة عن حرب بالوكالة بين مصر ودولة الإمارات العربية من جهة ضد قطر المدعومة من تركيا. أيضا في هذا المشهد الليبي الحضور الأميركي شبه معدوم، على الرغم من مركزية الدور الأميركي وحلف الأطلسي في إسقاط نظام القذافي.

واليمن

الحرب في اليمن سرعان ما تحولت إلى حرب بالوكالة بين إيران من جهة، والسعودية ودولة الإمارات المتحدة من جهة أخرى. في بداية القتال لعبت القوات الإماراتية البرية دورا رئيسيا، ولكن هذا الدور انحسر في السنة الماضية. الحرب، وخاصة القصف الجوي السعودي، أدى إلى قتل آلاف المدنيين، من بينهم عدد كبير من الأطفال. ويبدو أن مستشاري الأمير الشاب وغير الملم بالتاريخ لم يطلعوه على تجربة مصر العسكرية الكارثية في اليمن أو تجارب دول أخرى حاولت وفشلت في فرض سيطرتها على اليمن وخاصة في المناطق البعيدة عن السواحل.

كيف يخدم تناحر العرب إيران وتركيا

في السنوات الماضية كتب المعلقون عن النفوذ الإيراني المتنامي في أربع دول ذات أكثرية عربية هي العراق وسوريا ولبنان، ما يعني عمليا إعطاء إيران منفذا على البحر المتوسط للمرة الأولى منذ الحروب الإغريقية ـ الفارسية التي انتهت في سنة 479 قبل الميلاد. 

في سوريا، تحول نظام بشار الأسد المتسلط والفاسد أصلا إلى طغيان مطلق حين لجأ النظام إلى القتل الجماعي للسوريين لوقف الانتفاضة الشعبية

ومنذ بداية حرب اليمن، أصبح لإيران موقعا عسكريا في شبه الجزيرة العربية. في المقابل، أعادت قطر القوات التركية إلى مياه الخليج للمرة الأولى منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية قبل أكثر من قرن. وازداد عديد القوات التركية في قطر في أعقاب احتدام النزاع المفتوح بين السعودية ودولة الإمارات والبحرين ومصر ضد قطر. هذا النزاع كان المسمار الاخير في نعش مجلس التعاون الخليجي الذي لا يمكن تصور إنقاذه بوجود الحكام الحاليين لدوله. 

وهكذا ساهمت النزاعات بين الدول العربية من الخليج إلى ليبيا وقبلها في سوريا والعراق في تعزيز دور الدول الإقليمية الثلاثة غير العربية: إيران وتركيا وإسرائيل.

 اللافت في هذا السياق، أن مخاوف الدول العربية في الخليج وتحديدا السعودية ودولة الإمارات من الطموحات الإيرانية والسلوك الإيراني الاستفزازي في دول مثل العراق واليمن وسوريا، دفع بهذه الدول إلى تعزيز علاقاتها مع إسرائيل في المجالات الأمنية والاستخباراتية، حيث يرى قادة خليجيون أن إسرائيل التي تعاديها إيران هي حليف طبيعي في المواجهة مع إيران. هذه العلاقة الحميمية الجديدة بين بعض دول الخليج العربية وإسرائيل أدت إلى انحسار التأييد الخليجي التقليدي للفلسطينيين في السنوات الماضية. إسرائيل أصبحت اليوم دولة لها دور مباشر وغير مباشر في شؤون الخليج، وهو أمر لم يكن من الممكن تخيله قبل سنوات.

هل يستمر الانكفاء الأميركي؟

استمرار أو تغير هذه الأنماط السلبية للدول العربية على العموم مرتبط، ولكن بشكل جزئي، بمن سينتخب الأميركيون رئيسا لهم في نوفمبر المقبل. إذا أعيد انتخاب دونالد ترامب لولاية ثانية، يمكن توقع استمرار هذه الأنماط لا بل تفاقهما، إذا قرر ترامب سحب جميع القوات الأميركية من العراق وسوريا وتخفيض عديدها حتى في دول الخليج. 

ولكن في حال انتخاب جوزف بايدن رئيسا، يمكن أن نتكهن بأنه سيتخذ مواقف متشددة أكثر تجاه التدخل الروسي في سوريا وليبيا، ولكن دون زج الولايات المتحدة مباشرة في هذه النزاعات. 

الرئيس الأميركي، إن كان ترامب أم بايدن لن ينقذ الدول العربية من مأزقها الراهن، أي العيش في ظل جيرانها الأقوى منها

ونظرا لوجود عدد هام من المشرعين الديمقراطيين في الكونغرس وخاصة في مجلس الشيوخ من الذين انتقدوا السعودية بعد اغتيال الصحفي جمال خاشقجي والذين دعوا إلى تعليق الإمدادات العسكرية للسعودية بسبب حربها في اليمن، يمكن أن نتوقع من بايدن موقفا سلبيا من السعودية يشمل انتقاد انتهاكات حقوق الإنسان في المملكة. 

وعلى الرغم من تأييد بايدن التقليدي لإسرائيل، إلا أنه لن يستطيع تجاهل شريحة هامة داخل الحزب الديمقراطي وخاصة مؤيدي المرشح السابق بيرني ساندرز (الذي يصف نتانياهو بالعنصري) وسوف يضطر لانتقاد إجراءات إسرائيل المتشددة ضد الفلسطينيين. 

ولكن الدولة التي سيراقب الجميع كيف سيتعامل معها بايدن في حال انتخابه هي إيران. هل سيحيي الاتفاق جزئيا أم كليا، أم سيبدأ بمفاوضات جديدة؟ من الصعب تخيل استمراره بالعمل بالعقوبات التي أعاد ترامب فرضها في 2018. ولكن هل سيربط بايدن هذه المرة (كما لم يفعل أوباما) أي اتفاق أو تفاهم جديد مع إيران بتغييرات ملموسة في سلوك إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن؟ 

الأسئلة كثيرة، لكن الرئيس الأميركي، إن كان ترامب أم بايدن لن ينقذ الدول العربية من مأزقها الراهن، أي العيش في ظل جيرانها الأقوى منها. هذه الدول العربية هي المسؤولة عن تناحرها وخلافاتها وابتعادها عن الحوكمة الرشيدة وخلق المؤسسات التمثيلية الحقيقية، واحترام حقوق الإنسان، وهي العوامل الضرورية لاستعادة سياداتها المسلوبة والبدء بتقرير مصيرها بحرية والدفاع عن مصالحها الشرعية والاعتماد على نفسها وقبول مفاهيم المساءلة وقيم الحوكمة الرشيدة وشرعيتها التي لا يمكن أن يعطيها لهم إلا شعوبهم الحرة.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.