From left: Iranian President Hassan Rouhani, Turkish President Recep Tayyip Erdogan and Russian President Vladimir Putin shake…
القمة الثلاثية بين روسيا وإيران وتركيا لبحث الوضع في سوريا في سبتمبر 2019

تؤكد معظم التطورات السياسية والميدانية في الشرق الأوسط في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين مثل الغزو الأميركي للعراق، وانهيار مفاوضات السلام بين العرب وإسرائيل، وإخفاق معظم الانتفاضات العربية، باستثناء تونس، في إسقاط الأنظمة السلطوية، تؤكد حقيقة وجود انكفاء عربي وأميركي على مستوى المنطقة بكاملها، يقابله صعود إقليمي واضح للنفوذ التركي والإيراني والإسرائيلي كما يتبين من الدور المتعاظم لهذه الدول في نزاعات سوريا والعراق وليبيا واليمن. 

وصاحب ذلك تصاعد للنفوذ الروسي منذ التدخل العسكري في سوريا في 2015 ولاحقا في ليبيا. قادة المنطقة يزورون موسكو أكثر مما يزورون واشنطن. روسيا هي في خضم الخيارات العسكرية والحلول الديبلوماسية المقترحة في سوريا وليبيا في السنوات الماضية. الولايات المتحدة في أفضل الحالات هي لاعب له دور محدود وأحيانا تتصرف واشنطن وكأنها مراقب لما يجري في منطقة كانت قبل عقود هي اللاعب الأساسي فيها. 

حتى الحشود العسكرية التي أرسلتها إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى منطقة الخليج في الأشهر الأخيرة لردع الاعتداءات الإيرانية المباشرة وغير المباشرة ضد المصالح الاقتصادية لأصدقائها في الخليج هي حشود مؤقتة، لأن الرئيس ترامب أكد في أكثر من مناسبة أنه يريد سحب معظم، إن لم نقل جميع، القوات الأميركية من جنوب آسيا (أفغانستان تحديدا) والشرق الأوسط بما في ذلك من العراق وسوريا، لتفادي الأعباء المالية الضخمة لهذا الانتشار العسكري الأميركي الذي لم يخدم المصالح الأميركية في المدى البعيد كما يرى ترامب.

الجنوح للتسلط والقمع

هذه التطورات تزامنت مع بروز نزعات وممارسات سلطوية نافرة حتى في الدول التي تحكمها أصلا أنظمة أوتوقراطية، ووصلت هذه النزعات والممارسات التسلطية والشوفينية حتى إلى الدول التي توجد فيها مؤسسات وممارسات ديمقراطية مثل تركيا وإسرائيل. خلال السنوات الماضية وضع رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو إسرائيل على طريق أوتوقراطي شوفيني على حساب حقوق المواطنين الإسرائيليين العرب، على خلفية حملة شنها مع اليمين المتطرف والديني ضد التيارات الليبرالية والصحافة. 

في تركيا، فرّغ الرئيس طيب رجب إردوغان المؤسسات التركية من مضمونها الديمقراطي المحدود، وشنّ حملة ترهيب ضد منتقديه في الصحافة والمجتمع المدني، وغالى في انتهاكاته للحقوق المدنية والسياسية لأولئك الذين تجرأوا على انتقاده وخاصة في أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة في 2016.

ساهمت النزاعات بين الدول العربية من الخليج إلى ليبيا وقبلها في سوريا والعراق في تعزيز دور الدول الإقليمية الثلاثة غير العربية: إيران وتركيا وإسرائيل

في مصر، تحول نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي وصل إلى السلطة في انقلاب عسكري، إلى أسوأ نظام يحكم مصر منذ الإطاحة بالنظام الملكي في 1952. خلال السنوات الأخيرة للرئيس حسني مبارك، ومنذ الإطاحة به ومصر مشغولة بمشاكلها الداخلية: التصدي للتحدي العسكري والإرهابي للجماعات الإسلامية المتطرفة في شبه جزيرة سيناء، وقمع الأصوات المنادية بإصلاح سياسي في الداخل المصري. 

هذه السلطوية الداخلية في مصر مشت يدا بيد مع الانحسار السريع لنفوذ مصر الإقليمي. مصر اليوم عاجزة عن تحرير سيناء، أو التأثير بشكل فعال على قطاع غزة، أو التأثير بالعمق على التطورات الليبية، كما لا تعرف القاهرة حتى الآن كيف ستتعامل مع التحدي الكبير الذي يمثله لها سد النهضة في أثيوبيا اقتصاديا وحتى وجوديا.

في السعودية أوصل ولي العهد الجديد محمد بن سلمان انتهاكات حقوق الإنسان إلى مستويات غير معهودة، بما في ذلك السجن الاعتباطي لناشطات في مجال حقوق الإنسان وتعذيبهن، واعتقال أفراد من العائلة المالكة وعدد من كبار رجال الأعمال وإرغامهم ـ باسم مكافحة الفساد ـ على دفع مبالغ كبيرة للخزينة التي يسيطر عليها، وهو الذي اشترى يختا بقيمة نصف مليار دولار وقصرا فخما في فرنسا ثمنه 300 مليون دولار. 

تهور ولي العهد الشاب دفعه لتوريط بلاده في أبشع وأخطر حرب منذ تأسيسها حين اعتقد ساذجا أن شنّ حرب جوية عشوائية ضد أعدائه الحوثيين في اليمن سيحقق أهدافه. الحوثيون الذين سلحتهم إيران لاستنزاف السعودية ودولة الإمارات، أصبحوا أكثر اعتمادا على إيران في السنوات الماضية وأظهروا احتقارا لحقوق المدنيين مماثلا لاحتقار السعوديين. 

الغزو الأميركي للعراق الذي أراده جورج بوش الابن أن يخلق دولة تمثيلية ومدنية تحترم الحقوق الأساسية لمواطنيها، أصبح أكثر من أي وقت مضى خاضعا للمحاصصة الطائفية والاثنية والمذهبية، حيث تهيمن عليه ميليشيات بعضها يدين بالولاء السافر لإيران، وطبقة سياسية ـ دينية فاسدة ومتسلطة.

في سوريا، تحول نظام بشار الأسد المتسلط والفاسد أصلا إلى طغيان مطلق حين لجأ النظام إلى القتل الجماعي للسوريين لوقف الانتفاضة الشعبية. نجحت الانتفاضتان الشعبيتان في السودان والجزائر بالإطاحة برأسي نظامين متسلطين وفاسدين، ولكن التخلص من البنى التحتية الفاسدة والمتسلطة للنظامين هي مسألة أخرى. هذه بعض الأمثلة عن جنوح بعض الدول العربية للتسلط والطغيان.

من سوريا

مأساة سوريا، أظهرت بشكل سافر ومخجل انهيار النفوذ العربي والأميركي في وجه النفوذ الروسي والإيراني والتركي والإسرائيلي. الرئيس السابق باراك أوباما أخفق في تنفيذ تهديده بالتدخل إذا اجتاز نظام الأسد الخطوط الحمر التي رسمها أوباما وأهمها استخدام السلاح الكيماوي. الرئس ترامب كاد يسحب جميع القوات من سوريا، ما أدى إلى استقالة وزير دفاعه السابق جيمس ماتيس. الوجود الأميركي العسكري لم يمنع تركيا من اجتياح شمالي سوريا لفرض إرادتها ولضرب القوى الكردية. 

في مصر، تحول نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي وصل إلى السلطة في انقلاب عسكري، إلى أسوأ نظام يحكم مصر منذ الإطاحة بالنظام الملكي في 1952

بقاء الأسد في السلطة يعود للتدخل العسكري الروسي والإيراني المباشر أو من خلال الميليشيات الشيعية التي تخدم إرادة ولاية الفقيه في طهران. إسرائيل تملك الأجواء السورية، ربما بغمزة من روسيا تعكس العلاقة القوية بين نتانياهو وفلاديمير بوتين. في هذا المشهد السوري الفاجع، لا يوجد هناك لاعب عربي واحد فاعل مثل مصر أو السعودية.

إلى ليبيا

تشهد ليبيا منذ سنوات حربا أهلية تحولت أيضا إلى حرب بالوكالة. هناك جبهة الحكومة المعترف بها دوليا، والتي يبقيها على قيد الحياة التدخل العسكري التركي، المدعوم ماليا وسياسيا من قطر حيث قام البلدين بتنظيم مرتزقة من المقاتلين السوريين لاستخدامهم كوقود بشرية في مدافعهم. 

وفي الجبهة المقابلة هناك ائتلاف من روسيا ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة يدعم ما يسمى بالجيش الوطني الليبي الذي يرأسه الجنرال خليفة حفتر الذي قضى سنوات طويلة في المنفى في الولايات المتحدة خلال حكم معمر القذافي. 

روسيا تنشط عسكريا في ليبيا عبر مرتزقتها المعروفة بقوات "فاغنر" نسبة إلى الموسيقار الألماني الكبير ريتشارد فاغنر، لأن الأوليغارشي الروسي الذي أسس هذه المجموعة من المرتزقة التي نشطت في سوريا أيضا، يحب موسيقى فاغنر. 

الدور العربي في ليبيا لا يرقى إلى مستوى الدور التركي أو الروسي. كما أن الدور العربي في ليبيا هو عبارة عن حرب بالوكالة بين مصر ودولة الإمارات العربية من جهة ضد قطر المدعومة من تركيا. أيضا في هذا المشهد الليبي الحضور الأميركي شبه معدوم، على الرغم من مركزية الدور الأميركي وحلف الأطلسي في إسقاط نظام القذافي.

واليمن

الحرب في اليمن سرعان ما تحولت إلى حرب بالوكالة بين إيران من جهة، والسعودية ودولة الإمارات المتحدة من جهة أخرى. في بداية القتال لعبت القوات الإماراتية البرية دورا رئيسيا، ولكن هذا الدور انحسر في السنة الماضية. الحرب، وخاصة القصف الجوي السعودي، أدى إلى قتل آلاف المدنيين، من بينهم عدد كبير من الأطفال. ويبدو أن مستشاري الأمير الشاب وغير الملم بالتاريخ لم يطلعوه على تجربة مصر العسكرية الكارثية في اليمن أو تجارب دول أخرى حاولت وفشلت في فرض سيطرتها على اليمن وخاصة في المناطق البعيدة عن السواحل.

كيف يخدم تناحر العرب إيران وتركيا

في السنوات الماضية كتب المعلقون عن النفوذ الإيراني المتنامي في أربع دول ذات أكثرية عربية هي العراق وسوريا ولبنان، ما يعني عمليا إعطاء إيران منفذا على البحر المتوسط للمرة الأولى منذ الحروب الإغريقية ـ الفارسية التي انتهت في سنة 479 قبل الميلاد. 

في سوريا، تحول نظام بشار الأسد المتسلط والفاسد أصلا إلى طغيان مطلق حين لجأ النظام إلى القتل الجماعي للسوريين لوقف الانتفاضة الشعبية

ومنذ بداية حرب اليمن، أصبح لإيران موقعا عسكريا في شبه الجزيرة العربية. في المقابل، أعادت قطر القوات التركية إلى مياه الخليج للمرة الأولى منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية قبل أكثر من قرن. وازداد عديد القوات التركية في قطر في أعقاب احتدام النزاع المفتوح بين السعودية ودولة الإمارات والبحرين ومصر ضد قطر. هذا النزاع كان المسمار الاخير في نعش مجلس التعاون الخليجي الذي لا يمكن تصور إنقاذه بوجود الحكام الحاليين لدوله. 

وهكذا ساهمت النزاعات بين الدول العربية من الخليج إلى ليبيا وقبلها في سوريا والعراق في تعزيز دور الدول الإقليمية الثلاثة غير العربية: إيران وتركيا وإسرائيل.

 اللافت في هذا السياق، أن مخاوف الدول العربية في الخليج وتحديدا السعودية ودولة الإمارات من الطموحات الإيرانية والسلوك الإيراني الاستفزازي في دول مثل العراق واليمن وسوريا، دفع بهذه الدول إلى تعزيز علاقاتها مع إسرائيل في المجالات الأمنية والاستخباراتية، حيث يرى قادة خليجيون أن إسرائيل التي تعاديها إيران هي حليف طبيعي في المواجهة مع إيران. هذه العلاقة الحميمية الجديدة بين بعض دول الخليج العربية وإسرائيل أدت إلى انحسار التأييد الخليجي التقليدي للفلسطينيين في السنوات الماضية. إسرائيل أصبحت اليوم دولة لها دور مباشر وغير مباشر في شؤون الخليج، وهو أمر لم يكن من الممكن تخيله قبل سنوات.

هل يستمر الانكفاء الأميركي؟

استمرار أو تغير هذه الأنماط السلبية للدول العربية على العموم مرتبط، ولكن بشكل جزئي، بمن سينتخب الأميركيون رئيسا لهم في نوفمبر المقبل. إذا أعيد انتخاب دونالد ترامب لولاية ثانية، يمكن توقع استمرار هذه الأنماط لا بل تفاقهما، إذا قرر ترامب سحب جميع القوات الأميركية من العراق وسوريا وتخفيض عديدها حتى في دول الخليج. 

ولكن في حال انتخاب جوزف بايدن رئيسا، يمكن أن نتكهن بأنه سيتخذ مواقف متشددة أكثر تجاه التدخل الروسي في سوريا وليبيا، ولكن دون زج الولايات المتحدة مباشرة في هذه النزاعات. 

الرئيس الأميركي، إن كان ترامب أم بايدن لن ينقذ الدول العربية من مأزقها الراهن، أي العيش في ظل جيرانها الأقوى منها

ونظرا لوجود عدد هام من المشرعين الديمقراطيين في الكونغرس وخاصة في مجلس الشيوخ من الذين انتقدوا السعودية بعد اغتيال الصحفي جمال خاشقجي والذين دعوا إلى تعليق الإمدادات العسكرية للسعودية بسبب حربها في اليمن، يمكن أن نتوقع من بايدن موقفا سلبيا من السعودية يشمل انتقاد انتهاكات حقوق الإنسان في المملكة. 

وعلى الرغم من تأييد بايدن التقليدي لإسرائيل، إلا أنه لن يستطيع تجاهل شريحة هامة داخل الحزب الديمقراطي وخاصة مؤيدي المرشح السابق بيرني ساندرز (الذي يصف نتانياهو بالعنصري) وسوف يضطر لانتقاد إجراءات إسرائيل المتشددة ضد الفلسطينيين. 

ولكن الدولة التي سيراقب الجميع كيف سيتعامل معها بايدن في حال انتخابه هي إيران. هل سيحيي الاتفاق جزئيا أم كليا، أم سيبدأ بمفاوضات جديدة؟ من الصعب تخيل استمراره بالعمل بالعقوبات التي أعاد ترامب فرضها في 2018. ولكن هل سيربط بايدن هذه المرة (كما لم يفعل أوباما) أي اتفاق أو تفاهم جديد مع إيران بتغييرات ملموسة في سلوك إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن؟ 

الأسئلة كثيرة، لكن الرئيس الأميركي، إن كان ترامب أم بايدن لن ينقذ الدول العربية من مأزقها الراهن، أي العيش في ظل جيرانها الأقوى منها. هذه الدول العربية هي المسؤولة عن تناحرها وخلافاتها وابتعادها عن الحوكمة الرشيدة وخلق المؤسسات التمثيلية الحقيقية، واحترام حقوق الإنسان، وهي العوامل الضرورية لاستعادة سياداتها المسلوبة والبدء بتقرير مصيرها بحرية والدفاع عن مصالحها الشرعية والاعتماد على نفسها وقبول مفاهيم المساءلة وقيم الحوكمة الرشيدة وشرعيتها التي لا يمكن أن يعطيها لهم إلا شعوبهم الحرة.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.