Lebanese riot police stand guard in front of protesters during a demonstration in central Beirut, on June 6, 2020. - Protesters…

لا جشع يفوق جشع الطبقة السياسية في لبنان، ولا وقاحة تنافس وقاحتها. البلد على شفير الانهيار، والدولار بدأ يتجاوز الخمسة آلاف ليرة، والجوع على الأبواب، وفي هذا الوقت يجتمع مجلس الوزراء ويقر تعيينات مالية يتوزع فيها أطراف السلطة، من أحزاب الفساد والارتزاق، الحصص، وتجري مشادات بينهم على المناصب والمغانم، فيما اللبنانيون يتحضرون لمعاودة النزول إلى الشارع.

العالم يراقب لمعرفة مدى التزام الحكومة بالشروط الإصلاحية، لكن هذا الأمر ليس مهما، فالأهم منه أن يعين جبران باسيل مقربين منه في المناصب العليا، وأن يفوز وزير المالية بمقعد لقريبه، وأن يعين رئيس الحكومة قاضية مشكوك بنزاهتها في مديرة عامة. 

هذا المشهد هو ما تقترحه السلطة في لبنان على صندوق النقد الدولي لاستدراجه لمساعدتنا. الناس بدأت تجوع فيما جبران باسيل يطل علينا بابتسامته المعهودة ويقول إن التعيينات انتصار للجمهورية، فيما يقترح مساعد له أن يلجأ اللبنانيون إلى اقتناء طيور الفري لتعويض الغذاء المفقود من بيضها! هذه ليست نكتة، هذا ما قاله أحد عباقرة التيار الوطني الحر.

العونية هي رذيلة "حزب الله" الثانية بعد رذيلة السلاح. ما كانت العونية لتتدفق على حياتنا العامة والخاصة من دون دفع "حزب الله" لها إلى وجوهنا. لولا الحزب لكانت العونية عارضا يمكن ضبطه في حدود الارتكاب وفي حدود المفارقة الكوميدية التي تولدها. "حزب الله" جعل منها حقيقة ممكنة وثقيلة. 

الحزب يؤمن نصابا سياسيا وطائفيا لهذا السلاح عبر شبكة أمانٍ عمادها أحزاب فاسدة تولت وتتولى السطو على الدولة وعلى مدخرات اللبنانيين

موضوع بيض الفري مثلا كان يمكن أن يكون نكتة، لكنه اليوم صادر عن جهة تعني ما تقول، وتنفذ ما تقول. التعيينات فضيحة فعلا، لكنها انتصار لجبران باسيل أيضا، واستقلال القضاء شعار الرئيس ميشال عون، لكن وقف التعيينات القضائية المستقلة من صلاحياته أيضا. يستقيم الأمر وعكسه مثلما يستقيم بيض الفري غذاء لشعب على شفير الجوع!

لكننا سائرون إلى الهاوية بخطى حثيثة، فبماذا يفكر هؤلاء؟ بماذا يفكر "حزب الله" في الوقت الذي ستكون فيه دولته أمام مصير مجهول فعلا؟ هل ما زال يعتقد أنه من الممكن الاستمرار بسياسة دفع الرشاوى لحلفائه من جيوب اللبنانيين لقاء صمتهم على سلاحه؟ ماذا ستكون وظيفة هذا السلاح، وعلى من سيمارس سطوته ونفوذه؟

الصلافة هي المضمون الوحيد للسياسة في لبنان. الفساد صار شأنا عاديا، ولم يعد مجديا أن نفسر به لوحده ارتكابات السلطة. الفساد هنا كشف عن وجهه وقال: ها أنا، لا أخجل من نفسي ولا أدعي شيئا آخر. التعيينات الإدارية الأخيرة شملت أكثر من عشر مواقع في الإدارة، جميع المعينين هم رجالات أهل السلطة ممن سبق أن سرقوا ودائع اللبنانيين وسطو على الهبات الدولية، وهم أنفسهم من ارتفعت أسماءهم وصورهم في تظاهرات السابع عشر من أكتوبر بصفتهم شياطين الجمهورية ولصوصها.

ماذا يمكن أن يقول المرء حيال ما جرى سوى أن يطلق الشتائم. الفضيحة أكبر من أن تُدارى، وأصحابها أصلا غير مكترثين لمداراتها. هذا ما يعود ويفسر ذلك المخزون الهائل من الشتائم الذي شهدته الانتفاضة اللبنانية، ذاك أن اللبنانيين حيال مشهد لا سياسة فيه، وليس ثمة من يرغب بمراوغتهم. هو يقول لهم السلطة لي وسأفعل ما أشاء، وسأواصل سرقتكم تحت ناظريكم. وحيال هذه الحقيقة لا حول لنا ولا قوة سوى أن نبدع مزيدا من الشتائم وأن نحول غيضنا إلى طاقة صراخية نعالج عبرها هذه الغصة وهذا الضيق.

العونية هي رذيلة "حزب الله" الثانية بعد رذيلة السلاح. ما كانت العونية لتتدفق على حياتنا العامة والخاصة من دون دفع "حزب الله" لها إلى وجوهنا

لقد أصبحت المعادلة واضحة. العالم غير قابل بـ"حزب الله" وبدوره وبطغيانه، وباشر إجراءات عقابية بحق الحزب وبحق دولته، فيلجأ الحزب إلى جبران باسيل، يعطيه ما يرغب من مناصب ومن معامل لتوليد الكهرباء ومن حماية. وباسيل الذي يعرف تماما قيمة ما يعطيه، يذهب في غطرسته إلى أقصاها، وأحيانا يشطب وجه الحزب من دون أن يُعمق الجرح، على نحو ما فعل في قضية عامر الفاخوري، فالرجل "عرف قيمته وتدلل".

النتيجة الوحيدة لدورة البؤس هذه هي أننا ندفع فاتورة سلاح "حزب الله" كل يوم، وعند كل منعطف، وليس فقط في ساحات المواجهة المباشرة بين الجماعات المذهبية وفي الشوارع. فالحزب يؤمن نصابا سياسيا وطائفيا لهذا السلاح عبر شبكة أمانٍ عمادها أحزاب فاسدة تولت وتتولى السطو على الدولة وعلى مدخرات اللبنانيين، وهي غير مستعدة للمساومة على هذه المهمة حتى لو أراد الحزب ذلك. القرائن على ذلك تتزايد كل يوم. كف الحزب عن استهداف رياض سلامة، وقبل بمعمل سلعاتا ومرر التعيينات الإدارية والمالية، وأعلن جبران باسيل انتصاره في تصريح واضح وغير ملتبس.

وفي مقابل هذه الفضائح استنفر الحزب بيئته المذهبية في مواجهة "الراغبين بنزع سلاحه"، وبدءا من اليوم سينطوي أي اعتراض أو احتجاج على فضيحة فساد على نية بنزع السلاح.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.