الفجور في شرطي يدهس بركبته عنق رجل مكبّل اليدين ملقى على بطنه، عاجز عن الحركة. جورج فلويد. "اذكروا اسمه"، كما يليق، وكما يطلب المحتجون.
الفاجر يلقي بثقله لدقائق طويلة معترضا الأنفاس الصعبة للرجل المطروح أرضا إذ يشتكي، يستغيث، يتأوه، ينادي.
الفاجر لا يعبأ. صرخة يأس من جورج تستجدي حنان أم سبقته بالرحيل، ثم يلفظ الروح. الفاجر يقف منتصبا متغطرسا متبسّما، ويركب سيارته ويغادر، وكأن الأمر مجرد أداء للوظيفة.
الرجاء في شاب لا يظهر وجهه، ولكن الإصرار في صوته جلي لمن يسمعه: "ارفع ثقلك عنه يا أخي، أنت تقتله يا أخي، هو عاجز عن الحركة يا أخي، هو لا يتنفس يا أخي، كفى تعجرفا يا أخي، لقد أرديته يا أخي".
الرجاء في شابة ("بيضاء") تظهر لومضة "هذا لا يجوز، لن نسكت عن هذا الظلم". وفي شابة سمراء تمسك الهاتف، تصوّر، تصارع الدموع والخوف، تتراجع عند التهديد، ثم تعود، وتثابر، لتسجّل شهادة تنقل ألم جورج فلويد وكلماته الأخيرة إلى العالم أجمع.
الفجور في أقوال رئيس البلاد. قديمها وجديدها. ثم في صمته، ثم في أفعاله، ثم في كلامه.
الفجور، في مطلع عهده، في حفل ضمّ من رجال الشرطة ونسائها الجمع الغفير. "لا تفرطوا في الرقّة. أراكم تضعون يدكم على رؤوسهم إذ تدخلونهم السيارات مكبّلين، كي لا يرتطم الرأس بحافة الباب. دعكم من هذا!". الفجور في قهقهة الحضور. ربما أن القاتل الداهس للعنق لم يكن من هذا الحضور بشخصه. ولكن كلام رئيسه جاء مؤكدا لسلوك متكرر في سلكه. هو ومن على شاكلته لا يفرطون بالرقة قط، بل يتصرفون على أن التجاوز بحق أصحاب البشرة السمراء جائز.
الفجور بانشغال بعض الأوساط الإعلامية بمتابعة المجريات وكأن الحدث هو أعمال الشغب، لا طفح الكيل إزاء القتل المتكرر للمواطنين من أصول أفريقية
الفجور في أقوال هذا الرئيس، اليوم وسط الحريق، في الإمعان بالمناكفات. "عمدة مدينة فاشل، من الحزب الآخر، كان عليه..." فعل كذا وكذا، عن مسؤول يبذل جهده لإنقاذ مدينته. كلام عن حسن الأداء؟ فاقد الشيء لا يعطيه.
الفجور في الاستئساد. "عندما يبتدئ النهب، يبتدئ الرمي بالرصاص". والتهويل. سوف نواجه "الزعران" إذا اقتربوا من سور البيت الأبيض بـ "كلاب شرسة وأسلحة فتاكة". في هذا القول وذاك استرجاع لممارسات وأقوال عنصرية من الماضي القبيح. "الرئيس لم يكن يعلم. الرئيس لم يقصد"، قال اعتذاريوه. طبعا لا، وإلا كان الأمر دناءة في القول وجبن في التنصل الكاذب منه. على أي حال، لا جديد في هذه الإصدارات الأخيرة من رئيس يستفيض بأمثالها، ولا حاجة إلى الاستغراب، والتفريط مستمر باللياقة والأدب والاتزان في الخطاب العام.
الفجور، على مدى أسبوع كامل، في صمت الرئيس فيما البلاد تحترق. تغريداته لا تترك شاردة وواردة من أخبار الفنانين، لا توفّر الخزعبلات على اختلاف أنواعها، وتكافئ هفوات الخصوم مهما صغرت بأكيال الشتائم، وتجد من جوامع الكلم والدرر ما يثري العظائم والتوافه من المواضيع. أما أن تمرّ البلاد بهذه المرحلة الخطيرة، فالصمت المدوي لأيام طويلة. ثم كلام استفزازي صاحبته أفعال خطيرة.
"أنا حليف المتظاهرين السلميين"، قالها مساء الاثنين، فيما هو أرسل القوات المسلحة لتفريق المتظاهرين السلميين عينهم، بالهراوات والدروع والغاز المسّل للدموع، في جوار البيت الأبيض، ليخرج ويسير إلى كنيسة قريبة، يحمل الكتاب المقدس أمامها، تلتقط له الصور، ويعود أدراجه.
فجور في استدعاء القوات المسلحة لمهام أمنية داخلية خلاف الأعراف السياسية الراسخة. فجور في التعدي على التعديل الدستوري الأول في اعتراض حق المتظاهرين السلميين بالتجمع والتعبير عن رأيهم. فجور في توظيف الكتاب المقدس والكنيسة لصورة تستجدي أصوات الناخبين المتدينين. فجور في تجاهل الألم.
الرجاء في موقف مسؤول أمني في ولاية مينيسوتا، تولت مفرزته حماية الممتلكات العامة والخاصة بعد ليلة من النهب والإحراق. وصل المتظاهرون في اليوم التالي إلى الحاجز الأمني الذي أقامه، وراحوا يهتفون "استمع إلينا، انضم إلينا". هكذا فعل. استمع إليهم، ثم انضم إليهم، رفع الحاجز وسار معهم للمطالبة بوضع حد للإفراط باستعمال القوة من جانب السلطات، مدركا أن السبيل إلى تنفيذ مهمته بحماية الممتلكات ليست باستعداء أصحاب الحق.
الرجاء في شابة ("بيضاء") تظهر لومضة "هذا لا يجوز، لن نسكت عن هذا الظلم"
الرجاء كذلك في سلوك قائد الشرطة في ولاية مينيسوتا، حيث قتل جورج فلويد. هو اتخذ الإجراء الفوري بفصل رجال الشرطة المتورطين بالحادثة، معوّلا على الادعاء العام لتوقيفهم. وتوجه بنفسه إلى ساحة الجريمة، مستطلعا المواطنين، ومؤكدا حرصه على تحقيق العدالة. القاتل قد أوقف للتوّ، ويبقى على السلطات اتهام الآخرين الذين تخلفوا عن واجبهم بحماية المواطن.
الفجور بالاستهجان المنافق الذي يشتكي من تحول الحراك الاحتجاجي إلى أعمال شغب. والفجور بانشغال بعض الأوساط الإعلامية بمتابعة المجريات وكأن الحدث هو أعمال الشغب، لا طفح الكيل إزاء القتل المتكرر للمواطنين من أصول أفريقية.
المواطن من هذه الأصول في هذه البلاد متهم بلون بشرته، وعرضة لأن يقتل عند أي تجاوز. في الأسابيع القليلة الماضية، أحمد آربري تصيّده بضعة رجال وأودوه صريعا، لاشتباه مزعوم، بل كاذب مختلق، بأنه متورط بسطو أحد المنازل، لتطمس الشرطة القضية وتعتمد رواية القتلة عند إبلاغ أهله فجيعتهم بولدهم. والأقرب إلى الحقيقة هو أنه لم يرُقْ للقتلة أن يعدو هذا الأسود في أحيائهم البيضاء.
ثم المسعفة بريانا تايلور، والتي انهمر عليها وابل رصاص الشرطة، فقتلت وهي راقدة في سريرها، إذ اقتحم رجال الشرطة منزلها لتنفيذ مذكرة تفتيش تبيّن أنها معتلة أو ربما باطلة، ليصطدموا بصديقها المسلح. ماتت بريانا بفعل استهتار من جانب الشرطة مرّ مرور الكرام.
خلاف بسيط في إحدى الحدائق العامة بين شاب ("أسود") وشابة ("بيضاء")، إذ طالبها، بناءً على التعليمات المنشورة، أن تمسك رباط كلبها لتمنعه من الإضرار بالنبات في ذاك الركن من الحديقة، أو الذهاب به إلى المكان المفتوح للكلاب كي تعدو. ساء الشابة أن يتوجه إليها الشاب بالملاحظة. لا بأس بذلك طبعا. بل ربما شعرت ببعض التهديد في كلامه، وهددت بالاتصال بالشرطة. ولا بأس بذلك أيضا. على أن تهديدها، ثم اتصالها وكلامها للشرطة يكشف عن عمق تأصل التمييز العرقي في بيئتها.
الرجاء هو أن تفتح قضية جورج فلويد المسألة العرقية في الولايات المتحدة على مصراعيها، للمعالجة المجدية بغية تحقيق مجتمع المساواة المنشود
"سوف أتصل بالشرطة وأبلغهم بأنه ثمة رجل أفريقي أميركي يهددني". ربما قد تحتاج الشابة إلى إدراج هوية الشاب العرقية عند وصفه للشرطة. طويل أو قصير، بدين أو هزيل، ملابس عمل أو ملابس رياضة، أبيض أو أسود، وغير ذلك من العلامات الفارقة كي تتمكن الشرطة من تحديده، على افتراض أن في الأمر اعتداء أو جريمة. ما الذي يدعو هذه الشابة، عند تحذيرها للشاب في هذه المواجهة إلى التنبيه في كلامها معه إلى الجانب العرقي؟ هو إدراكها، وإدراك عموم المجتمع إجمالا دون اعتراض، على أن العلاقة ليست مستقيمة بين الشرطة و "الرجال الأفارقة الأميركيين". كلام الشابة "البيضاء" للشاب "الأسود" لم يكن تنبيها بأنها سوف تحتكم إلى الشرطة لضمان ما تعتبره حقها، بل تهديد بأنها سوف تستعمل الشرطة لضربه.
الميل القائم لإن تفرط الشرطة بملاحقة "السود" عرضي وغير ذي أهمية كبيرة بالنسبة للعموم. ليس كذلك بالنسبة للأفارقة الأميركيين، إذ أن هذا "الميل" يترجم موتا في حالات كثيرة، وشعورا بالخطر الدائم في جميع الحالات.
شعار "حياة السود ذات شأن"، والذي غالبا ما يواجهه المتململون بـ "حياة الجميع ذات شأن"، بل الذي يعترض عليه من يريد أن يلصق بالأفارقة الأميركيين تهمة الإجرام المزمن "حياة الزرق ذات شأن" (الإشارة هنا هو إلى البدلات الزرقاء التي يرتديها رجال الشرطة)، ليس وحسب مجرد اعتراض على حالات القتل، والتي تبقى معدودة كما، بل هو رفض للأمر الواقع أن التعامل مع الأسود والأبيض في الولايات المتحدة ليس مبنيا على المساواة.
في ولاية مينيسوتا نفسها، في ماضٍ قريب، كان ثمة شرطي من أصول صومالية، محمد نور، نال تقدير المؤسسة والمجتمع للإخلاص في الخدمة والتفاني في الأداء. محمد نور "الأسود" ارتكب خطأً فادحاً خلال الاستجابة لاتصال بالطوارئ، إذ أطلق النار دون العناية المطلوبة، توهما منه أن زميله في خطر، وأودى بحياة امرأة "بيضاء". لم يدهس عنقها بركبته، لم يمعن بالأذى، كان خطؤه للحظة قاتلة وحسب. على أنه أوقف على الفور، وحكم عليه بالسجن لأعوام طويلة. أما القاتل "الأبيض" لجورج فلويد "الأسود"، فمعاملته أكثر اعتبارا. يفصل من عمله ثم تمضي الأيام قبل الاعتقال، وبتهمة مخففة، بل مع تقرير طبي يتجاهل بعض التفاصيل التي تؤكد إدانته.
الرجاء هو أن تفتح قضية جورج فلويد المسألة العرقية في الولايات المتحدة على مصراعيها، للمعالجة المجدية بغية تحقيق مجتمع المساواة المنشود.
هذه البلاد هي الوليدة الأولى للأنوار، التصور الفكري الذي أرسى في القرن الثامن عشر الأصول التي لا تزال هي عماد الإطار الحضاري العالمي اليوم. الحياة، الحرية، الكرامة، المساواة، التعاضد، الحق بالملكية، الحق بطلب السعادة.
ولكن الولايات المتحدة هي أيضا وليدة العصبية الذاتية، بما تنضوي عليه من استعلاء وتغليب للجماعة الذاتية، هي هنا "البيض" القادمين من أوروبا، وإسقاط للآخرين، ولا سيما "السود". والعصبية الذاتية، عرقية دينية لغوية لا فارق، كانت ولا تزال أساس البنية الذهنية لمعظم المجتمعات والنظم الفكرية والدينية.
اجتهدت الولايات المتحدة، ومعها الكثير من الدول الغربية، في سعيها إلى الارتقاء من واقع العصبية الذاتية الفجة إلى مُراد العالمية التي لا تنكر الذات دون أن تسقط الآخر
الآباء المؤسسون للولايات المتحدة اعتنقوا من حيث المبدأ قيم الأنوار، ولكنهم بقوا من حيث الممارسة على مسافة كبيرة من تمام تطبيقها. جورج واشنطن، الرئيس الأول للولايات المتحدة، كما توماس جفرسون، المنظّر الأول للدستور والناشط لإرساء قيم الأنوار، هذا وذاك كانا من أسياد المستعبدين. هذا وذاك كانا يملكان بشر. وقد انكشف أن جفرسون "وطأ" إحدى النساء من رقيقه.
لقد اجتهدت الولايات المتحدة، ومعها الكثير من الدول الغربية، في سعيها إلى الارتقاء من واقع العصبية الذاتية الفجة إلى مُراد العالمية التي لا تنكر الذات دون أن تسقط الآخر. ولا يمكن للنجاح في هذا المسعى إلا أن يكون تدريجيا، وأن يكون عرضة للتقدم المجدي، كما للإفراط بالدفع قدما، وللانتكاس، وللتراجع.
فهل إن الانسحابات التي تعمد إليها الإدارة الحالية من مسؤولياتها العالمية، معاهدات ومنظمات وأحلاف، بما في ذلك اللجوء إلى القوة الغالبة في فرض تحقيق المصلحة الذاتية، وهل إن تغاضي أوساط محافظة عدة، على ما هي عليه من أخلاقية معلنة، عن السقطات المتوالية قولا وفعلا للرئيس الحالي، هي في النهاية تصحيح مطلوب لإفراط قد حصل، أم تراجع خاطئ عن تقدم كان الأجدى التمسك به؟ الحكم على النجاح والفشل هنا غالبا ما يأتي مشوبا باعتبارات الهوى والرأي، والجواب يتطلب مسافة زمنية. على أنه ما يفرضه الحراك الحاصل للتوّ، وما يصاحبه من أعمال شغب تكشف عن عمق الهوة بالثقة بالنظام الاجتماعي في أوساط عدة، هو خوض المسألة العرقية دون تحفظ، دون مسلمات، ودون مقدسات. عسى أن يكون ذلك.
يبقى على الهامش بعض الفجور، وهو غير ذي أهمية البتة بالنسبة للولايات المتحدة بذاتها، وإن التفتت إليه القلة الناطقة بالعربية فيها، هو في الشماتة والتشفي وفي الأدعية بالمزيد من البلوى صادرة من المحيطين العربي والإسلامي. ليت هذا النشاز يزول، وليت أصحابه يفوزون ببعض الارتقاء.

