A man wearing a face mask walks on Tiananmen Square in front of the Great Hall of the People following the coronavirus disease …
مواطن صيني في ساحة تيانانمين

لا يُمارِي أيُّ مُرَاقِب/ مُحلّل، ومهما كان توافقيا في المنحى العام لتصوراته، في الجزم بأن النموذج الصيني يقف على الضد من الغرب، وليس فقط على الضد من النموذج الغربي. فإذا كان الغرب ـ كما أعتقد ـ لا يعادي الصين من حيث هي آخر، أو حتى من حيث هي منافس محتمل؛ بقدر ما يعاديها من حيث هي نموذج للقيم/ المبادئ الإنسانية المضادة، فإن الصين تعادي الغرب من حيث هو آخر قبل أن تعاديه من حيث هو الممثل الحي للقيم/ المبادئ المضادة لثقافة الأنا/ النموذج الصيني.

تشترك الرؤية الصينية مع الرؤية العربية في كراهية الغرب في مستويين متعاضدين؛ حتى وإن كان أحدهما يتقدم على الآخر: كراهية الغرب لذاته أولا، وكراهية الغرب كنموذج ثانيا. كراهية أولى يُغذِّيها الجرح النرجسي النازف، وما يتبعه أو يُحايِثه من حسد وحقد يتصاعد بالاطراد مع مستوى تصاعد التفوق الغربي، وكراهية ثانية تغذيها الاختلافات الثقافية التي تجد متعيناتها الواقعية في الموقف من جملة مبادئ، لعل أهمها: الموقف من حقوق الإنسان ومن الحرية ومن الفردانية ومن الديمقراطية ومن الاستبداد: السياسي والمجتمعي والأُسَري.

نظرية المؤامرة التي يمتهن الشرقي توظيفها ضد الآخر الغربي هي فرع على أصل الموقف الضدي العام من الغرب. يلاحظ الباحث العربي الكبير/ جورج طرابيشي أن أبرز القادة والمفكرين الآسيويين يتهمون الغرب بأنه هو من حاك "المؤامرة" المتمثلة في الأزمة الاقتصادية الآسيوية التي تعرضت لها النمور الآسيوية عام 1997، ويرى أن فكرة "المؤامرة" ذاتها تُعاود الظهور في كل مرة تُمنى فيها تجربة تاريخية بالفشل، وفي كل مرة يراد فيها إلقاء تبعة هذا الفشل على عاتق الآخر.

لن تكون "حياة الصيني" هي حلم الإنساني الغربي؛ بمقدار ما "حياة الغربي" هي حلم الإنسان الصيني

من المهم هنا التنبيه على أن هذه الملاحظة التي ذكرها جورج طرابيشي جاءت في بحث/ مقال صغير، مُكثّف، بعنوان: "عداء الغرب في الخطاب الآسيوي" نشره في كتابه (هرطقات، ج1ـ ص175). وفي هذا البحث قَارَب طرابيشي "ظاهرة العداء الشرقي للغرب" في مسار مزدوج/ مقارن ما بين "الحالة الشرق أقصوية" و"الحالة العربية" على أكثر من صعيد، وإن كانت الحيرة التي تتلبس السلوك الجمعي ما بين كراهية الغرب، والإعجاب بتقدم هذا العدو الغربي.

ربما كان أهم ما في مقاربة طرابيشي هو تعرية محاولة الثقافة الشرقية ـ على لسان أهم رموزها السياسية والثقافية ـ تبرير الاستبداد الشرقي، أي تبرير التنكر للديمقراطية والحرية الفردية وحقوق الإنسان. فمثلا، نجد أن الأب المؤسس للجمهورية السنغافورية: لي كوان يو، الملقب بـ"الكاهن الأكبر للقيم الآسيوية"، والذي كان من أوائل من قال بضرورة بعث كونفشيوس وتعاليمه من أجل تطوير صيغة آسيوية للحكم مختلفة عن الصيغة الديمقراطية الغربية، يؤكد أن "ما تحتاج إليه آسيا هو التقدم المادي على الطريقة الغربية، ولكن ليس فلسفة الحياة الغربية، ولا بالأخص نظام الحكم الغربي، أي الديمقراطية"، يقول هذا، مع أن تكوينه التعليمي غربي، فهو متخرج في كلية الحقوق بجامعة كامبردج! (هرطقات،ج1ـ ص177).

طبعا، المبررات التي يطرحها لي كوان يو كثيرة، لتبرير الشمولية ورفض الحريات الفردية والديمقراطية، ابتداء من الخصوصية الثقافية، وليس انتهاء بضرورات الواقع الذي يحتم النموذج الاستبدادي للخروج من الفوضى التي ستكون ملازمة للخيار الديمقراطي في العالم الشرقي. وهو في هذا لا يختلف كثيرا عن الرئيس الماليزي مهاتير محمد الذي امتهن هجاء الغرب بتطرف ظاهر، حيث يتخذ من "نظرية المؤامرة" مرتكزا لشرعنة الموقف الضدي من الغرب.

ولعل من دواعي اليأس من عالم الشرق الأقصوي (الصين ونماذجها) أن الظاهرة الانغلاقية الاستبدادية ليست ظرفية من حيث ارتباطها بسلوك سلطوي منفعي آني، بل هي مبدأ ثقافي يجد تجلياته في علاقات القوة، وأهمها المجال السياسي. يقول طرابيشي: "ليس السياسيون الآسيويون هم وحدهم من يتغنّون بالقيم الآسيوية ذات المنزع السلطوي، بل كذلك المثقفون ممن لا يكون لهم بالضرورة ارتباط مباشر بالسلطة"، ثم يضرب مثلا بالكاتب الهندي: كلود ألفاريس، والسريلانكي: تيسا بلاسوريا، والياباني: شنتارو إيشيهارا، ليعقّب على كل ذلك بقوله: "إن هذه النماذج الآسيوية من الخطاب المعادي للغرب استعمارا وحضارة معا ليست جديدة على القارئ العربي. فمثلها متداول بكثرة في الخطاب العربي نفسه. وآليات إنتاجها في الخطاب الآسيوي لا تكاد تختلف في معيِّناتها النفسية عن آليات إنتاجها في الخطاب العربي" (هرطقات،ج1 ـ ص181 وما بعدها).

على أي حال، لا يعني هذا أن الثقافة الصينية قد أفلتت من النقد الذاتي، فبينما كان الأكثرية يتماهون مع ثقافتهم المتوارثة على امتداد خمسة آلاف عام، كان هناك، من أبناء هذه الثقافة، من ينتقدها، وبحدة أحيانا، فالصيني: بو يانغ، ومن خلال نقده للثقافة الصينية يؤكد أن "الصيني بعقدة النقص عبد، وبعقدة التفوق طاغية، إذ في الوقت الذي يعجز فيه الصينيون عن أن يروا إلى [هكذا] أنفسهم باحترام، فإنهم يعجزون أيضا عن أن يتعاملوا مع الآخرين من موقع الندية والمساواة. ولهذا فالخيار عندهم هو دائما واحد من اثنين: إما أنك سيدي وإما أنك عبدي" (هرطقات ج1 ص 185).

هكذا تبدو الثقافة الصينية ـ والنموذج الصيني من خلالها ـ ثقافة مناقضة/ مناهضة للثقافة الغربية/ الثقافة الكونية المعاصرة، وبالتالي، للنموذج الغربي الذي هو الأمل ـ حلما وتحققا ـ للعالم الحر الذي أنجز كثيرا من وعوده في هذا المضمار، وللعالم الذي يتطلع ليكون حرا. ما يعني أن كل خيارات العوالم الواقعة بين عالمي: النموذج الصيني والنموذج الغربي لا بد وأن تكون خيارات مواقف مصيرية، فإما مع عالم انغلاقي، أحادي، غامض، كلياني، طغياني، استبدادي، امتثالي، رافض وطامس ومقصٍ للتنوع والاختلاف...إلخ، وإما مع عالم مفتوح، حر/ حرياتي، فرداني، متنوع، قابل للتنوع ومستثمر في الاختلاف...إلخ. وبديهي أن الخيار هنا يعني دعم النموذج وتقبّله والترويج والاستثمار فيه على كل صعيد، في مقابل مكافحة النموذج المضاد، وذلك بالتصدي لامتداداته المادية والمعنوية/ الثقافية، في كل مكان، وبكل الوسائل المشروعة قانونيا وأخلاقيا.

تشترك الرؤية الصينية مع الرؤية العربية في كراهية الغرب في مستويين متعاضدين؛ حتى وإن كان أحدهما يتقدم على الآخر: كراهية الغرب لذاته أولا، وكراهية الغرب كنموذج ثانيا

هذا التقابل بين عالمين متضادين، عالمين لكل منهما مساره؛ وبالتالي، تحققاته في الواقع، ليس واضحا على الدوام في عموم التصورات الجماهيرية المأخوذة بالمادي المباشر، أو بمنجز اللحظة العابرة. وعدم والوضوح هنا ليس لغموض هذا التقابل على مستوى المقاربات البحثية؛ حتى السطحي منها، بل لأن سيكولوجية الجماهير (وكثير من الإعلاميين ورجال الأعمال والإدارة، بل وكثير من المشتغلين بالمجال الثقافي هم من "الجماهير") لا تبتعد ـ في اعجابها واندهاشها، وبالتالي حبها وتأييدها ـ عن مستوى التعلق الطفولي بالآلي/ التقني المدهش، بالذكاء الاصطناعي الذي لا تتجاوز عجائبيته حدود خيال الألعاب الإلكترونية التي تداعب أحلام الإنسان في مرحلة العبث الطفولي.

عندما تتمحور السيكولوجية الجماهيرية (وبانخطاف وجداني للجديد/ للطريف التقني المدهش للعقل الطفولي) حول الهامشي والعرضي والإضافي في حياة الإنسان؛ تنسى أو تتناسى أو تهمل ـ بالضرورة ـ كل ما يتعلق بالجوهر الإنساني، فلا يصبح الإنسان في مقوماته الأساسية (الحريات والحقوق) هو محور الاهتمام وضابط مسارات التصور العام، أي لا يصبح هو المبدأ الكلي المطلق الذي تقاس عليه ـ وبه ـ كل الخيارات/ كل التفضيلات. وهذا ما يحدث لكثيرين (وخاصة من أبناء العالم الثالث) في معاينتهم للنموذج الصيني الذي بدا وكأنه يُغري توقهم التنموي للخروج من مأزق التخلف المادي الذي بات يصنع كوارث تفوق قدرة الإنسان على الاحتمال.

وباختصار شديد، ليس الفرق بين عالمي: الغرب والصين فرقا كميا قابلا للتجاوز بشيء من التوافق، بقدر ما هو نوعي يفرض الخيار، ومن ثم، الانحياز للنموذج الإنساني المنتح على الإنسان بكل آفاقه، على الإنسان من حيث هو إنسان.

وحتى تتضح الصورة أستطيع القول بجزم: لن تكون "حياة الصيني" هي حلم الإنساني الغربي؛ بمقدار ما "حياة الغربي" هي حلم الإنسان الصيني. يستطيع الصيني أن ينتقل إلى الغرب فيصبح مواطنا غربيا في بضع سنوات، وتنفتح له أفاق الحرية اللامحدودة، والأهم أنه حرية محفوظة بمنظومة متكاملة من القوانين الحقوقية التي تحميه حتى من القائمين على تنفيذ هذه القوانين، بينما لا يستطيع الغربي أن ينتقل إلى الصين ويصبح صينيا، وفيما لو حدث هذا كمعجزة؛ فسيجد نفسه قد تقولب في أصفاد لا نهاية لها، ولن يمضي عليه وقت طويل حتى يشعر بالاختناق. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.