A woman wearing wearing a niqab (full face veil) walks by at the Kurdish-run al-Hol camp for the displaced in the al-Hasakeh…
كل التكفيريين يقولون: لا نكفّر إلا من كفّره الله ورسوله، وكل السلفيين التقليديين يقولون عن أنفسهم: "نحن أرحم الخلق بالخلق"

رأينا في المقال السابق كيف كانت بعض "حِيَل الدفاع عن ابن تيمية" متهافتة جدا؛ إلى درجة تكاد تكون بها حيلة التيموي الدفاعية محض سخرية باردة، كما رأينا كيف انقلبت بعض هذه "الحِيَل" على أصحابها؛ لتكون على الضد مما توهموا، أي لتكون هجوما قاسيا على "شيخ إسلامهم" الذي يستبسلون في الدفاع عنه؛ غير مدركين أنهم ـ مهما نافحوا عنه، وناضلوا دونه ـ إنما يدافعون عن قضية خاسرة، لا لضعف المدافعين وهزالة حججهم (وهذا هو واقع حالهم) فسحب، وإنما لأن من يدافعون عنه مُدَان بما لا يُحْصَى من الأدلة الثابتة الصريحة التي تجعل منه ـ بحق ـ أحد أهم مشرعي الإرهاب.

لقد رأينا كيف كانت مهزلة الاعتذار السمج عن فتاويه العُنْفية الدموية؛ بادعاء أنها/ الفتاوى ظهرت نتيجة ظروف ذلك العصر الهائج المضطرب الذي تسبب ـ فيما يزعم المدافعون صراحة أو ضمنا ـ في اضطراب نفسية/ عقلية ابن تيمية؛ ليكون في "وضع غير طبيعي"، أنتج ـ بسببه ـ فتاوى "غير طبيعية"، لا يجوز أن يكون شيخهم مسؤولا عنها بحال!

وقد رددت على هذا الزعم بأن معرفة ظروف إنتاج النص لا تعفي صاحب النص من أن يكون مسؤولا عن نصه. دراسة هذه الظروف واستحضارها إبان مقاربة النصوص يكون ـ فقط ـ لـ"التفسير"، وليس لـ"التبرير"، أي لتفسير عملية الإنتاج، وليس لتبرير المضمون الذي يُراد به التبرير لصانع هذا المضمون.

فمثلا، عندما يؤكد الفيلسوف الإنكليزي/ توماس هوبز أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، ويبني على ذلك نظريته السياسية، فإن معرفتي بظروف الحرب الأهلية التي دفعته لإنتاج هذه المقولة، لا تعني أن هوبز خرج بريئا من هذا التصوّر الذئبوي للعلاقات الإنسانية. إن معرفة الظروف التي أحاطت بهوبز أواخر القرن السابع عشر، لا تجعلني أفهم أنه ما كان ليقول بهذا التصور؛ لولا أن ظروف عصره ضغطت عليه ليقول به، وإنما ـ فقط ـ تجعلني أفهم لماذا توصل إلى هذه النتيجة التي يتحمّل هو ـ وهو بالذات/ بالدرجة الأولى ـ مسؤوليتها كاملة؛ ما دام لم يعتذر عنها، أو ينقضها تحديدا وتعيينا، على نحو صريح.

لا يُوَجد تكفيري يؤكد ـ تنظيرا ـ على أنه تكفيري أصالة، ولا يوجد إرهابي يقول بأنه يتعمد منهج الإرهاب

ولعل من أشهر "حِيَل الدفاع" عن ابن تيمية ـ وهي دائما حيل سلفية ساذجة جدا ـ قول التيمويّين إن "شيخ إسلامهم" ليس وحيدا في إصدار فتاوى التبديع والتضليل والتكفير والإقصاء والقتل...إلخ، بل مثله كثير من مشاهير فقهاء الإسلام على امتداد التاريخ. وبالتالي ـ وفيما يزعمون ـ لا معنى للهجوم على ابن تيمية وحده إلا كون منتقديه لا يقصدون أقواله/ تراثه الفكري، وإنما يقصدون شخصه؛ لأن الهجوم النقدي بات يتوجّه له تحديدا، إما على سبيل التركيز (التركيز عليه أكثر من غيره)، وإما على سبيل التحديد (إفراده بالهجوم دون غيره).

وهذه الحيلة الدفاعية متهافتة من وجوه:

1 ـ نحن نسأل بدورنا: لماذا شخصه دون غيره؟ يعني إذا كنا نقصد ـ افتراضا ـ شخصه؛ فلماذا قصدناه دون غيره ؟، وهل صاحب الفكر/ التراث يبقى منه غير فكره/ تراثه لتكون تهمة الشخصنة ممكنة؟ ثم إذا كان من الممكن في حال الخصم الفكري المعاصر أن يختلط الشخصي بالموضوعي؛ لأن ثمة إمكان للاحتكاك/ للصراع الشخصي؛ فكيف يمكن ذلك في حال مَن مات منذ قرون؟!

مثلا، أنا انتقدت الشيخ السلفي الكبير/ الحويني، وهو شيخ معاصر، ولهذا يقع احتمال اختلاط الشخصي بالموضوعي (مع أن المُتّهِم لا بد أن يأتي بدليل على هذا حدوث هذا الاختلاط من الواقع)، إذ يمكن أن أكون تخاصمت معه ذات لقاء، أو بلغه قولٌ عني فيه أو بلغني قول عنه فيّ، أو وقعت بيني وبينه خصومة على قطعة أرض، أو نزاع على وظيفة مرموقة، أو حتى وقع بيني وبينه تحاسد وتنافر...إلخ صور التماس الشخصي. لكن كيف يكون الموقف شخصيا من ابن تيمية؛ بينما هناك سبعة قرون كاملة تفصل بيني وبينه، ابن تيمية الشخص تلاشى في فضاء الدهر عَدَما، ابن تيمية الموجود معي الآن، الذي أتعامل معه اليوم نقدا وتفنيدا هو مجرد أقوال/ تراث قولي. وكذلك هو حال جميع منتقديه من المعاصرين الذين لا مجال لشخصنة الخصومة معه بحال.

2 ـ كون غيره شاركه في مثل هذه الفتاوى الإقصائية الإرهابية لا يعني أن هذه المشاركة ستخرجه من قفص الاتهام بريئا. فباختصار: الجريمة لا تبرر الجريمة، أقصد: جريمة فكر ما، لا تُبَرِّرُها جريمة فكر آخر.

 3 ـ أن مشاركة الآخرين/ فقهاء ودعاة في فتاوى الإقصاء والعنف تبقى مشاركة محدودة نسبيا، أي هي ليست ـ في هذا المنحى ـ بذات الكم، ولا بذات الدرجة من العنف، ولا بهذا المستوى من التأكيد المتواصل، الذي يجعل قارئه الغارق في دهاليزه تراثه يخرج بـ"روح إقصائية ذات طابع عنفي"؛ حتى وإن لم يستحضر تفاصيل النصوص/ الفتاوى وأدلتها وحجاجها في التراث التيموي.

4 ـ أنه الأكثر قدرة على مُوَاشَجة آرائه/ فتاويه بالنصوص المقدسة الأولى. ما يعني أنه الأقدر على إيهام العقل العامي بشرعية استنباطاته الخاصة التي تصبح ـ من خلال تعالقها بالدّوال النّصية ـ وكأنها هي أحكام الشريعة على سبيل التطابق التام. وهذا يجري بفعل اختلاط/ امتزاج الوجداني بالفكري، فعلاقة العامي بالنص هي علاقة وجدانية/ ما قبل فكرية، والضرب على وتر النص، والمخاتلة والمراوغة به من خلال التجاوز المكاني في الكتابي والتجاور الصوتي في المقول، هو توظيف لهذا البعد العاطفي بغية الوصول إلى ما وراءه: القناعة بالأفكار بوصفها بلاغ النص/ صوت النص/ صائت النص الصامت!

5 ـ أنه يختلف عن غيره من الإقصائيين بكونه ذا خطاب موسوعي، ورائج في الوقت ذاته، ومن ثَمَّ، فهو الأشد خطر ـ بما لا يقاس ـ من غيره. وهنا، من الطبيعي أن يتوجّه النقد إلى الأخطر، ومن الطبيعي أن يحاول مكافحو أفكار التعصب والإقصاء والإرهاب إقفال أكبر منافذ هذا الفكر، لا لأنه المنفذ الوحيد، وإنما لأنه المنفذ الأكبر والأخطر، المنفذ الذي ثبت أن الأغلبية الساحقة من معتنقي الفكر الإرهابي الإسلاموي المعاصر مرّوا من خلاله؛ ابتداء وانتهاء.

ومن "الحيل الدفاعية" عن ابن تيمية/ عن التراث التيموي هي تلك الحيلة التي تتعمّد أن تعترف وتنكر في آن، أقصد: محاولة صرف النظر عن تفاصيل فتاويه المشحونة بـ"يستتاب فإن تاب وإلا قتل" وغيرها من عبارات التكفير والإقصاء والعنف، إلى البحث عن منهج مباطن في التكفير، يختلف ـ في مستوى تسامحه واتساع أفقه ـ عن هذه التطبيقات الصريحة الصادمة بعنفها وانغلاقها. ومختصر قولهم في هذه الحيلة الزعم بأن له منهجا متسامحا في التكفير، وهذا المنهج يمكن أن يُسْتَنبط من تنظيراته الكثيرة في هذا المجال، ثم يؤكدون أن العبرة بهذا التنظير، لا بتطبيقات الفتاوى التي سيعيدون تكرار معزوفة أنها ظرفية عابرة، وأن العبرة بالمنهج العام!

وطبعا، هذا ليس إلا دفاعا متهافتا أشد ما يكون التهافت، إذ لا يُوَجد تكفيري يؤكد ـ تنظيرا ـ على أنه تكفيري أصالة، ولا يوجد إرهابي يقول بأنه يتعمد منهج الإرهاب. كل التكفيريين يقولون: لا نكفّر إلا من كفّره الله ورسوله، وكل السلفيين التقليديين يقولون عن أنفسهم: "نحن أرحم الخلق بالخلق". نعم، إنها يقولونها بكل ثقة، وعندما تحاكمهم إلى أفعالهم في قتل الأبرياء، يجيبونك بأن هؤلاء ليسوا أبرياء، وأن الله هو الذي أمر بقتلهم، وبما أن الله أرحم الراحمين، وهم قد نفذوا حكم الله فيهم، ففعلهم هذا من الرحمة بضحاياهم، وقد يتمادون في التبرير فيزعمون أنهم لو تركوا هؤلاء أحياء؛ لارتكبوا مزيدا من المعاصي والآثام بقية حياتهم، ومن ثم، فقتلهم جعل حساب آثامهم يتوقف، وهذا من الرحمة...إلخ التبريرات التنظيرية التي تحاول تغطية بشاعة التطبيق الإرهابي.

من حيل الدفاع التي هي في الوقت نفسه من دوافع الدفاع، الخلط بين التضحية أو البطولة من جهة، وصوابية الأفكار ونزاهتها من جهة ثانية

إن التنظير الذي يطرحه كل التقليديين في هذه المسائل كمنهج أو كمقدمات نظرية عامة، إنما هو أشبه ما يكون بالدستور العام العائم الذي يجري اختراقه بالتعليمات التفصيلية (التي هي هنا الفتاوى التطبيقية)، فدستور العراق أيام حكم صدام حسين لم يكن ينص على جواز القتل الجماعي ولا على التعذيب داخل المعتقلات...إلخ البشاعات، بل كان الدستور يكفل الحقوق ويُجرّم كل هذه الانتهاكات. هذا يحدث في تنظير/ الدستور والإعلام؛ بينما كانت الأوامر المنهجية، والتعاميم التفصيلية، تُبيح كل ذلك، بل وتُلزم به، وتُكافئ عليه. وطبعا، يستطيع المنظرون ردم الهوة التي تفصل بين نصوص الدستور والنصوص التفصيلية التطبيقية التي تأخذ طريقها إلى التنفيذ، بينما تبقى نصوص الدستور نصوصا للتبرير ولطمأنة الضمير، وللظهور للعالم بوجه إنساني لائق.

وأيضا، من الحيل الدفاعية التي تتكرر كثيرا، الزعم بأن مقولاته التكفيرية والإقصائية إلى درجة العنف الإرهابي هي مجرد فتاوى، والفتاوى "مُعْلِمة وليست مُلْزمة"، فابن تيمية ـ كما يزعم المدافعون ـ لم يجبر أحدا على الأخذ بفتواه، ولا هو يملك القوة لتطبيقها في الواقع. ولا شك أنني أمام مثل هذا "الاستهبال" في الدفاع (الذي يدل على اعتراف ضمني بكون مقولاته/ فتاويه تؤسس للإرهاب) لا أملك إلا طرح سؤال بسيط ساذج: هل هناك فقيه/ شيخ يَزعم ـ أو يُزعَم له ـ أنه يستطيع إلزام الآخرين بما يقول؟! أليس الفقيه/ الشيخ يفتي/ يقول رأيا بوصفه هو رأي الدين، ثم يقوم المُقلّد بالتنفيذ؟! بل أليست كل الآراء والأفكار الإجرامية والعنصرية التي أسست لقهر وسحق الإنسان على مر العصور، صدرت عن أناس لا يملكون حق الإجبار ابتداء؟! أليس التنفيذيون الكبار مجرد مستلهمين لمقولات مفكرين كبار اعتقدوا أن أفكارهم هي عين الصواب؛ فبادروا إلى تنفيذها حتى ولو خسروا أرواحهم في سبيل ذلك؟!

أخيرا، من حيل الدفاع التي هي في الوقت نفسه من دوافع الدفاع، الخلط بين التضحية أو البطولة من جهة، وصوابية الأفكار ونزاهتها من جهة ثانية. فهؤلاء كثيرا ما يستحضرون نضال ابن تيمية ضد هجمات التتار، وينتشون باستعادة وقائع جرأته في هذا المجال (طبعا، مع مبالغات لا تخفى)؛ ليؤكدوا صدقه الذاتي ونزاهته، ومن ثَمَّ صواب أفكاره باعتبارها صادرة عن إنسان مخلص لقضاياه التي ينافح عنها.

هنا خلط بين العاطفي والموضوعي لا يقع فيه من يمتلك الحد الأدنى من المعرفة بشروط المعرفة. صحيح أن النضال والإخلاص للمبدأ/ الفكرة يثير الإعجاب؛ بقدر ما يُعدي حماسيا. وهذا بُعد عاطفي لا ضير منه، ولكن كان من المفروض ـ في سياق المقاربة العلمية ـ أن يتوقف هذا الإعجاب عند "ابن تيمية الإنسان"، ولا يتعداه إلى "ابن تيمية الأفكار". إذ لو كانت الشجاعة أو النضالية أو التضحية في سبيل الأفكار هي ما تمنح الأفكار قداسة/ صوابا في النظر العلمي أو في القصد الديني؛ لكان الخوارج الذين بذلوا أرواحهم رخيصة لمبادئهم هم أصوب الناس أفكارا وأصدقهم دينا.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.