A woman reacts as she is caned in public by a member of the Sharia police in Banda Aceh on March 2, 2020. - Aceh is the only…
امرأة تجلد في العلن من قبل شرطة الشريعة في مناطق إندونسيا

منذ بضعة أيام، حلت ذكرى اغتيال المفكر المصري فرج فودة... وفوجئنا مرة أخرى بعدد من التعليقات تعتبر أنه "كان متطرفا" و"ملحدا" و"يكره الإسلام" وأنه "يستحق ما حدث له"...

بأي منطق تعتبر أن قتل شخص لاختلافه معك في الفكر، هو أمر "عادي"؛ ثم تعود في نفس الجملة لتقول بأن دينك يعلمك التسامح والمحبة وبأن أميركا عنصرية؟
أي عنصرية أفظع من القتل باسم المعتقد؟

في الحقيقة، أنت، حين تعتبر أن قتلة فرج فودة لم يفعلوا إلا تطبيق الشرع... وحين تجد لهم التبرير وتعتبر أنهم ما فعلوا إلا ما كان يجب عليهم فعله... هنا، يجب حقا أن تخجل من نفسك حين تحاول، في منشور لاحق، أن تناقش العنصرية في أوروبا أو أميركا...

أليست أبشع أشكال العنصرية، أن نقتل شخصا بسبب اختلافه في الدين؟

ما دمنا نصادر حق النساء في الزواج بمن يخترن، باسم المعتقد، فنحن عنصريون

تخيل أن يقتل المسيحيون كل أولئك الذين يتركون دينهم ليصيروا مسلمين مثلا، بتهمة الردة عن دينهم الذي هو بالنسبة لهم، بالتأكيد، الدين الصحيح! وتخيل أن تجد بينهم من يعتبر الأمر عاديا وأن هؤلاء كانوا يستحقون القتل لأنهم تركوا دين آبائهم! أو لمجرد أنهم فكروا وتساءلوا وكتبوا وناقشوا تقاليد الكنيسة وتأويلاتها وممارساتها!

تخيل أن تكتب وتفكر... فيقتلك فقيه بتهمة التفكير! بل وتصل الوقاحة بشيوخ آخرين لمحاكمتك، وأنت القتيل، في نفس جلسة المحكمة التي كان يفترض أن تحاكم قاتليك (هذا للإشارة ما حدث خلال محاكمة قاتلي فودة!).

ثم يأتي عليك من يتجرأ على اتهام بعض المفكرين باعتبارهم متطرفين علمانيين. هل سمعنا يوما عن متطرف علماني قتل متدينا أو برر قتله أو أصدر فتاوى تشجع على القتل؟

ما دمنا إلى غاية اليوم نملك تشريعات دينية أو فقهية تحاكم الاختلاف في الدين والمعتقد والفكر، بل وقد تقتل بسبب ذلك؛ فعلينا أن نعترف أن تلك قمة العنصرية.

ما دمنا نصادر حق الأشخاص في حرية المعتقد والفكر، ونصادر حقهم في التفكير والنقد، فنحن في قمة العنصرية.

ما دمنا نصادر حق النساء في الزواج بمن يخترن، باسم المعتقد، فنحن عنصريون... أن تتزوج المرأة مسلما لا تحبه، أهم عند القبيلة من أن تتزوج شخصا غير مسلم تحبه وتختاره! إن أراد الزواج منها، عليه بالضرورة أن يسلم (رغم أن النصوص تتحدث عن الكافر وليس عن الكتابي... لكننا هنا أمام ذكورية التأويل، وهذا موضوع آخر). 

بالمقابل، حين يختار الرجل المسلم الزواج من غير المسلمة، فلا شيء يفرض عليها الإسلام. عنصرية وذكورية في منطق واحد... ومع ذلك، فأميركا هي العنصرية!

ما دمنا نصادر حق الأشخاص في حرية المعتقد والفكر، ونصادر حقهم في التفكير والنقد، فنحن في قمة العنصرية

لنحاول متابعة التطلع لوجوهنا في المرآة والتوقف عن الشعارات الجوفاء... اسأل نفسك مرة أخرى: ما موقفك اليوم، كشخص مسلم، من العبودية؟ أنت ترفضها كما تنبذها كل مواثيق حقوق الإنسان، أليس كذلك؟ بل أنك تعتبر الإسلام سباقا لنبذها، معتمدا في ذلك على حديث لعمر بن الخطاب قال فيه: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحرارا؟"، (ولندع جانبا كل الروايات التي تشكك في الواقعة، خصوصا أن عمر بن الخطاب، ككل أثرياء تلك الفترة، كان هو نفسه يملك عبيدا!).

لكن، كيف ستتعامل اليوم مع كل النصوص الدينية التي تشرعن للعبودية وتفصل في العلاقة مع السبايا وملك اليمين والعبيد؟

ما موقفك اليوم من العنصرية؟ أنت ترفضها أيضا... لكن، ماذا عن العنصرية المشرعنة اتجاه أهل الكتاب وأهل الذمة والكفار؟ أليست عنصرية أن تتعامل مع الآخر باستعلاء لأن دينه مختلف عن دينك، مع أنه لا يختلف عنك في الإنسانية؟

قد نستمر في إعطاء الأمثلة إلى ما لانهاية... لكن الخلاصة واحدة: هناك أشكال خلل في ثقافتنا لن تتغير للأسف، ما دمنا لا نعترف بها. وما دامت العنصرية والعنف وكل العيوب هي، من وجهة نظرنا، لدى الآخر فقط... لأن "الله فضلنا على العالمين" ولأننا "خير أمة أخرجت للناس". وكأننا بهؤلاء يصرون دائما على تقديم إلههم للآخرين... عنصريا مثلهم!

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.