منذ بضعة أيام، حلت ذكرى اغتيال المفكر المصري فرج فودة... وفوجئنا مرة أخرى بعدد من التعليقات تعتبر أنه "كان متطرفا" و"ملحدا" و"يكره الإسلام" وأنه "يستحق ما حدث له"...
بأي منطق تعتبر أن قتل شخص لاختلافه معك في الفكر، هو أمر "عادي"؛ ثم تعود في نفس الجملة لتقول بأن دينك يعلمك التسامح والمحبة وبأن أميركا عنصرية؟
أي عنصرية أفظع من القتل باسم المعتقد؟
في الحقيقة، أنت، حين تعتبر أن قتلة فرج فودة لم يفعلوا إلا تطبيق الشرع... وحين تجد لهم التبرير وتعتبر أنهم ما فعلوا إلا ما كان يجب عليهم فعله... هنا، يجب حقا أن تخجل من نفسك حين تحاول، في منشور لاحق، أن تناقش العنصرية في أوروبا أو أميركا...
أليست أبشع أشكال العنصرية، أن نقتل شخصا بسبب اختلافه في الدين؟
ما دمنا نصادر حق النساء في الزواج بمن يخترن، باسم المعتقد، فنحن عنصريون
تخيل أن يقتل المسيحيون كل أولئك الذين يتركون دينهم ليصيروا مسلمين مثلا، بتهمة الردة عن دينهم الذي هو بالنسبة لهم، بالتأكيد، الدين الصحيح! وتخيل أن تجد بينهم من يعتبر الأمر عاديا وأن هؤلاء كانوا يستحقون القتل لأنهم تركوا دين آبائهم! أو لمجرد أنهم فكروا وتساءلوا وكتبوا وناقشوا تقاليد الكنيسة وتأويلاتها وممارساتها!
تخيل أن تكتب وتفكر... فيقتلك فقيه بتهمة التفكير! بل وتصل الوقاحة بشيوخ آخرين لمحاكمتك، وأنت القتيل، في نفس جلسة المحكمة التي كان يفترض أن تحاكم قاتليك (هذا للإشارة ما حدث خلال محاكمة قاتلي فودة!).
ثم يأتي عليك من يتجرأ على اتهام بعض المفكرين باعتبارهم متطرفين علمانيين. هل سمعنا يوما عن متطرف علماني قتل متدينا أو برر قتله أو أصدر فتاوى تشجع على القتل؟
ما دمنا إلى غاية اليوم نملك تشريعات دينية أو فقهية تحاكم الاختلاف في الدين والمعتقد والفكر، بل وقد تقتل بسبب ذلك؛ فعلينا أن نعترف أن تلك قمة العنصرية.
ما دمنا نصادر حق الأشخاص في حرية المعتقد والفكر، ونصادر حقهم في التفكير والنقد، فنحن في قمة العنصرية.
ما دمنا نصادر حق النساء في الزواج بمن يخترن، باسم المعتقد، فنحن عنصريون... أن تتزوج المرأة مسلما لا تحبه، أهم عند القبيلة من أن تتزوج شخصا غير مسلم تحبه وتختاره! إن أراد الزواج منها، عليه بالضرورة أن يسلم (رغم أن النصوص تتحدث عن الكافر وليس عن الكتابي... لكننا هنا أمام ذكورية التأويل، وهذا موضوع آخر).
بالمقابل، حين يختار الرجل المسلم الزواج من غير المسلمة، فلا شيء يفرض عليها الإسلام. عنصرية وذكورية في منطق واحد... ومع ذلك، فأميركا هي العنصرية!
ما دمنا نصادر حق الأشخاص في حرية المعتقد والفكر، ونصادر حقهم في التفكير والنقد، فنحن في قمة العنصرية
لنحاول متابعة التطلع لوجوهنا في المرآة والتوقف عن الشعارات الجوفاء... اسأل نفسك مرة أخرى: ما موقفك اليوم، كشخص مسلم، من العبودية؟ أنت ترفضها كما تنبذها كل مواثيق حقوق الإنسان، أليس كذلك؟ بل أنك تعتبر الإسلام سباقا لنبذها، معتمدا في ذلك على حديث لعمر بن الخطاب قال فيه: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحرارا؟"، (ولندع جانبا كل الروايات التي تشكك في الواقعة، خصوصا أن عمر بن الخطاب، ككل أثرياء تلك الفترة، كان هو نفسه يملك عبيدا!).
لكن، كيف ستتعامل اليوم مع كل النصوص الدينية التي تشرعن للعبودية وتفصل في العلاقة مع السبايا وملك اليمين والعبيد؟
ما موقفك اليوم من العنصرية؟ أنت ترفضها أيضا... لكن، ماذا عن العنصرية المشرعنة اتجاه أهل الكتاب وأهل الذمة والكفار؟ أليست عنصرية أن تتعامل مع الآخر باستعلاء لأن دينه مختلف عن دينك، مع أنه لا يختلف عنك في الإنسانية؟
قد نستمر في إعطاء الأمثلة إلى ما لانهاية... لكن الخلاصة واحدة: هناك أشكال خلل في ثقافتنا لن تتغير للأسف، ما دمنا لا نعترف بها. وما دامت العنصرية والعنف وكل العيوب هي، من وجهة نظرنا، لدى الآخر فقط... لأن "الله فضلنا على العالمين" ولأننا "خير أمة أخرجت للناس". وكأننا بهؤلاء يصرون دائما على تقديم إلههم للآخرين... عنصريا مثلهم!

