A girl soccer player from the Croix-des-Bouquets Sports Center walks through a dormitory corridor at the center in Croix-des…

أثبت الحجر الصحي فعاليته ليس فقط للحد من انتشار الفيروس، لكن للسيطرة أيضا على أرواح البشر وقوقعتها وزجها في مساحة صغيرة يسهل فيها التحكم بهم. 

دفع الجلوس الطويل في المنزل البشرية كي تدرك حاجة الإنسان الماسة لحرية التنقل والاختلاط بالآخرين للعيش حياة مليئة بالتجارب تثري وعي الإنسان وتزيد من سعادته وشعوره بأنه لا يزال على قيد الحياة. وفي ذلك تذكير إضافي، ربما صرنا بحاجة إليه، إلى المقولات الخلدونية التي أولت حياة العمران والاجتماع أولوية قصوى.

تذكرني أيام الحجر هذه بأيام الحجر في منزل والدي والتي كانت تفرض علي لأشهر وأحيانا لفترات أطول. كفتاة ولدت في عائلة مسلمة محافظة فإن الحجر المنزلي، للأسف، كان مصيرا حتميا، كما هو حال ملايين النساء والفتيات اللاتي يولدن في عائلات محافظة ترى في حَجْرهن وعزلهن "حماية" لهن أو حتى "حب"، سواء رغبن في هذا النوع من الحب أم لا. 

وبالفعل يشكل هذا النوع من الحجر حماية لكن ليس للمحجورات بل لأولياء الأمر الذين يريدون تسهيل حياتهم عبر منع نصف المجتمع من ممارسة حياة حرة مستقلة بلا تحكم، بحيث تقتصر حياة النساء على حجر شبه دائم يقلل من مسؤولية أولياء الأمر بتوفير بيئة آمنة حاضنة لفتيات ونساء المجتمع لتحقيق طموحهن خارج جدران المنزل. 

إن الحجر المنزلي من أقسى ممارسات ثقافتنا. فأتمنى أن تستيقظ ثقافتنا بعد هذا الحجر العالمي على وقع استشعار أهمية الحرية حتى نستمتع بأوطاننا دون الحاجة إلى تركها

فالرجل في مجتمعاتنا يعيش حياته كما يريد. له الحق أن يخرج متى شاء ويعود متى شاء ويفعل ما يشاء، بينما جودة الحياة التي تعيشها زوجته أو أخته أو أمه هو آخر همه. لكن إذا طالبتْ الفتاة ببعض الحرية فإن ذكر العائلة ينتفض كالوحش الكاسر للدفاع عن هذا الحجر كركن أساسي من كرامته وشرفه وخوفه على من يدعي أنه يحبهم. 

مفهوم الحب نفسه، في مجتمعاتنا، يكاد يكون نرجسية ذكورية لا تطاق بحيث يتم تسويق هذا الأنانية المفرطة على أنها تضحية وحب من قبل ذكور العائلة بل والمجتمع ككل. هذا المفهوم المغلوط للحب يناسب ثقافتنا وعاداتنا وديننا، حسب قولهم لنا، حتى وإن لم أجد فيه ما يناسبني أو يقنعني البتة.

بعد إتمامي الشهادة الثانوية، عارض والدي ـ كرجل متدين ـ التعليم الجامعي للبنات فبقيت سنة كاملة تحت الحجر. أثناء العزلة، تعلمت بعصامية تامة اللغة الإنكليزية التي لم يكن أحد من أفراد عائلتي يتقنها. فكرت وقتها أنني ربما لو تعلمت لغة هؤلاء الأحرار الذين كنت أراهم على التلفاز يعيشون حياتهم كما يريدون، ربما سأصبح حرة مثلهم في يوم ما. 

حلمت كل يوم، بل كل ساعة، بالهروب من هذا الحجر والعيش في بلاد لا يشكل فيها الدين والعادات والتقاليد سيفا للقمع على رقبة كل فتاة. بلاد أستنشق فيها حرية حقيقية. أحببت من كل قلبي الحرية التي لم أكن قد عشتها قط من قبل، لكنني حلمت بها رغم كوني من ثقافة تقدس الحجر لنصف المجتمع وتعتبر الحرية كلمة رديئة، وكأنها معنى آخر للدعارة. بينما يتمتع النصف الآخر من المجتمع بهذه الحرية بلا مساءلة، يستخدمها المجتمع كفزاعة ضد النصف الثاني.

حلمت وحلمت بهذه البلاد حتى أصبح الحلم هوسا ولم يعد أي من السيناريوهات الأخرى لحياتي ممكنا بدونها، فإما الحرية أو الموت. لم يكن في ثقافتي ما يغريني أكثر من الحرية. الزواج من شخص غني ـ مثلا ـ لم يمثل بالنسبة لي إلا الخروج من حجر إلى حجر آخر، ربما بكماليات أكثر لكنه يبقى حجرا. روحي أرادت حياة حقيقية وتجارب مع بشر من كل الدنيا. روحي كانت تشعر بفضول لم تستطع سنوات من الحجر أن تقضي عليه أو حتى تسكنه قليلا.

 ساعدتني الحياة عبر سلسلة من الظروف غير المتوقعة واستطعت كسر الحجر المنزلي، ثم استطعت بعدها أن أترك بلدي وأسافر لبلاد أحلامي حيث يسهل تحقيق الذات. حصلت على منحة دراسية فأكملت دراستي حتى حصلت على أعلى الدرجات العلمية. ومنذ ذلك اليوم وأنا أتنفس أوكسجين الحرية، وكم هو منعش استنشاقه، تماما كما تصورته قبل أن أتذوقه. 

لسنوات طويلة عندما كان أصدقائي في أميركا وبريطانيا يسألوني إن كنت أشتاق لبلدي. كنت أنظر إليهم وكأنهم يسألون ناجيا من المحرقة إن كان يشتاق لسجنه تحت الحكم النازي وأرد: "طبعا لا!". فتجربتي في بلدي لم تعكس جمال بلدي وآثاره وتاريخه وغناه بل كانت محاولة دائمة لكسر الحجر بقصد الحصول على القليل من هواء الحرية. 

الرجل في مجتمعاتنا يعيش حياته كما يريد. له الحق أن يخرج متى شاء ويعود متى شاء ويفعل ما يشاء، بينما جودة الحياة التي تعيشها زوجته أو أخته أو أمه هو آخر همه

بقيت حوالي عشر سنوات من عمري (ثلث عمري في ذلك الوقت) بدون أي زيارة قبل أن أبدأ بنسيان تجربة الحجر والاشتياق للأشياء الأخرى في بلدي. كنت قد أصبحت مواطنة أميركية حينها وذقت طعم الحرية ولا زلت أخشى عليها أكثر من نفسي. عندما أصبحت حرة أسافر أينما أشاء كلما أشاء، أصبحت أستطيع أن أستمتع ببلدي الأم وكل ما يضمه من روعة. فأصبحت أتلذذ حتى بالأشياء الصغيرة كالمشي بين آثار جرش أو البتراء أو تذوق ألذ طعام تذوقته في حياتي.

أتساءل إذا ما كانت هذه الأزمة ستوقظ مجتمعاتنا العربية والإسلامية من وحشية هذا التقليد الذي لا يحمي سوى التخلف. الكثير من الدول العربية والإسلامية، حسب تقرير لمنتدى الاقتصاد العالمي World Economic Forum، تسجل أعلى نسب التمييز ضد المرأة، وهي مع الأسف في الحضيض. نعم في ذيل القائمة.

 ثقافة حجر النساء لا تنعكس فقط على الحالة النفسية لملايين النساء بل أيضا تؤثر على اقتصاد الدول وازدهارها. ولذا، ليس مستغربا عندي أن أكثر الدول نجاحا في تحدي الأزمة العالمية هي دول تقودها نساء تشمل ألمانيا ونيوزيلاندا وفنلندا وأيسلندا والدنمارك والنرويج وغيرها. كرمت هذه الدول نساءها بحماية حقيقية وقوانين عادلة للمرأة وليس بسجنها مدى الحياة ووضع مصيرها تحت أهواء الآخرين، ولذا فهي تجني ثمار تكريمها لها.

وصلت النساء في تلك الدول بدون عزل عن الحياة إلى مراكز إدارية أساسية فهن لسنا مجرد رموز لإرضاء الدول الغربية والحصول على سمعة دول تكرم المرأة بدون تثبيت البنية التحتية الحقيقية لذلك، كما هي الحال في كثير من دول العالم النامي التي تعين سيدة أو اثنتين وتلوح بهما ليل نهار قصد التغطية على أشياء أخرى، بينما أغلبية النساء يحلمن بأبسط الحريات والحقوق، ولا ينلنها.

إن الحجر المنزلي من أقسى ممارسات ثقافتنا. فأتمنى أن تستيقظ ثقافتنا بعد هذا الحجر العالمي على وقع استشعار أهمية الحرية حتى نستمتع بأوطاننا دون الحاجة إلى تركها.

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.