Lebanese protesters lift placards during a demonstration marking the one year anniversary of the beginning of a nationwide anti…
لبنانيون يحيون الذكرى الأولى لانتفاضتهم

سنة كاملة مضت على بداية الانتفاضة الشعبية اللبنانية التي حوّلت اللبنانيين، أو أكثرية منهم من أفراد ينتمون إلى طوائف ومذاهب إلى مواطنين يريدون بناء دولة حديثة تمثل طموحاتهم الشرعية ويسود فيها الحكم الصالح. 

أجمل ما جلبته الانتفاضة في بدايتها، أي في تلك اللحظة الوجيزة الحماسية التي جعلت المستحيل يبدو ممكنا، هو أن اللبنانيين في الشوارع والساحات العامة فاجأوا أنفسهم واكتشفوا ولو لفترة وجيزة أنهم شعب واحد صهرته الأوجاع ذاتها، والآمال ذاتها بعد أن جلدته الطغمة السياسية/المالية ذاتها. 

وعلى مدى بضعة أسابيع بدا اللبنانيون في قراهم وبلداتهم ومدنهم من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى ساحل المتوسط وكأنهم أفراد في جوقة واحدة يهتفون في تناغم كامل "كلن يعني كلن". وللمرة الأولى في تاريخ لبنان الحديث تضامن الريف مع المدينة، والقرى مع الضواحي، والعمال مع الموظفين، بعد أن اكتشف الجميع أن الألم واحد والأمل واحد.

الانتفاضة أظهرت أكثر من أي وقت مضى شجاعة اللبناني العادي في وجه نظام سياسي ـ طائفي ـ أوليغارشي مبني على الترهيب والتزوير والاستغلال والقمع. هذه الشجاعة انعكست في الوسائل الخلاقة للنضال السلمي التي اعتمدها شابات وشباب لبنان الذين نظموا حلقات التثقيف السياسي والنضالي في الخيم التي نصبوها في ساحات بيروت، الخيم ذاتها التي قام أوباش "حزب الله" و"حركة أمل" بتخريبها وحرقها والاعتداء على من نصبوها. 

اللبنانيون مرهقون بعد سنة حدثت فيها تطورات وكوارث تحدث عادة خلال عقود طويلة. أكثر من نصف اللبنانيين مصنفين الآن كفقراء، والكثير منهم يعيشون على المعونات الخارجية

القيّمون على النظام اللبناني من سياسيين وأمراء حرب سابقين وحاليين، وأوليغارشيين وأصحاب عمائم من مختلف الأنواع والمذاهب ومن ذوي الذقون الدينية المقيتة، شعروا بخوف لم يشعروا به من قبل. "كلن يعني كلن"، طالتهم جميعا. لم يسلم من هذا التوصيف الجميل والدقيق أي زعيم سياسي، أو إقطاعي أو مصرفي أو رجل دين يحتال علينا باسم الممانعة ومحاربة طواحين الهواء.

راقبت الانتفاضة من بعيد، ومع أنني انتشيت بها وتحمست في بداياتها، إلا أنني كنت أشك في قدرتها على أن تتحول إلى حركة تغييرية وثورية بالمعنى الحقيقي بسبب الاستقطابات العميقة السياسية والمذهبية والاجتماعية في البلاد، ووجود حزب رجعي وظلامي مسلح مثل "حزب الله" قادر ومستعد لاستخدام القمع لمنع أي تغيير حقيقي. 

التغيير السياسي في لبنان عبر النضال السلمي ممنوع طالما الدولة الضعيفة والمفككة خاضعة للنفوذ الخارجي، وطالما بقي سلاح "حزب الله" مصوبا ضد جباه وصدور اللبنانيين. 

في البداية تمنيت أن ينجح اللبنانيون في تحقيق مقولة فلاديمير لينين الشهيرة "أحيانا تمر عقود لا يحدث فيها أي شيء. وأحيانا تمر أسابيع تحدث فيها عقود" من التغيير. ولكن منظوري التشاؤمي للواقع كان يمنعني من الانزلاق إلى تمنيات من هذا النوع.

سوف نرى حالات سوء تغذية وربما جوع في لبنان، مع ما يحمله ذلك من إذلال، واحتمال حدوث أعمال عنف فردية، يمكن أن تتطور إلى عنف أوسع

مخاوفي على مستقبل الانتفاضة ـ لم أصفها أبدا بالثورة ـ كانت مبنية على تجارب الانتفاضات العربية الأخرى التي بدأت بحماس كبير وانتهت، لأسباب عديدة وبفعل أخطاء ذاتية وظروف موضوعية صعبة، وبعد قمع دموي ووحشي، إما إلى فشل كبير أو إلى حروب أهلية لم تنته حتى الآن، في سوريا وليبيا، أو بعد أن قمعها وسرقها العسكر كما حدث في مصر، أو بعد أن قمعها النظام الحاكم كما حدث في البحرين بدعم من الجيش السعودي.

السنة المنصرمة في لبنان كانت أكثر من 365 يوما. أحيانا بدت وكأنها عقود طويلة من المآسي والخيبة والخذلان. في بدايتها حققت الانتفاضة نجاحا أوليا تمثل في إرغام حكومة سعد الحريري على الاستقالة، دون أي محاسبة، وفقا لتقاليد الدولة اللبنانية العريقة. وشاءت سخرية القدر ووقاحة وزعرنة وفساد الطبقة السياسية في لبنان أن نرى مع حلول الذكرى الأولى للانتفاضة عودة سعد الحريري إلى إجراء "استشارات" غير رسمية في محاولة سافرة لتشكيل حكومة جديدة، وكأن الانتفاضة لم تحدث، وكأن الاقتصاد لم ينهار كليا، وكأن الليرة اللبنانية لم تفقد ثلثي قيمتها، وكأن انفجار مرفأ بيروت لم يحدث ولم يؤد إلى مقتل 200 بريء وتشريد 300 ألف لبناني. وإذا لم تكن هذه المآسي كافية، جاءت جائحة كورونا لتقصم ظهور اللبنانيين المنحنية أصلا من قبل من نصّبوا أنفسهم أوصياء على مصير الشعب اللبناني.

السنة المنصرمة في لبنان لم تشهد مقتل الآلاف كما حدث في سنوات سابقة خلال الاقتتال الأهلي، أو خلال الاجتياحات الإسرائيلية والسورية، ولكنها كانت سنة قاسية ومؤلمة بامتياز لأنها بدأت بوعد تغييري عظيم، وانتهت بإرهاق كبير وبخراب بيروت. انفجار بيروت عرّى النظام اللبناني كما لم يعرّه أي شيء منذ بداية الانهيار البطيء للبنان في 1975. 

هذا الشتاء اللبناني الطويل لا بد أن ينتهي يوما، وأن يتبع نهايته صحوة سياسية تراجع نقديا وبصدق إخفاقات الانتفاضة

وكما هو الحال، بعد كل انتهاك عميق للقوانين والأعراف، أو عنف جماعي شنيع يرتكبه هذا الطرف أو ذاك، هذا الزعيم أو ذاك، وكما هو الحال بعد كل عملية اغتيال سياسي، أو نهب للمال العام، لن يحاسب أي مسؤول سياسي كبير عن جريمة انفجار بيروت.

اللبنانيون مرهقون بعد سنة حدثت فيها تطورات وكوارث تحدث عادة خلال عقود طويلة. أكثر من نصف اللبنانيين مصنفين الآن كفقراء، والكثير منهم يعيشون على المعونات الخارجية. سوف نرى حالات سوء تغذية وربما جوع في لبنان، مع ما يحمله ذلك من إذلال، واحتمال حدوث أعمال عنف فردية، يمكن أن تتطور إلى عنف أوسع.  

العالم الخارجي مشغول بجائحة كورونا والأزمة الاقتصادية التي جلبتها معها. ومن الصعب في مثل هذه الظروف التمسك بالتفاؤل السطحي. لبنان دخل نفقا مظلما لن يخرج منه في أي وقت قريب. هذا هو الواقع المؤلم والصريح. المستقبل المنظور قاتم، ولكن هذا لا يعني أن المستقبل البعيد سيبقى قاتما أيضا. وما هو مؤكد أيضا أن النظام اللبناني الفاسد و"حزب الله" الظلامي ومؤيديه يعانون أيضا من إرهاق وإفلاس سياسي وأخلاقي، كما يواجهون تحديات صعبة ومصيرية. وليس من المستبعد بروز نقمة في قاعدة "حزب الله"، بسبب تهورات قياداته المكلفة إن كان في لبنان أم في سوريا. 

هذا الشتاء اللبناني الطويل لا بد أن ينتهي يوما، وأن يتبع نهايته صحوة سياسية تراجع نقديا وبصدق إخفاقات الانتفاضة، وأن تشخص هذه الصحوة بوضوح نقاط قوة وضعف القوى المعادية للتغيير، بأمل استئناف النضال السلمي للتخلص من جلادي الشعب اللبناني.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.