The Palestine Youth Orchestra is seen during a final performance at The Concertgebouw in Amsterdam, Netherlands August 16, 2019…
أوركسترا فلسطين للشباب تحيي حفلا في أمستردام

من المحرر: توفي الدكتور رياض عصمت بعد إصابته بفيروس كورونا في 14 مايو 2020. وبعد وفاته تبين لعائلته أن الدكتور سبق أن كتب عددا من المقالات التي لم تنشر بعد، لذلك قرر موقع الحرة نشر هذه المقالات تباعا.

كانت أول مرة ركبت فيها طائرة في حياتي عام 1972 حين شاءت الصدفة أن يغيب رئيس التحرير ومدير التحرير في مجلة أسبوعية كنت أعمل فيها، ليتقرر إرسالي ـ رغم كوني محررا ثقافيا لا علاقة له بشؤون السياسة ـ في مهمة تغطية صحفية لزيارة رئاسية إلى موسكو وسوتشي. 

منذ وصولنا إلى مطار فنوكوفو في موسكو، تسابق جميع أعضاء الوفد بلا استثناء على طلب شراء كمية كبيرة من جفوت صيد فاخرة من الصناعة الروسية عبر واسطة السفارة السورية، لا أدري هل لممارسة هواية الصيد أو لبيعها بثمن باهظ عند العودة وجني ربح إضافي من تلك المهمة. شخصيا، شغلني هم آخر غير جفوت الصيد، ألا وهو اقتناء أكثر قدر أستطيع حمله من أسطوانات الموسيقى الكلاسيكية زهيدة السعر في موسكو آنذاك، حتى بلغ مجموع ما اقتنيت يزيد عن سبعين أسطوانة ناء بحملها ظهري ضمن حقيبة مدرسية، دون أن آبه إلى الطابع الرسمي للوفد. 

كانت الأسطوانات تضم أعمالا من تلحين تشايكوفسكي، بيتهوفن، موزارت، شوستاكوفيتش، فرانز ليست، شوبان، وعديد سواهم وصولا إلى البولندي بندرنسكي، وذلك كهدية لوالدي، الذي لا ينافس شغفه بالاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية التي يحاول تسقطها عبر راديو الترانزستور سوى الاستماع إلى أغاني أم كلثوم ونجاة الصغيرة وعبد الحليم حافظ وألحان محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وبليغ حمدي. 

كان عزف الفرق الموسيقية السوفييتية للمقطوعات الكلاسيكية رائعا، لكن نوعية تلك الأسطوانات وسوية التسجيل كانتا رديئتين للغاية، بحيث كانت البرهان العملي لما كان صديقي رسام الكاريكاتير الموهوب علي فرزات يرتجله ليضحكنا في الجلسات، مقلدا بتهكم كوميدي بارع إعلان ماركة أسطوانات قديمة كانت تسمى "صوت سيده" ـ ربما عن جدارة ـ إذ طبع عليها صورة كلب يجثو مصغيا إلى فونوغراف، وأذكر أنه كان يردد أنها "أسطوانات بلا خشخشة،" مقلدا كيف كانت تعلق الإبرة بنقطة معينة من اللحن، تظل تكرره حتى يتدخل أحد إصلاحه يدويا بعد أن تسيل دموعنا من الضحك على خدودنا.

فرح والدي بتلك الهدية غير المألوفة في ذلك الزمان فرحا غامرا، وصار يقعد يوميا عدة ساعات ليستمع إليها مرة تلو الأخرى، غير مبالٍ بالخشخشة ورداءة التسجيل أمام روعة أداء العازفين الروس، متباهيا بما جلبت له من هدية أمام أصدقائه. 

كان عزف الفرق الموسيقية السوفييتية للمقطوعات الكلاسيكية رائعا، لكن نوعية تلك الأسطوانات وسوية التسجيل كانتا رديئتين للغاية

كان والدي "عصمت"، رحمه الله، فنانا متعدد المواهب. بالإضافة إلى مهارته المحترفة في الرسم، برع منذ مطلع شبابه في عزف العود، بينما كان أخوه الأصغر (عمي نجدت) شديد البراعة على آلة الكمان، رغم أن كليهما كان يحسن عزف آلة الآخر. شكل الشقيقان (عصمت ونجدت) في أربعينيات القرن العشرين ثنائيا كان يقود فرقة موسيقية سورية صرفة تسمى فرقة "نادي أصدقاء الفنون"، ما لبثت أن تحولت من الهواية إلى الاحتراف، وصارت تحيي ساعة كاملة من العزف الحي عبر الأثير من إذاعة دمشق الوليدة آنذاك. 

كان عمي يعزف الكمان بطريقة شرقية لم أسمع مثلها إلا عبر التلفزيون من ندرة من العازفين، إذ كان فيها لمسة تركية مشبعة بالعواطف، ربما بسبب اقترانه بقريبة تركية من اسطنبول. أما شقيقهما الأكبر (عمي مدحت) فكان مجرد "سميع" مواظب للألحان الشرقية، لا يفوت حفلة لمطربة شهيرة إلا ويحضرها. لكنه لم يكن يمارس العزف، إلا إذا اعتبرنا إمساكه للإيقاع على الدربكة مع شقيقيه عزفا خلال السهرات في بستاننا على ضوء القمر، حين لم تكن الكهرباء قد وصلت بعد إلى تلك المنطقة القريبة من دمشق. 

لكن ذكري لتعدد مواهب والدي جاء لسببين، أولهما أنه أقدم على التأليف الموسيقي في حين اقتصر عمي على عزف الكمان. يذكر الباحث الموسيقي الراحل صميم الشريف في كتابه التوثيقي عن تلك المرحلة قطعة ألفها والدي تحت اسم "كيوبيد"، لحن بعدها أغانٍ قليلة لأحد مطربي ذلك الزمان، قبل أن يقلع عن التلحين بسبب انتحال المطرب لتأليف اللحن، وبسبب معارضة والدتي لتردده مساءً على النادي أو الإذاعة حيث أجواء الفنانين. 

أما ثاني الأسباب، فهو أن أبي كان يتميز بصوت رخيم في الغناء، وبراعة في أداء أغاني محمد عبد الوهاب خلال السهرات التي كان يجتمع فيها أقرباء وأصدقاء ومثقفون في بستان عائلتنا الواقع بعد "دمر" وقبل "الهامة"، كي أذكر بكلمات أحد القدود الحلبية الشهيرة: "يا طيرة طيري يا حمامة/ وديني دمر والهامة". للأسف، توقف أبي عن الغناء في عز شبابه بسبب ملاحظته أن صوته ساء بسبب تدخينه يوميا أكثر من علبتي سجائر "بافرا"، مكتفيا بعزف العود غالبا، والكمان أحيانا، حين كان يتبادل مع نصفه الآخر، عمي نجدت، الآلتين ليستعرضا مهاراتهما في عزف أكثر من آلة موسيقية. كان من المدهش حقا تفاهمهما بالإشارة، بل بلحظ العين، ليرتجلا بابتكار ويعزفا بروعة مقطوعة "فرح فزه" وبعض ألحان عبد الوهاب والقدود الحلبية القديمة.

رغم أنني لم أمارس هواية الغناء كأختي، ولم أحاول تعلم العزف على الأورغ كأخي، إلا أنني كنت ولا زلت متذوقا للموسيقى الغربية والشرقية، الكلاسيكية والحديثة. هناك أعمال معينة علقت بذاكرتي، وصارت جزءا من وجداني. هل ينسى أحد اقتباس زياد الرحباني للسيمفونية 40 لموزارت في أغنية "أنا وياك" لفيروز؟ هل ينسى اقتباس الأخوين الرحباني للحن مندلسون الشهير على الكمان في أغنية "لينا يا لينا إبرة وخيط عيرينا"؟ هل ينسى أحد شارة المسلسل السوري المقتبسة عن مقطوعة فيفالدي "الفصول الأربعة"؟ 

عندما كنت أمارس الإخراج، كنت أقضي ساعات طويلة في اختيار المقاطع الموسيقية المرافقة للعرض عندما أقرر أن تكون جاهزة. أما عندما يقتضي الأمر تكليف ملحن، كنت أجلس معه عدة جلسات قبل وخلال وبعد عمله على المؤثرات الموسيقية، موضحا حاجتي ورغباتي النابعة من رؤيتي ومفهومي عن العرض. 

على سبيل المثال، استخدمت عدة تنويعات مختلفة من موسيقى أغنية البيتلز Yesterday حين أخرجت ثلاثيتي التلفزيونية "الفنان والحب" (1985)، وطلبت من عازف الكمان لدى إخراجي مسرحية تنيسي وليامز "ترامواي الرغبة" عزف "آه يا زين" على خشبة المسرح بعدة تنويعات. أما لدى إخراجي مسرحية وليامز الأخرى "الحيوانات الزجاجية"، فاخترت مجموعة من الأغاني الأجنبية الشائعة في حقبة الستينيات، فتركت تأثيرا عاطفيا قويا على المتفرجين في عمر الكهولة، بينما ذكرت الشباب بألحان لم يعايشوها لأغان رائعة لمطربين مثل ماري هوبكين، بول أنكا، بيتر سارستد وسواهم. 

لبيت بسرور طلبات شخصية من عدة أصدقاء في تسجيل نسخة من موسيقى عرض "الحيوانات الزجاجية"، الذي خرّجت فيه باسل الخياط، قصي الخولي، وراغدة الشعراني من قسم التمثيل في "المعهد العالي للفنون المسرحية"، مع الخريجة السابقة من طالباتي القدامى نسيمة ضاهر في دور الأم آماندا وينغفيلد.

أذكر أنني حين حضرت عرض فرقة البولشوي في موسكو عام 1972 بهرت بعرض باليهLa Bayadere  للملحن لودفيغ مينكوس. أما عندما دعيت عام 1974 إلى برلين (الشرقية آنذاك) لمدة شهر كناقد مسرحي، فحضرت عديدا من الأوبرات وعروض الباليه هناك، منها عدة إخراجات للمبدع العظيم فلزنشتاين، أذكر منها "حلم ليلة صيف" من ألحان بريتن. أما في أواخر سبعينيات القرن العشرين، فأبهرني فيلم ألماني عرضه الملحق الثقافي الألماني في منزله خلق مشاهد طقسية غريبة لترافق موسيقى "كارمينا بورانا" لكارل أورف.

في ثمانينيات القرن العشرين، أحببت بشكل خاص ألحان تشايكوفسكي، بسبب نزعتها العاطفية التي لم أجد ما يضاهيها لدى كثيرين، وأخص بالذكر "الكونشرتو الأول"، وذلك قبل أن أشاهد في سان فرانسيسكو عام 1987 باليه "بحيرة البجع"، وفي مدينة أخرى لا أذكرها باليه "كسارة البندق". 

شاهدت أيضا من إبداعات تشايكوفسكي في وارسو أوبرا "الملكة البستوني"، ولم أعد أذكر إن كنت حضرت في لندن أم كارديف "يوجين أونيغن" مع موسم أوبرات متميزة أخرى. ما زلت أذكر عرض أوبرا موزارت "الناي السحري" في "مسرح الدمى" الذي حضرته وزوجتي في مدينة سالزبورغ بالنمسا عام 1996، وكان يضاهي مسرح العرائس الياباني "بونراكو". 

ما زلت شغوفا حتى اليوم بعمل موسورسكي "لوحات في المعرض"، بحيث طلبت من قائد الأوركسترا الصديق نوري الرحيباني أن يقود الأوركسترا الوطنية السورية لتؤدي تلك المقطوعة، وفعل بنجاح. كنت وما زلت شديد الولع بعمل جوهان شتراوس الكبير Radestzky March الذي يقود المايسترو الجمهور فيه كي يشارك بالتصفيق في مقاطع معينة بتناغم إيقاعي مع علو صوت العزف أو انخفاضه في أداء الفرقة. 

من قال إن الموسيقى الكلاسيكية مقتصرة على شعوب الغرب وحسب؟ إنها فن إنساني راقٍ يغذي روح الإنسان في كل مكان وزمان

لا شك أن "الدانوب الأزرق" للمؤلف جوهان شتراوس الثاني الابن له تأثيره أيضا، بحيث سرت وزوجتي طويلا في فيينا على شاطئ الدانوب بحثا عن زرقته. حضرت في برلين (الشرقية) ولندن وكارديف أكثر من إنتاج مختلف لأوبرا جورج بيزيه "كارمن"، وجوزيبي فيردي "عايدة" و"لا ترافييتا". 

حين قمت مع مجموعة من طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية بزيارة ألمانيا، فتنت بأوبريت الملحن سميتانا "عروس بالمقايضة. أحببت لحن موريس رافيل "بوليرو"، كما أحببت لحن بونشييلي "رقصة الساعات" ولحن كلود ديبوسي "البحر"، وألحان بيتهوفن "من أجل إليز" و"نشيد الفرح" من السيمفونية التاسعة، والسمفونية السادسة الريفية كلها. أولعت بفاغنر (تيمنا بعنوان كتاب برنارد شو الشهير عنه،) خاصة حين أجبرت وفدا إعلاميا على حضور أوبرا "الهولندي الطائر" في ميونيخ. 

أحببت أيضا بورودين "في ربوع آسيا"، وكورساكوف في "شهرزاد". أحببت بالتأكيد "حلاق بغداد" و"وليم تل" لروسيني، وبالأخص أعجبت بأوبرا "لوسيا دي لاميرمور" لدونيزوتي، وأوبرا "مدام بترفلاي" لجياكومو يوتشيني. أحببت لحن شوبرت "الموت والعذراء" حين أخرجت أول عرض باللغة العربية لمسرحية الكاتب التشيلي آرييل دورفمان في دمشق التي تحمل العنوان نفسه، وتألقت فيها سلافة المعمار بشكل خاص. 

تطول قائمة الملحنين الذين أحببت ألحانهم، وتشمل دفورجاك، شوبان، ليست، باخ، هايدن، براهمز، هاندل، بارتوك، مونافيردي، شوستاكوفيتش، بروكوفيوف، سترافينسكي، خاشودريان، وحتى البولندي التجريبي بندريسكي. من قال إن الموسيقى الكلاسيكية مقتصرة على شعوب الغرب وحسب؟ إنها فن إنساني راقٍ يغذي روح الإنسان في كل مكان وزمان.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.