The Palestine Youth Orchestra is seen during a final performance at The Concertgebouw in Amsterdam, Netherlands August 16, 2019…
أوركسترا فلسطين للشباب تحيي حفلا في أمستردام

من المحرر: توفي الدكتور رياض عصمت بعد إصابته بفيروس كورونا في 14 مايو 2020. وبعد وفاته تبين لعائلته أن الدكتور سبق أن كتب عددا من المقالات التي لم تنشر بعد، لذلك قرر موقع الحرة نشر هذه المقالات تباعا.

كانت أول مرة ركبت فيها طائرة في حياتي عام 1972 حين شاءت الصدفة أن يغيب رئيس التحرير ومدير التحرير في مجلة أسبوعية كنت أعمل فيها، ليتقرر إرسالي ـ رغم كوني محررا ثقافيا لا علاقة له بشؤون السياسة ـ في مهمة تغطية صحفية لزيارة رئاسية إلى موسكو وسوتشي. 

منذ وصولنا إلى مطار فنوكوفو في موسكو، تسابق جميع أعضاء الوفد بلا استثناء على طلب شراء كمية كبيرة من جفوت صيد فاخرة من الصناعة الروسية عبر واسطة السفارة السورية، لا أدري هل لممارسة هواية الصيد أو لبيعها بثمن باهظ عند العودة وجني ربح إضافي من تلك المهمة. شخصيا، شغلني هم آخر غير جفوت الصيد، ألا وهو اقتناء أكثر قدر أستطيع حمله من أسطوانات الموسيقى الكلاسيكية زهيدة السعر في موسكو آنذاك، حتى بلغ مجموع ما اقتنيت يزيد عن سبعين أسطوانة ناء بحملها ظهري ضمن حقيبة مدرسية، دون أن آبه إلى الطابع الرسمي للوفد. 

كانت الأسطوانات تضم أعمالا من تلحين تشايكوفسكي، بيتهوفن، موزارت، شوستاكوفيتش، فرانز ليست، شوبان، وعديد سواهم وصولا إلى البولندي بندرنسكي، وذلك كهدية لوالدي، الذي لا ينافس شغفه بالاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية التي يحاول تسقطها عبر راديو الترانزستور سوى الاستماع إلى أغاني أم كلثوم ونجاة الصغيرة وعبد الحليم حافظ وألحان محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وبليغ حمدي. 

كان عزف الفرق الموسيقية السوفييتية للمقطوعات الكلاسيكية رائعا، لكن نوعية تلك الأسطوانات وسوية التسجيل كانتا رديئتين للغاية، بحيث كانت البرهان العملي لما كان صديقي رسام الكاريكاتير الموهوب علي فرزات يرتجله ليضحكنا في الجلسات، مقلدا بتهكم كوميدي بارع إعلان ماركة أسطوانات قديمة كانت تسمى "صوت سيده" ـ ربما عن جدارة ـ إذ طبع عليها صورة كلب يجثو مصغيا إلى فونوغراف، وأذكر أنه كان يردد أنها "أسطوانات بلا خشخشة،" مقلدا كيف كانت تعلق الإبرة بنقطة معينة من اللحن، تظل تكرره حتى يتدخل أحد إصلاحه يدويا بعد أن تسيل دموعنا من الضحك على خدودنا.

فرح والدي بتلك الهدية غير المألوفة في ذلك الزمان فرحا غامرا، وصار يقعد يوميا عدة ساعات ليستمع إليها مرة تلو الأخرى، غير مبالٍ بالخشخشة ورداءة التسجيل أمام روعة أداء العازفين الروس، متباهيا بما جلبت له من هدية أمام أصدقائه. 

كان عزف الفرق الموسيقية السوفييتية للمقطوعات الكلاسيكية رائعا، لكن نوعية تلك الأسطوانات وسوية التسجيل كانتا رديئتين للغاية

كان والدي "عصمت"، رحمه الله، فنانا متعدد المواهب. بالإضافة إلى مهارته المحترفة في الرسم، برع منذ مطلع شبابه في عزف العود، بينما كان أخوه الأصغر (عمي نجدت) شديد البراعة على آلة الكمان، رغم أن كليهما كان يحسن عزف آلة الآخر. شكل الشقيقان (عصمت ونجدت) في أربعينيات القرن العشرين ثنائيا كان يقود فرقة موسيقية سورية صرفة تسمى فرقة "نادي أصدقاء الفنون"، ما لبثت أن تحولت من الهواية إلى الاحتراف، وصارت تحيي ساعة كاملة من العزف الحي عبر الأثير من إذاعة دمشق الوليدة آنذاك. 

كان عمي يعزف الكمان بطريقة شرقية لم أسمع مثلها إلا عبر التلفزيون من ندرة من العازفين، إذ كان فيها لمسة تركية مشبعة بالعواطف، ربما بسبب اقترانه بقريبة تركية من اسطنبول. أما شقيقهما الأكبر (عمي مدحت) فكان مجرد "سميع" مواظب للألحان الشرقية، لا يفوت حفلة لمطربة شهيرة إلا ويحضرها. لكنه لم يكن يمارس العزف، إلا إذا اعتبرنا إمساكه للإيقاع على الدربكة مع شقيقيه عزفا خلال السهرات في بستاننا على ضوء القمر، حين لم تكن الكهرباء قد وصلت بعد إلى تلك المنطقة القريبة من دمشق. 

لكن ذكري لتعدد مواهب والدي جاء لسببين، أولهما أنه أقدم على التأليف الموسيقي في حين اقتصر عمي على عزف الكمان. يذكر الباحث الموسيقي الراحل صميم الشريف في كتابه التوثيقي عن تلك المرحلة قطعة ألفها والدي تحت اسم "كيوبيد"، لحن بعدها أغانٍ قليلة لأحد مطربي ذلك الزمان، قبل أن يقلع عن التلحين بسبب انتحال المطرب لتأليف اللحن، وبسبب معارضة والدتي لتردده مساءً على النادي أو الإذاعة حيث أجواء الفنانين. 

أما ثاني الأسباب، فهو أن أبي كان يتميز بصوت رخيم في الغناء، وبراعة في أداء أغاني محمد عبد الوهاب خلال السهرات التي كان يجتمع فيها أقرباء وأصدقاء ومثقفون في بستان عائلتنا الواقع بعد "دمر" وقبل "الهامة"، كي أذكر بكلمات أحد القدود الحلبية الشهيرة: "يا طيرة طيري يا حمامة/ وديني دمر والهامة". للأسف، توقف أبي عن الغناء في عز شبابه بسبب ملاحظته أن صوته ساء بسبب تدخينه يوميا أكثر من علبتي سجائر "بافرا"، مكتفيا بعزف العود غالبا، والكمان أحيانا، حين كان يتبادل مع نصفه الآخر، عمي نجدت، الآلتين ليستعرضا مهاراتهما في عزف أكثر من آلة موسيقية. كان من المدهش حقا تفاهمهما بالإشارة، بل بلحظ العين، ليرتجلا بابتكار ويعزفا بروعة مقطوعة "فرح فزه" وبعض ألحان عبد الوهاب والقدود الحلبية القديمة.

رغم أنني لم أمارس هواية الغناء كأختي، ولم أحاول تعلم العزف على الأورغ كأخي، إلا أنني كنت ولا زلت متذوقا للموسيقى الغربية والشرقية، الكلاسيكية والحديثة. هناك أعمال معينة علقت بذاكرتي، وصارت جزءا من وجداني. هل ينسى أحد اقتباس زياد الرحباني للسيمفونية 40 لموزارت في أغنية "أنا وياك" لفيروز؟ هل ينسى اقتباس الأخوين الرحباني للحن مندلسون الشهير على الكمان في أغنية "لينا يا لينا إبرة وخيط عيرينا"؟ هل ينسى أحد شارة المسلسل السوري المقتبسة عن مقطوعة فيفالدي "الفصول الأربعة"؟ 

عندما كنت أمارس الإخراج، كنت أقضي ساعات طويلة في اختيار المقاطع الموسيقية المرافقة للعرض عندما أقرر أن تكون جاهزة. أما عندما يقتضي الأمر تكليف ملحن، كنت أجلس معه عدة جلسات قبل وخلال وبعد عمله على المؤثرات الموسيقية، موضحا حاجتي ورغباتي النابعة من رؤيتي ومفهومي عن العرض. 

على سبيل المثال، استخدمت عدة تنويعات مختلفة من موسيقى أغنية البيتلز Yesterday حين أخرجت ثلاثيتي التلفزيونية "الفنان والحب" (1985)، وطلبت من عازف الكمان لدى إخراجي مسرحية تنيسي وليامز "ترامواي الرغبة" عزف "آه يا زين" على خشبة المسرح بعدة تنويعات. أما لدى إخراجي مسرحية وليامز الأخرى "الحيوانات الزجاجية"، فاخترت مجموعة من الأغاني الأجنبية الشائعة في حقبة الستينيات، فتركت تأثيرا عاطفيا قويا على المتفرجين في عمر الكهولة، بينما ذكرت الشباب بألحان لم يعايشوها لأغان رائعة لمطربين مثل ماري هوبكين، بول أنكا، بيتر سارستد وسواهم. 

لبيت بسرور طلبات شخصية من عدة أصدقاء في تسجيل نسخة من موسيقى عرض "الحيوانات الزجاجية"، الذي خرّجت فيه باسل الخياط، قصي الخولي، وراغدة الشعراني من قسم التمثيل في "المعهد العالي للفنون المسرحية"، مع الخريجة السابقة من طالباتي القدامى نسيمة ضاهر في دور الأم آماندا وينغفيلد.

أذكر أنني حين حضرت عرض فرقة البولشوي في موسكو عام 1972 بهرت بعرض باليهLa Bayadere  للملحن لودفيغ مينكوس. أما عندما دعيت عام 1974 إلى برلين (الشرقية آنذاك) لمدة شهر كناقد مسرحي، فحضرت عديدا من الأوبرات وعروض الباليه هناك، منها عدة إخراجات للمبدع العظيم فلزنشتاين، أذكر منها "حلم ليلة صيف" من ألحان بريتن. أما في أواخر سبعينيات القرن العشرين، فأبهرني فيلم ألماني عرضه الملحق الثقافي الألماني في منزله خلق مشاهد طقسية غريبة لترافق موسيقى "كارمينا بورانا" لكارل أورف.

في ثمانينيات القرن العشرين، أحببت بشكل خاص ألحان تشايكوفسكي، بسبب نزعتها العاطفية التي لم أجد ما يضاهيها لدى كثيرين، وأخص بالذكر "الكونشرتو الأول"، وذلك قبل أن أشاهد في سان فرانسيسكو عام 1987 باليه "بحيرة البجع"، وفي مدينة أخرى لا أذكرها باليه "كسارة البندق". 

شاهدت أيضا من إبداعات تشايكوفسكي في وارسو أوبرا "الملكة البستوني"، ولم أعد أذكر إن كنت حضرت في لندن أم كارديف "يوجين أونيغن" مع موسم أوبرات متميزة أخرى. ما زلت أذكر عرض أوبرا موزارت "الناي السحري" في "مسرح الدمى" الذي حضرته وزوجتي في مدينة سالزبورغ بالنمسا عام 1996، وكان يضاهي مسرح العرائس الياباني "بونراكو". 

ما زلت شغوفا حتى اليوم بعمل موسورسكي "لوحات في المعرض"، بحيث طلبت من قائد الأوركسترا الصديق نوري الرحيباني أن يقود الأوركسترا الوطنية السورية لتؤدي تلك المقطوعة، وفعل بنجاح. كنت وما زلت شديد الولع بعمل جوهان شتراوس الكبير Radestzky March الذي يقود المايسترو الجمهور فيه كي يشارك بالتصفيق في مقاطع معينة بتناغم إيقاعي مع علو صوت العزف أو انخفاضه في أداء الفرقة. 

من قال إن الموسيقى الكلاسيكية مقتصرة على شعوب الغرب وحسب؟ إنها فن إنساني راقٍ يغذي روح الإنسان في كل مكان وزمان

لا شك أن "الدانوب الأزرق" للمؤلف جوهان شتراوس الثاني الابن له تأثيره أيضا، بحيث سرت وزوجتي طويلا في فيينا على شاطئ الدانوب بحثا عن زرقته. حضرت في برلين (الشرقية) ولندن وكارديف أكثر من إنتاج مختلف لأوبرا جورج بيزيه "كارمن"، وجوزيبي فيردي "عايدة" و"لا ترافييتا". 

حين قمت مع مجموعة من طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية بزيارة ألمانيا، فتنت بأوبريت الملحن سميتانا "عروس بالمقايضة. أحببت لحن موريس رافيل "بوليرو"، كما أحببت لحن بونشييلي "رقصة الساعات" ولحن كلود ديبوسي "البحر"، وألحان بيتهوفن "من أجل إليز" و"نشيد الفرح" من السيمفونية التاسعة، والسمفونية السادسة الريفية كلها. أولعت بفاغنر (تيمنا بعنوان كتاب برنارد شو الشهير عنه،) خاصة حين أجبرت وفدا إعلاميا على حضور أوبرا "الهولندي الطائر" في ميونيخ. 

أحببت أيضا بورودين "في ربوع آسيا"، وكورساكوف في "شهرزاد". أحببت بالتأكيد "حلاق بغداد" و"وليم تل" لروسيني، وبالأخص أعجبت بأوبرا "لوسيا دي لاميرمور" لدونيزوتي، وأوبرا "مدام بترفلاي" لجياكومو يوتشيني. أحببت لحن شوبرت "الموت والعذراء" حين أخرجت أول عرض باللغة العربية لمسرحية الكاتب التشيلي آرييل دورفمان في دمشق التي تحمل العنوان نفسه، وتألقت فيها سلافة المعمار بشكل خاص. 

تطول قائمة الملحنين الذين أحببت ألحانهم، وتشمل دفورجاك، شوبان، ليست، باخ، هايدن، براهمز، هاندل، بارتوك، مونافيردي، شوستاكوفيتش، بروكوفيوف، سترافينسكي، خاشودريان، وحتى البولندي التجريبي بندريسكي. من قال إن الموسيقى الكلاسيكية مقتصرة على شعوب الغرب وحسب؟ إنها فن إنساني راقٍ يغذي روح الإنسان في كل مكان وزمان.

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.