Palestinian President Mahmoud Abbas wears a protective mask after charing the Palestinian leadership meeting at his…
رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بعد اجتماع لقيادة السلطة هدد بعده بوقف التعاون الأمني مع إسرائيل

تشهد السلطة الفلسطينية أزمة نوعية تهدد بتحدياتها وتشعباتها الدولية والداخلية، مصير السلطة ووجودها منذ 26 عاما ككيان سياسي وحكومي يمثل الفلسطينيين.

إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس هذا الأسبوع أن اليوم التالي لإقدام إسرائيل على ضم أراض محتلة في غور الأردن والضفة الغربية، سيعني انسحاب فلسطيني من الاتفاقات الموقعة مع الدول العبرية ومع الولايات المتحدة، يفتح معركة غير مسبوقة في النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، تستند إلى هذه المعطيات:

حكومة إسرائيل اليوم أمام فرصة قد لا تتكرر أميركيا وإقليميا ودوليا، تفسح لها المجال في انتهاك الأعراف والقوانين الدولية وضم أجزاء من غور الأردن والضفة الغربية بشكل يختزل فكرة الدولة الفلسطينية وفحواها السيادي والجغرافي.

أميركيا، يستفيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو من وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض وفريق سيغض النظر عن قرار الضم طالما يتم إحاطته بشروط تجميلية ترتبط بخطة ترامب التي رفضها الفلسطينيون. هذه النافذة قد تغلق في حال خسارة ترامب الانتخابات في نوفمبر، ولو أن المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن هو مقرب من إسرائيل إنما ليس من اللوبي الإنجيلي.

السلطة الفلسطينية اليوم تقف على مفترق تاريخي وخياراتها محدودة بين محاولة شراء الوقت أو قلب الطاولة بالكامل

إقليميا ودوليا، خصم إسرائيل الأكبر، أي إيران، ملهي اليوم بأربع ساحات ساخنة هي اليمن والعراق وسوريا ولبنان، وبأزمة اقتصادية خانقة داخليا. دور النظام الإيراني اليوم يدعم الفلسطينيين برسومات بعضها معاد للسامية عبر تويتر، وبتغذية حالة الانقسام الفلسطينية التي أوصلت إلى هذه المرحلة، وهما أمران الفلسطينيون هم بغنى عنهما. 

أما الأردن ومصر فهما مقيدان بأعباء داخلية ولديهما تفاهمات تاريخية مع إسرائيل، وغير قادران حتى الساعة على وقف التمادي الإسرائيلي أمام الفلسطينيين. باقي الدول العربية منقسمة فيما بينها، كما هم الفلسطينيون، بينما الأوروبيين منشغلون بالوباء، وروسيا والصين لديهما مصالح اقتصادية مع إسرائيل.

هذا الأمر يضع الفلسطينيين في موقع غير محسود عليه ويحصر خيارات السلطة الفلسطينية فيما يلي:

أولا، تنفيذ تهديد عباس والانسحاب التدريجي من الاتفاقات وقطع التعاون الاستخباراتي مع واشنطن وتل أبيب. لكن هكذا قرار سيحمل أيضا تداعيات عكسية على الفلسطينيين، في حال ردت إسرائيل بقطع التعاون الاقتصادي والمالي مع السلطة، والآلية المعتمدة منذ أوسلو، علما أن التعاون الأمني مع الأميركيين عمره أطول من ذلك ويعود لأيام وزير الخارجية جورج شالتز في بداية الثمانينيات.

ثانيا، شراء الوقت وتقاذف الكرة حتى الانتخابات الأميركية في نوفمبر. هكذا خيار يتطلب من الفلسطينيين المراوغة أو العودة للمفاوضات لتأجيل قرار الضم، لكن ما من مؤشر بأن إسرائيل ستقبل بذلك وإعلان عباس يصعب هذه المهمة.

المستفيدان الأكبر من قرار الضم هما الحركة الاستيطانية وحركة "حماس"

ثالثا، انسحاب كلي وسريع من الاتفاقات والمضي بطريق ما قبل أوسلو أي حل السلطة الفلسطينية ووضع إسرائيل أمام واقع دولة احتلال وقلب الطاولة بالكامل بشكل يفتح احتمالات كانت ما قبل مدريد 1991، بينها الانتفاضة. هكذا خيار يعني قرار داخلي للسلطة برسم منعطف تاريخي يغير المعادلة بالكامل ويعيد النقاش إلى ما قبل حل الدولتين.

رابعا، عودة عباس للأمم المتحدة والمحاكم الدولية، والرهان على الأوروبيين وهو خيار لا يضمن الكثير نظرا لتراجع الدور الأوروبي وانشغال الأمم المتحدة بوباء كورونا وانقسام مجلس الأمن.

السلطة الفلسطينية اليوم تقف على مفترق تاريخي وخياراتها محدودة بين محاولة شراء الوقت أو قلب الطاولة بالكامل. أما إسرائيل، وحتى لو أحرزت انتصارا في المدى القصير بتنفيذ قرار الضم فهي في وارد الدخول في أزمة أطول في المدى المتوسط والطويل ترى نهاية حل الدولتين، وتشنج مع الأردن ومصر.

المستفيدان الأكبر من قرار الضم هما الحركة الاستيطانية وحركة "حماس" نظرا للتبعات التي سيحملها القرار على انهيار آلية أوسلو التي رفضها نتانياهو كما "حماس" منذ توقيعها، ومعها انهيار محتمل للسلطة الفلسطينية وتركيبة حل الدولتين.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.