A protester holds up a portrait of George Floyd during a "Black Lives Matter" demonstration in front of the Brooklyn Library…
متظاهرون يرفعون صورة جورج فلويد خلال تظاهرة في بروكلين للمطالبة بالعدالة ووقف التمييز العنصري

خلال الأشهر الأربعة الماضية فقدت ثلاث عوائل أميركية فردا من أفردها إما على أيدي رجال الشرطة أو مدنيين مسلحين في كل من ولاية جورجيا وكنتاكي ومينيسوتا. 

ففي ظهيرة 22 فبراير، أطلق مسلح النار على الشاب أحمد أربيري أثناء ممارسته رياضة الجري في ضواحي مدينة برنزويك بولاية جورجيا.

وفي الساعات الأولى من صباح 13 مارس، أطلق رجال شرطة كانوا يرتدون ملابس مدنية النار على الشابة بريانا تايلور فأردوها قتيلة داخل منزلها بمدينة لويزفيل بولاية كنتاكي. 

وفي 25 مايو، قتل الشرطي ديرك شوفين الأربعيني جورج فلويد خنقا بعد أن وطأ بركبته على رقبة فلويد لأكثر من ثمانية دقائق حتى فارق الحياة في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا.

العامل المشترك بين أولئك الضحايا هو أنهم أميركيون من أصول أفريقية تسعى عائلاتهم إلى الاقتصاص من قاتليهم لكنهم في الوقت نفسه يشككون في قدرة النظام القضائي الأميركي على إنصافهم استنادا إلى العديد من الأحكام في قضايا مشابهة برأت فيها المحاكم ساحة من أراقوا دماء مواطنين سود.

أثبتت المشاركة الواسعة للعديد من شرائح المجتمع الأميركي في المظاهرات والمسيرات السلمية مدى إدراك الشعب الأميركي فداحة الظلم الواقع على السود

ولفهم الواقع اليومي للسود، تخيل معي عزيزي القارئ أن أولئك الضحايا الذين فقدوا أرواحهم خلال الأشهر الماضية من أبناء جلدتك أو يشتركون معك في الشكل أو الجنسية أو الأصل العرقي أو المعتقد الديني، وتصور معي حجم الرعب الذي سينتابك حين تدرك بأنك قد تلقى نفس مصيرهم عند ممارستك للرياضة في الشارع أو أثناء تواجدك داخل منزلك أو على يد رجل شرطة بسبب مخالفة مرورية أو عند اشتباه محاسب متجر ما باستعمالك عملة ورقية مزيفة أو أن يتهمك شخص بتهديد حياته أثناء تجولك في حديقة عامة كما حدث مع كريستان كوبر في حديقة سنترال بارك بنيويورك.

موجة الاحتجاجات العارمة التي اندلعت في عدة مدن أميركية وحول العالم بعد مقتل جورج فلويد بشقيها السلمي والعنيف سلطت الضوء على معاناة السود المستمرة من العنصرية في الولايات المتحدة والتي يصعب على غير السود تصور آثارها على جوانب الحياة اليومية للسود والرعب الذي يعيشونه بسبب التصورات المبالغة عن خطورتهم ومشاعر الخوف التي يثيرها لون بشرتهم في قلوب الكثيرين.

لقد أثبتت المشاركة الواسعة للعديد من شرائح المجتمع الأميركي في المظاهرات والمسيرات السلمية وحملات التضامن على وسائل التواصل الأميركي مدى إدراك الشعب الأميركي فداحة الظلم الواقع على السود وقناعتهم بضرورة التصدي للعنصرية التي يتعرضون لها ومعالجة أسبابها واتخاذ التدابير اللازمة لاستئصالها من جذورها وفضح العنصريين وإقصائهم والتأكيد على خطورة توجهاتهم على الأمن القومي وعلى مستقبل الأمة الأميركية.

مظاهر العنف وأعمال الشغب وعمليات النهب المؤسفة التي حدثت ساهمت أيضا في التعريف بمعاناة السود بطريقة غير مباشرة فقد عكست جانبا من الرعب الذي يعيشونه يوميا فشعور الخوف الذي انتاب الكثيرين من جراء تلك التصرفات على حياتهم وممتلكاتهم هو ذات الشعور الذي يسيطر على قلوب السود كلما قرأوا أو شاهدوا خبرا عن مقتل شخص يشتركون معه في لون البشرة.

ولطالما أثارت جرائم القتل التي يرتكبها رجال الشرطة سخطا شعبيا واسعا تتجدد معه في كل مرة التساؤلات عن قدرة النظام في الولايات المتحدة على التوصل إلى حلول حذرية لهذه التجاوزات لا تتوقف فقط عند تقييد الحالات التي يسمح فيها لرجال الشرطة بإطلاق النار على المشتبه بهم أو إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب.

وقد ذهب البعض إلى حد المطالبة بتغيير النظام الحالي للشرطة وسحب الكثير من الصلاحيات الموكلة له وتقليل ميزانيته والتركيز على معالجة القضايا الاجتماعية بعيدا عن بنادق وقيود رجال الشرطة وسجون النظام العدلي التي تمثل نسبة السود فيها 34 في المئة على الرغم من أنهم يمثلون 13 في المئة من المجتمع الأميركي.

لقد بات في حكم المؤكد هذه المرة أن تغييرا ما سيحدث في نظام الشرطة للحد من تجاوزات رجال الشرطة فمن المتوقع أن يتواصل الضغط الشعبي عبر المظاهرات والمسيرات حتى يستجيب السياسيون لمطالبهم بإصلاح جهاز الشرطة وطريقة تعامل الشرطيين مع المواطنين.

من ضمن الإصلاحات المطروحة بقوة حاليا مجموعة من التوصيات قدمتها منظمة “Campaign Zero” بعنوان "8CantWait"  وهي باتت تحظى بدعم واسع من قبل العديد من المشاهير أبرزهم أوبرا وينفري وتأييد الملايين على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتشير المنظمة إلى أن التوصيات الثمانية التي تقترح تضمنيها في اللوائح والتعليمات التي تحكم تصرفات رجال الشرطة مع المشتبه بهم ستقلل من أعمال العنف المرتبطة بالشرطة بنسبة 72 في المئة. 

جريمة مقتل فلويد بتلك الطريقة البشعة تمثل بداية فعلية لنهج نضالي جديد ضد العنصرية الممنهجة وتغول جهاز الشرطة

وتشمل هذه التوصيات منع استخدام المسكة الخانقة "stranglehold" على المشتبه بهم، ومنع إطلاق النار على العربات المتحركة، وإلزام رجال الشرطة بتخفيف حدة التوتر مع المشتبه بهم، وإنذار المشتبه بهم قبل إطلاق النار، واستنفاذ كافة الوسائل المتاحة قبل إطلاق النار وإلزام رجال الشرطة بالتدخل في حالة تمادي زملائهم في استخدام العنف ضد المشتبه بهم، وإلزامهم أيضا بالتدرج في استخدام العنف وكتابة تقارير مفصلة عن كل الأحداث.

أما معارضو الحملة فيرون بأنها تقدم حلولا شكلية وأن معظم تلك البنود منصوص عليها في أغلب التعليمات ولكنها لم تمنع رجال الشرطة في نيويورك من إزهاق روح إيريك غارنر خنقا فيما لم يتدخل رجال الشرطة لإنقاذ حياة جورج فلويد في مينابولس على الرغم من استغاثته المتكررة بأنه لا يستطيع التنفس مع أن التعليمات تلزمهم بذلك.

لقد قطع السود مشوارا طويلا من أجل انتزاع حقوقهم في المساواة والعدالة الاجتماعية ولكن لا يزال أمامهم العديد من العقبات والتحديات لتفكيك أنظمة وسياسات كرست الفقر في مجتمعاتهم وقللت فرص أبنائهم في الحصول على الخدمات الاجتماعية والتعليم المناسبين لتفادي الدخول في دوامة النظام العدلي.

جريمة مقتل فلويد بتلك الطريقة البشعة تمثل بداية فعلية لنهج نضالي جديد ضد العنصرية الممنهجة وتغول جهاز الشرطة يحظى بدعم قطاع واسع من شرائح المجتمع الأميركي ويقوده جيل جديد من القادة المسلحين بالعلم والثقافة والمعرفة والعزم والثقة في قدرتهم على إعادة بناء أميركا على أسس حقيقية من الحرية والعدالة والمساواة.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!