This handout picture released and taken by the Iraqi Parliament's press office early on May 7, 2020 shows Iraqi Prime Minister…
يسعي الكاظمي إلى تغيير محيط السلطة، وهو البداية نحو تغيير نمط التفكير والتعاطي مع التغيرات السياسية الداخلية والخارجية

الصراع بين النخب السياسية التي خسرت مواقعها في السلطة ومن ثم نفوذها السياسي، وبين النخب الجديدة الصاعدة التي حلت محلّها، من أهم القضايا التي بحثتها الأدبيات السياسية المتخصصة بتحليل ودراسة مشاكل التحوّل الديمقراطي وأهم تحدياته، لأنها تبدأ منذ تغيير شكل نظام الحكم من دكتاتوري وشمولي، وتستمر حتى بتطبيق التداول السلمي للسلطة. إذ تقود عملية التغيير إلى إنتاج مأزق سياسي وتكون أعراضه المرضية سببا رئيسا للعنف ولعدم الاستقرار، وهو يكون نتيجة لثلاث متغيّرات:

أولها، توسّع الاتجاهات السياسية: فالتغيرات الاجتماعية التي تفرضها الدمقرطة تخلق اتجاهات لمجموعات سياسية واسعة مع مصالح متباينة غير منسجمة، وعندما تكون الديمقراطية بدائية وجزئية، فالانتشار الواسع لتحشّد المصالح الاجتماعية يجعل تشكيل تحالفات سياسية ثابتة صعبا للغاية.

وثانيها، المصالح غير المرنة والآفاق قصيرة المدى: فالمجاميع التي يهددها التغير السياسي بسبب التحوّل الديمقراطي، من ضمنها النخب السياسية ذات النفوذ، غالبا ما تعبّر عن خياراتها باتخاذ مواقف غير مرنة (متصلّبة جدا) تجاه مصالحها.

أما المتغير الثالث فهو التنافس على التحشيد الجماهيري: في فترة التحوّل الديمقراطي تكون لدى مجاميع النخب المهددة بالخسارة تحشيد تحالفات مع جماهيرها على أساس الأطر التقليدية، لتشكيل أجندة سياسية توظَّف في المساومات السياسية.

هذا التغيير يجب ألّا يكون من دون رؤية ومشروع جديدَين لترسيخ نمط مؤسساتي في إدارة الدولة

في العراق تأخر كثيرا بالظهور إلى السطح صراعُ النخب الخاسرة والنخب الصاعدة، إذ بدأ مع ظهور نتائج انتخابات 2018، بيد أن قوة وهيمنة القوى السياسية التقليدية تَمكن من احتواء القوى الجديدة الصاعدة؛ لأنها بالأصل لم تكن تملك مشروعا سياسيا سوى الرغبة بتعزيز نفوذها العسكري بالمناصب السياسية. 

ومن ثم كان مجيء عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء لضمان هيمنة القوى السياسية التقليدية، فهو ينتمي للمنظومة السياسية التي لم تتمكن من مغادرة منطق الشخصنة وتحالفات المعارضة قبل تغيير النظام. والتي تمارس الحكم بمنطق الأوليغارشيات السياسية رغم أنها وصلت للسلطة عن طريق الوسائل الديمقراطية.

ولذلك، عجزت عن استيعاب متغير سياسي جديد بات يفرض نفسه بحضور وتفاعل قوي، ألا وهو حركة الاحتجاجات التي بدأت في أكتوبر من العام الماضي. فالتظاهرات كانت تحمل نسقا احتجاجيا ومطلبيا يختلف عن الأشكال السابقة للاحتجاجات. إذ أنّها حددت قوتان كانت الأبرز بخسارة نفوذها: الأولى هي القوى التقليدية، والثانية هي القوى التي وصلت إلى مراكز التأثير بصنع القرار السياسي من خلال نشاطها العسكري، وهي مجموعة الفصائل المسلحة التي شكلت قائمة الفتح، والتي كانت انتخابات 2018 بوابة دخولها إلى نفوذ السلطة.

لكن قوى السلطة وأحزابها ظلَّت تنظر للحراك من خلال منظورها الضيّق باعتباره فورة شعبية مصيرها الفتور والاختفاء من الساحات! وهذا النمط من التفكير هو أساس المشكلة وكان يعبّر عن مأزق بالتفكير السياسي الذي يتعامل مع تطورات سياسية جديدة بحلول تقليدية.

بالنتيجة من قرأ حركة الاحتجاجات بموضوعية من بين الطبقة السياسية ووظفها لصالحه هو الذي كسب الفرصة للبقاء في السلطة. لكنَّ القوى التقليدية التي أصرَّت على مواقفها المتصلبة باتت هي الخاسرة، ولذلك تسعى إلى تحشيد زبائنها أو معارضتها لإجراءات الحكومة للتعبير عن مواقفها بخسارة مواقع السلطة.

وفي مقال سابق وصفت وصول مصطفى الكاظمي إلى منصب رئيس مجلس الوزراء بأنّه بداية كسر منظومة الاحتكار السياسي، ورغم الفترة القصيرة من استلامه السلطة، إلا أن ثمّة قوى سياسية وأخرى تعمل بعناوين مسلحة خارج إطار الدولة لم تتمكن من إخفاء شعورها بتهديد المصالح وتقليص دوائر نفوذها على صنع القرار السياسي.

واعتقد لأول مرة منذ بداية التغيير في 2003، بأن ملامح الصراع تبدأ بين نخب سياسية صاعدة وأخرى خاسرة، ويبدو ذلك واضحا بظهور وجوه جديدة في مواقع الفريق الحكومي تؤشر تفاعلا من قبل شرائح واسعة من الجمهور، لأنه يقدّم مؤشرا على مغادرة حاشية السلطة التي كانت تحافظ على مواقعها رغم التغيرات التي تحصل في منصب رئيس الحكومة.

يسعي الكاظمي إلى تغيير محيط السلطة، وهو البداية نحو تغيير نمط التفكير والتعاطي مع التغيرات السياسية الداخلية والخارجية. وهذا التغيير يعتبر من أهم ديناميكيات التقادم بالممارسة الديمقراطية؛ لأنه يؤشر فعلا خسارة نخب سياسية لمواقع نفوذها التي حصلت عليها ليس عن طريق الكفاءة والخبرة وإنما باعتبارها مناصب توزَّع على حسب القرابة الشخصية من الزعيم السياسي. 

المسؤولية الأولى والأخيرة للكاظمي وفريق حكومته ترسيخ ركائز مشروع التغيير نحو عودة الاعتبار للدولة

لكن هذا التغيير يجب ألّا يكون من دون رؤية ومشروع جديدَين لترسيخ نمط مؤسساتي في إدارة الدولة، وأن يغادر خطيئة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي الذي سعى لترسيخ العمل بنمط (الحكومة الموازية) والتي كان فريقها حاشية مقربة من شخصية عبد المهدي.

إلا أن تجاربنا السابقة مع الحكومات لا تجعلنا نفرّط بالتفاؤل، بل تفرض علينا التعاطي بحذر، لا بل بأقصى درجات الحيطة والحذر. فالتغيير بالعناوين والشخصيات لا يعني بالنهاية مغادرة العمل بمنظومة سياسية أنتجت الفشل والفساد والدمار طوال سبعة عشر عاما، وليس من المنطقي اعتبارها قد انهزمت من الجولة الأولى وهي التي رسخت تقاليد بيروقراطية وصفقات سياسية باتت تتحكم في إدارة الدولة ومؤسساتها. 

ومن ثم المسؤولية الأولى والأخيرة للكاظمي وفريق حكومته ترسيخ ركائز مشروع التغيير نحو عودة الاعتبار للدولة، وتهيئة الأجواء التي تساهم في تصحيح الانحرافات التي رسختها أحزاب السلطة وزعامتها. وهذا بحدّ ذاته لو تحقق سيكون منجزا تاريخيا لدماء ساحات التظاهرات التي كانت الفاعل الأول والأخير في كسر الاحتكار السياسي وصعود نخب سياسية جديدة للواجهة.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.