FILE PHOTO: People cast their ballots for the upcoming presidential elections as early voting begins in Ann Arbor, Michigan, U…
أكثر من 4 ملايين أميركي صوتوا في الانتخابات المبكرة حتى الآن

خمسة وعشرون يوما يفصلان أميركا والعالم عن انتخابات رئاسية مصيرية بين دونالد ترامب وجوزيف بايدن، ويبدو فيها الرئيس الأميركي في سباق مع الوقت ومع الوباء بعد إصابته بكوفيد وتراجعه أمام منافسه الديمقراطي.

ترامب يواجه اليوم امتحانا أصعب من الذي واجهه في العام 2016. فهو لم يعد مرشح التغيير بعد 8 سنوات على حكم الديمقراطيين، وشعبويته التي جذبت الكثيرين منذ أربع سنوات تصطدم اليوم بكآبة الواقع الصحي والاقتصادي في الولايات المتحدة وسجله الطويل في البيت الأبيض. المشكلة الأخرى التي يواجهها ترامب أنه ينافس جوزيف بايدن وليس هيلاري كلينتون، وأنه مقيد اليوم جغرافيا وصحيا بعد إصابته بفيروس كورونا الأسبوع الفائت.

تعكس استطلاعات الرأي مطبات متزايدة أمام ترامب للحاق ببايدن. فنظام الكليات الانتخابية يعني أن على أي مرشح حصد 270 كلية للفوز. وفي الولايات المتنازع عليها للوصول لهذا الرقم يتقدم بايدن ـ حتى اليوم ـ في معظمها، أي فلوريدا وبنسلفانيا ونورث كارولينا وميشيغان وويسكونسن وأريزونا وهي الولايات التي كان فاز بها الرئيس الأميركي في 2016.

ترامب قادر اليوم على تغيير عدة معطيات لكن عامل الوقت لا يلعب لصالحه

استراتيجية ترامب للفوز تصطدم أيضا بسلم أولويات الناخبين الأميركيين، حيث يتصدر الوباء والتشنج العنصري والاقتصاد هذا السلم. بايدن يتفوق على ترامب في أول ملفين، فيما هناك ثقة أكبر بترامب في ما يتعلق بالملف الاقتصادي. إلا أن الرئيس الأميركي ارتكب أخطاء صبت لصالح منافسه هذا الأسبوع، أولها إنهاء المفاوضات مع الكونغرس حول رزمة اقتصادية جديدة للحد من أضرار وباء كورونا، وثانيها الانسحاب من المناظرة التلفزيونية المقبلة بعد أن أصبحت افتراضية. هاتين الخطوتين لعبتا لصالح بايدن في وقت يحتاج ترامب لتغيير نبرة وشكل السباق.

هناك مخاوف داخل الحزب الجمهوري من أن يؤدي تراجع ترامب إلى موجة زرقاء تطيح بالبيت الأبيض وبالأكثرية اليمينية في مجلس الشيوخ وتبقي غالبية الديمقراطيين في مجلس النواب. هذا التخوف دفع الجمهوريين في مجلس الشيوخ إلى إبقاء مسافة من ترامب، مثل المرشحتان في أريزونا وماين مارتا ماكسالي وسوزان كولينز وبحيث رفضت كليهما دعم ترامب علنا في الولاية الثانية.

طبعا، ترامب قادر اليوم على تغيير عدة معطيات لكن عامل الوقت لا يلعب لصالحه. فرهانه على لقاح قريب سقط بعد تأكيد وكالة الغذاء والدواء أن أي لقاح سيخضع لشروط علمية وصحية صارمة قبل توفيره. هناك العامل الاقتصادي وخصوصا في حال أظهر الاقتصاد تعافيا غير مسبوق في الشهر الأخير قبل التصويت، لكن هذا غير متوقع بسبب عقدة الكونغرس وارتفاع إصابات كورونا في كل الولايات الأميركية ما عدا اثنتان هذا الشهر.

استراتيجية ترامب للفوز تصطدم أيضا بسلم أولويات الناخبين الأميركيين، حيث يتصدر الوباء والتشنج العنصري والاقتصاد هذا السلم

أما السياسة الخارجية، وحيث يحاول ترامب تثبيت موقعه كشخصية تريد الانسحاب من ساحات الحرب مثل العراق وأفغانستان وصنع السلام العربي ـ الإسرائيلي والإفراج عن الرهائن، فهذه الملفات ليست أولوية اليوم لدى الناخب في ويسكونسن أو أريزونا. يبقى إمكانية إحداث مفاجأة أكتوبر كقنبلة مدير الأف. بي. أي جايمس كومي والتحقيق الذي طال كلينتون في 2016.

من دون "مفاجأة أكتوبر"، السكة لإعادة انتخاب ترامب في الثالث من نوفمبر صعبة ومعقدة. أكثر من 4 ملايين أميركي صوتوا في الانتخابات المبكرة حتى الآن أي 50 مرة أكثر من النسبة التي صوتت في هذا الوقت في 2016 (75000). هذا يعني أننا أمام كثافة انتخابية قد تكون تاريخية خلال ثلاثة أسابيع ونصف لتقرير مصير ترامب والبيت الأبيض.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.