Quacy (L), Quintan, 12 (2L), Milo, 16 (2R) and Quacy Jr., 16 (R) holds signs as they walk in the rain after attending a protest…
متظاهرون في العاصمة الأميركية واشنطن

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل ثلاث سنوات ونصف إلى بناء جدار عازل بين الولايات المتحدة وجارتها الجنوبية المكسيك لفرض قيود على دخول المهاجرين من المكسيك ودول أميركا اللاتينية. ولكن قبل ستة أشهر من انتهاء ولايته، اضطر ترامب إلى بناء سور عال حول البيت الأبيض لحمايته من غضب الأميركيين. 

ومنذ جريمة قتل المواطن من أصل أفريقي جورج فلويد بعد أن خنقته ببطء طويل ركبة الشرطي الأبيض ديريك تشوفين قبل أسبوعين، انتشرت التظاهرات الغاضبة في خمسين ولاية وعشرات المدن الكبرى من بينها واشنطن. 

ومع أن معظم التظاهرات الاحتجاجية ضد قسوة الشرطة، التي أدت في السنوات الماضية إلى قتل عدد من الشباب السود العزل بأيدي أو رصاص رجال الشرطة، كانت سلمية إلا أن بعضها شهد أعمال عنف عشوائي ونهب على أيدي عناصر متطرفة وإجرامية. وهذا ما اراد الرئيس ترامب أن يراه في هذه الظاهرة التاريخية التي دفعت بالملايين من الأميركيين من مختلف الخلفيات العرقية والاجتماعية للنزول إلى الشوارع والساحات لإنهاء "ثقافة العنف" السائدة في العديد من مراكز الشرطة، والتي تعكس آفة التمييز العنصري المنظم في البلاد. 

الرئيس ترامب الذي يتحدث بالعموميات ويغالي في كل شيء ولا يبالي بالفروقات وصف المتظاهرين بـ "قطاع الطرق، و"الإرهابيين" الداخليين، وسارع إلى "عسكرة" الرد على التظاهرات، والضغط على حكام الولايات لقمع الاحتجاجات دون هوادة، وفرض "الهيمنة" على شوارع المدن الأميركية.

وهذه هي المرة الأولى منذ حركة الحقوق المدنية التي عمت الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي التي أنهت قانونيا سياسات التمييز العنصري، والتي قادها القس مارتن لوثر كينغ، الذي اغتاله رجل عنصري في 1968، التي تشهد فيها البلاد حركة اجتماعية احتجاجية واسعة ضد التمييز العنصري غير المكتوب. 

كشفت جائحة كورونا، والأزمة الاقتصادية الخانقة والتظاهرات الاحتجاجية أن الاستقطابات السياسية والأيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد هي أخطر مما يعتقد كثيرون

في ستينيات القرن الماضي كان قادة وجنود الحركة الاحتجاجية بمعظمهم من السود. هذه المرة، صحيح أن الاحتجاجات هي على قتل وخنق وإعدام شباب سود، وصحيح أن سياسيين ومثقفين ونشطاء سود وأعضاء في تنظيم "حياة السود مهمة" يقودون الاحتجاجات، إلا أن أغلبية المتظاهرين هم من البيض، ومعظم أطياف المجتمع المدني الأميركي. هذه الظاهرة هي من أهم ما أبرزته إلى السطح جريمة قتل رجل عادي كان مغمورا قبل أسبوعين.

التحدي الثلاثي

خلال الأشهر الثلاثة الماضية، واجهت الولايات المتحدة ثلاثة تحديات تاريخية. وسوف يشعر المجتمع الأميركي بتردداتها ومضاعفاتها لعقود من الزمن. في البدء كانت جائحة كورونا، التي أصابت أعراضها حوالي مليوني أميركي، وأدت إلى قتل أكثر من 110 ألف مواطن. الجائحة خلقت خلال أسابيع أكبر وأعمق أزمة اقتصادية منذ "الكساد الكبير" في ثلاثينيات القرن الماضي، ما أدى إلى تعطيل أربعين مليون أميركي عن العمل. 

وقبل أسبوعين، وبسبب سريان مفعول العزل الاجتماعي للوقاية من فيروس كورونا والتي فرضت على ملايين الأميركيين البقاء في منازلهم ومراقبة شبكات التلفزيون، شاهد هؤلاء بهلع وقائع موت جورج فلويد، التي خلقت حريقا اجتماعيا ليس من المتوقع أن يخمد جمره في أي وقت قريب.

معالجة واحد من هذه التحديات يتطلب قيادة حكيمة وبصيرة تصارح الأميركيين بصعوبة المرحلة وتوضح لهم ما هي التضحيات المطلوبة منهم للخروج منها بأقل الأضرار الممكنة. معالجة هذه التحديات الثلاثة في آن، يتطلب قيادة تاريخية من النوع الذي وفره رؤساء عظام كان آخرهم فرانكلين ديلانو روزفلت، الذي أخرج البلاد من الكساد الكبير، وقادها بحكمة خلال أحلك أيام الحرب العالمية الثانية، لتصبح بعد نهاية الحرب القوة العظمى الوحيدة في العالم. 

ولكن رئيس الولايات المتحدة خلال هذا التحدي الثلاثي هو رجل نرجسي بامتياز ويفتقر إلى الخبرة السياسية، ولا يمت إلى الخصال الحسنة بصلة، ويكذب بسهولة مدهشة، ويفكر أولا وأخيرا بمصالحه الشخصية. ولذلك لم يكن مستغربا أن يخفق إخفاقا سافرا في التصدي لأي من هذه التحديات، التي فرضت عليه مهمة مستحيلة، لأنه غير مؤهل سياسيا أو فكريا لاستيعاب أبعادها، ناهيك عن معالجتها.

ترامب يجد نفسه الآن محاصر سياسيا في البيت الأبيض، ومحاصر انتخابيا في عدد من الولايات المحورية التي فاز فيها في 2016، ولكنه يواجه تحديا جديا من منافسه الديمقراطي جوزف بايدن، ما أرغم حملته على إنفاق الأموال في ولايات مثل أوهايو وآيوا واريزونا وتكساس وجورجيا وويسكونسن، وهي ولايات كانت في معسكر ترامب قبل ستة أشهر. 

سياسيا، أدت تهديدات ترامب باستخدام القوة العسكرية لقمع التظاهرات، وإجراءاته المتهورة مثل استخدام العنف لتفكيك تظاهرة سلمية أمام البيت الأبيض يوم الاثنين الماضي، لكي يلتقط لنفسه صورة تذكارية حاملا نسخة من الإنجيل أمام كنيسة قريبة من البيت الأبيض، إلى نوع من التمرد في صفوف العسكريين المتقاعدين وغيرهم من الجمهوريين الذين خدموا في مناصب أمنية حساسة. 

وكان ترامب خلال مكالمة هاتفية مع الحكام الديمقراطيين لبعض الولايات التي شهدت تظاهرات وأعمال عنف، قد أنبهم على ما اعتبره ضعفهم في استخدام القوة لقمع التظاهرات، وهدد بنشر القوات المسلحة في هذه الولايات وتخطي صلاحيات الحكام من خلال إعلان تطبيق قانون قديم يعود إلى القرن الثامن عشر.

تمرد جمهوري

وفجأة وجد ترامب نفسه يتعرض لانتقادات لاذعة من جمهوريين نافذين وخاصة في المجال الأمني من الذين اتهموه بانتهاك الدستور وتأجيج المشاعر العنصرية، حيث أعلن بعضهم أنهم لن يصوتوا له في الانتخابات المقبلة، بينما أعلن البعض الآخر عن تأييدهم لمنافسه الديمقراطي جوزف بايدن. 

أبرز هؤلاء النقاد كان أول وزير دفاع في حكومة ترامب، الجنرال جيمس ماتيس الذي اتهم ترامب بتقسيم الأميركيين وبانتهاك الحقوق الدستورية للمواطنين الأميركيين من خلال التهديد باستخدام القوة العسكرية لمنعهم من التعبير عن أنفسهم.  وسارع الجنرال جون كيلي، الذي خدم كمدير للبيت الأبيض في السنة الثانية لترامب، إلى تأييد انتقادات الجنرال ماتيس.  

عسكريون سابقون من بينهم الأميرال مايك مالن الرئيس السابق لهيئة الأركان العسكرية المشتركة، والجنرال جون آلين القائد السابق للقوات الأميركية في أفغانستان انتقدوا ترامب بشدة لأنه يسعى لزج القوات المسلحة في الشأن الأميركي الداخلي، وهو ما يمنعه الدستور، حيث حذر الجنرال آلن من أن ما يحدث قد يكون مؤشرا على نهاية التجربة الأميركية الديمقراطية.

وقبل أيام وقّع عشرات المسؤولين السابقين الذين خدموا في مناصب أمنية حساسة من الحزبين على بيان اتهموا فيه الرئيس بخيانة واجباته الدستورية حين هدد باستخدام القوات العسكرية المسلحة لانتهاك حقوق المواطنين الأميركيين. وكان من بين هؤلاء عدد كبير من الجمهوريين مثل وزير الدفاع السابق تشاك هيغل والجنرال المتقاعد مايكل هايدن المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية السي أي إيه. 

التحديات الثلاثة التي واجهتها الولايات المتحدة في الأشهر الثلاثة الاخيرة، كشفت الأقنعة عن حقائق كثيرة ومؤلمة لا يريد العديد من الأميركيين مناقشتها بصراحة فظة كما يجب

وقالت مصادر مقربة من الرئيس الجمهوري الأسبق جورج بوش إنه لن يصوت لترامب، بينما قال السناتور الجمهوري ميت رومني الذي صوت لعزل ترامب في مجلس الشيوخ قبل أشهر أنه لن يصوت له. يوم الأحد مشى رومني في تظاهرة في شوارع واشنطن للتنديد بالتمييز العنصري. من جهتها أعلنت عضوة مجلس الشيوخ الجمهورية ليزا ميركاوسكي تضامنها مع النقد اللاذع الذي وجهه جيمس ماتيس للرئيس ترامب كما انتقدت الرئيس على قمع التظاهرات أمام البيت الأبيض، ما دفع ترامب للقول إنه سيؤيد منافس ميركاوسكي لعضوية مجلس الشيوخ. 

ويوم الأحد انضم الجنرال المتقاعد ووزير الخارجية السابق كولن باول إلى جوقة الجمهوريين المنددين بترامب وقال إنه لا يمكن أن يصوت لرئيس لا يلتزم بالدستور الأميركي، وأعلن في مقابلة تلفزيونية أنه سيصوت للمرشح الديمقراطي جوزف بايدن. 

هذه الأصوات الجمهورية النافذة سوف توفر الغطاء السياسي للمشرعين والحكام الجمهوريين الذين اعترضوا على تعامل ترامب مع التحديات الثلاثة التي تواجهها البلاد وقد تشجع بعضهم على انتقاد ترامب علنا. 

هذا التمرد، الذي يراه مراقبون كثر أنه جاء متأخرا، يعكس إدراكا متزايدا، في بعض أوساط الجمهوريين من أن ترامب غير مؤهل لقيادة البلاد في هذه المرحلة الحرجة، وأن التجديد له لولاية ثانية سوف يؤدي ربما إلى تقويض التجربة الديمقراطية الأميركية.

الأسئلة الصعبة

كشفت جائحة كورونا، والأزمة الاقتصادية الخانقة والتظاهرات الاحتجاجية أن الاستقطابات السياسية والأيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد هي أخطر مما يعتقد كثيرون، وأن الاقتصاد الأميركي القوي قبل الانتكاسة الأخيرة، فرض على الطبقة الوسطى أعباء كبيرة تهدد باقتلاع الملايين من هذه الطبقة بسبب الهوة المتنامية في معدلات الدخل بين العمال الذين يحتلون المرتبة المتدنية في هذه الطبقة، وبين المهنيين والمتعلمين وغيرهم الذين ينتمون إلى الشريحة العالية في الطبقة، ناهيك عن الفوارق في الدخل بين الطبقة الوسطى ككل، والطبقات الميسورة. 

جائحة كورونا، تسببت في قتل عدد كبير من الأميركيين من أصل أفريقي أو من أصول أميركية لاتينية، بسبب الدخل المتدني لهذه الفئات التي تضطر للعيش في شقق مزدحمة بسبب فقرها. جائحة كورونا كشفت الزيف الاجتماعي والاقتصادي في البلاد. 

وجد ترامب نفسه يتعرض لانتقادات لاذعة من جمهوريين نافذين وخاصة في المجال الأمني من الذين اتهموه بانتهاك الدستور وتأجيج المشاعر العنصرية

في 2005، كشف إعصار كاترينا المدمر، مدى تدهور الحياة المدينية في الولايات المتحدة، عندما أخفقت مدينة نيو أورلينز، في ولاية لويزيانا، التي ضربها الإعصار في توفير أبسط الخدمات الإغاثية لمواطنيها. فجأة اكتشف سكان المدينة ومعهم الشعب الأميركي أن الأضواء الباهرة للمدينة كانت تخفي وراءها واقعا معيشيا قاتما وتناقضات اقتصادية خانقة. 

التحديات الثلاثة التي واجهتها الولايات المتحدة في الأشهر الثلاثة الاخيرة، كشفت الأقنعة عن حقائق كثيرة ومؤلمة لا يريد العديد من الأميركيين مناقشتها بصراحة فظة كما يجب. ولكننا بدأنا نرى في الأيام الأخيرة متظاهرين كثيرا، ومحللين مختلفين يطرحون الأسئلة الصعبة من نوع: كيف يمكن معالجة المشاكل البنيوية الاقتصادية التي تبقي الأقليات في موقع اقتصادي مترد من الصعب الخروج منه؟ كيف يمكن تطبيق القوانين الرسمية عندما تكون هناك قوى سياسية وقوى ضغط تتمتع بنفوذ سياسي ومالي يمنع التطبيق الكامل لهذه القوانين؟ (هناك شكاوى كثيرة في سياق الاحتجاجات ضد دور النقابات التي تمثل عناصر الشرطة والتي تعارض بشدة محاسبة انتهاكات هذه العناصر لحقوق الأميركيين وخاصة الأقليات). 

وهناك أسئلة أعمق من نوع كيف يمكن تطوير الصيغة الفدرالية في البلاد بطريقة تضمن إجراء انتخابات حرة بالمطلق، ولا تخلق العوائق والقيود أمام الفقراء والأقليات، وهو ما يحدث في بعض الولايات التي يحكمها الجمهوريون. كيف يمكن تخطي الإرث العنصري خارج القوانين، وهؤلاء يتحدثون عن شيء مماثل لما يقال في العالم العربي، من أن المشكلة ليست بالضرورة في النصوص بل في النفوس. وأخيرا ما هي الدولة الأميركية الديمقراطية الحقيقية والعادلة التي نريدها لأنفسنا، والاعتزاز بها أمام العالم؟ وفي أي مجتمع مدني نريد أن نعيش؟

أسئلة صعبة سيستمر البحث عن أجوبتها لوقت طويل.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.