ترامب يأمل في أن يبقي هوامش منافسه الديموقراطي جو بايدن منخفضة في بنسلفانيا وولايات أخرى متأرجحة
ترامب متوجها لمناصريه من شرفة في البيت الأبيض

يبدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم (الاثنين) نشاطاته الانتخابية خارج واشنطن للمرة الأولى منذ إصابته بفيروس كورونا، بعد أن أعلن أطباءه أنه لم يعد يشكل خطرا على الآخرين، وبعد أن ادعى أنه طور مناعة ضد الفيروس، وهو ادعاء سارعت شبكة تويتر إلى تفنيده "لأنه مضلل ويتضمن معلومات يمكن أن تكون ضارة" للمصابين بفيروس كورونا.  

وسوف يعقد ترامب هذا الأسبوع مهرجانات انتخابية مفتوحة في ولايات فلوريدا وبنسلفانيا وآيوا، التي تعتبر من بين الولايات المتأرجحة التي ستحسم الانتخابات.  ويقول المسؤولون في حملة ترامب إنه سيواصل مهرجاناته الشعبية خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة حتى يوم الانتخابات في الثالث من نوفمبر. 

وبغض النظر عن حالته الصحية حيث لا تزال الأسئلة الطبية والعلمية تحيط بها نظرا لتردد البيت الأبيض في الكشف الكامل عن العلاج الذي خضع له ترامب، فإن صحته السياسية لا تزال متدهورة واحتمالات معافاته صعبة للغاية لأن الهوة التي تفصله عن منافسه الديمقراطي جوزف بايدن تتسع باستمرار لصالح بايدن إن كان في استطلاعات الرأي التي تجرى على الصعيد الوطني، وتلك التي تنظم على صعيد الولايات الحاسمة. ويبيّن تاريخ الانتخابات الرئاسية أن المرشح الذي يحتل المكانة التي يحتلها ترامب الآن، لا يستطيع إحياء حملته وفرصه بالنجاح في مثل هذا الوقت المتأخر في السباق.

ويدرك الرئيس ترامب أنه في سباق مع الزمن، وعليه التعويض عن خسارته لعشرة أيام بسبب إصابته بالفيروس، لتعزيز وضعه الانتخابي في الولايات المتأرجحة، كما يدرك أن شريحة الناخبين الذين لم يحسموا أمرهم حتى الآن تتضاءل باستمرار خاصة وأن حوالي عشرة ملايين ناخب قد أدلوا بأصواتهم إما بواسطة الاقتراع البريدي أو التصويت المباشر في 38 ولاية.

المفارقة أن تقدم بايدن في استطلاعات الرأي والتبرعات السخية من الناخبين للمرشحين الديمقراطيين، لا تلغي مشاعر القلق في أوساط القيادات الديمقراطية

خلال الأسابيع الماضية، جميع قرارات وأفعال وتصريحات وتغريدات ترامب بدت وكأنها مصممة للإساءة إليه كرئيس وكمرشح. ولا تزال مواقفه وتصرفاته بشأن فيروس كورونا تمثل نقطة ضعفه الكبيرة. ترامب لم يتعامل بجدية مع الجائحة منذ اجتياحها للولايات المتحدة في بداية السنة الحالية، كما لم يتعامل بجدية مع الفيروس حتى بعد أن وصل إليه. ويجد العديد من الأميركيين صعوبة بالغة في تصديق تصريحات المسؤولين في البيت الأبيض بمن فيهم تصريحات فريق ترامب الطبي. المسؤولون في البيت الأبيض يدلون بتصريحات متناقضة حول صحة، وأحيانا مكان وجود الرئيس ترامب، أو حول تقدم أو تعثر المفاوضات مع الديمقراطيين في مجلس النواب حول الإعانات المالية التي يفترض أن تقدم للمواطنين أو لأصحاب المصالح الاقتصادية الصغيرة في هذه المرحلة الانتقالية. 

وفي حين قال مستشار الأمن القومي روبرت أوبرايان إن الولايات المتحدة ستخفض عديد قواتها في أفغانستان إلى 2500 عنصر في بداية السنة المقبلة، ناقضه ترامب قائلا إن جميع القوات الأميركية ستنسحب من أفغانستان مع حلول عيد الميلاد. هذا التخبط في البيت الأبيض ينعكس على الحملة الانتخابية، التي يقوم الرئيس شخصيا بإدارتها والتحكم بوتيرتها في مقابلاته المتكررة مع مذيعي شبكة فوكس وعبر شبكة تويتر.

ويواصل ترامب سياسة الأرض المحروقة ضد جوزف بايدن ونائبته كامالا هاريس التي ادعى ترامب أنها "شيوعية"، ووصفها بـ "الوحش". ترامب قال إن فوز بايدن يعني انهيار مكانة الولايات المتحدة الاقتصادية في العالم، وشيوع الفوضى في شوارع المدن الأميركية لأن بايدن سوف يحرم الشرطة من مصادر التمويل، وذلك على الرغم من أن بايدن كان قد اقترح زيارة ميزانيات مراكز الشرطة، ورفض مرارا طلبات بعض الشخصيات اليسارية في الحزب الديمقراطي وقف تمويل مراكز الشرطة، في أعقاب التظاهرات وأعمال الشغب التي تلت قتل المواطن الأفريقي الأصل جورج فلويد بعد أن خنقته ركبة شرطي أبيض. ومؤخرا عاد ترامب إلى محاولة إحياء قضية مخاوف بعض الناخبين الأميركيين وخاصة المتقدمين في السنّ من احتمال شيوع أعمال العنف وأعمال الشغب في حال فوز المرشح الديمقراطي.

وفي هذا السياق حوّل ترامب يوم السبت الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض إلى ساحة مفتوحة لمئات من أنصاره ليلقي عليهم خطابيا انتخابيا وتقسيميا بامتياز. ومع أن معظم الحضور استخدموا الأقنعة الواقية، إلا أن المكان كان مكتظا بهم. وألقى ترامب من وراء شرفة البيت الأبيض خطابا قصيرا بمقاييسه، أراد منه طمأنة مؤيديه بأنه تخطى الفيروس. 

العنوان الذي أعطاه البيت الأبيض للمناسبة هو "تظاهرة سلمية من أجل القانون والنظام". وبينما كرر ترامب اتهام الديمقراطيين بالتقاعس في مكافحة أعمال الشغب التي تقوم بها جماعات يسارية، تفادى كليا الإشارة إلى أعمال العنف التي تقوم الجماعات اليمينية المتطرفة التي يقول كريستوفر راي مدير مكتب التحقيقات الفدرالي (الأف بي آي) أنها تشكل الخطر الأكبر على السلم الأهلي. كذلك تفادى ترامب الإشارة إلى المؤامرة التي كشفها الأف بي آي قبل أيام حول تخطيط ميليشيا يمينية متعصبة لاختطاف حاكمة ولاية ميتشغان غريتشين ويتمور لمحاكمتها بتهمة "الخيانة" على حد زعمهم والتسبب بحرب أهلية.

تبين الوثائق التي قدمها عدد من المرشحين الديمقراطيين لمقاعد في مجلس الشيوخ أنهم جمعوا تبرعات عالية من ولاياتهم ومن خارجها، وذلك في مؤشر آخر بأن الانتخابات المقبلة ستكون مختلفة عن انتخابات 2016

وجاء في استطلاع على المستوى الوطني لصحيفة واشنطن بوست وشبكة التلفزيون أي بي سي أن بايدن يحظى بتأييد 54 بالمئة من الناخبين الأميركيين مقابل 42 بالمئة يؤيدون ترامب، أي بفارق 12 نقطة لصالح المرشح الديمقراطي. هذا الفارق كان بنسبة 10 بالمئة في سبتمبر الماضي لصالح بايدن. ومع أن الاستطلاعات في الولايات المتأرجحة تبين أن بايدن متقدم على ترامب وإن بنسب أقل، إلا أن الاتجاه العام للحملتين واضح للناخبين.

وتبين الاستطلاعات ومؤشرات أخرى أن نسبة الأميركيين الذين لم يقرروا بعد لمن سيصوتون، هي الآن أقل بكثير مما كانت عليه قبل 4 سنوات، وكذلك نسبة الذين صوتوا لمرشحين لأحزاب صغيرة، ومعظم هؤلاء صوتوا أو يميلون للتصويت لبايدن. ويواجه ترامب وغيره من المرشحين الجمهوريين لمقاعد في مجلسي النواب والشيوخ مشكلة انحسار التبرعات المالية لتمويل الحملات الدعائية في الأسواق المكلفة ماليا في المدن الرئيسية في ولايات مثل فلوريدا وبنسلفانيا. وتبين الوثائق التي قدمها عدد من المرشحين الديمقراطيين لمقاعد في مجلس الشيوخ أنهم جمعوا تبرعات عالية من ولاياتهم ومن خارجها، وذلك في مؤشر آخر بأن الانتخابات المقبلة ستكون مختلفة عن انتخابات 2016.

المفارقة أن تقدم بايدن في استطلاعات الرأي والتبرعات السخية من الناخبين للمرشحين الديمقراطيين، لا تلغي مشاعر القلق في أوساط القيادات الديمقراطية والناخبين الديمقراطيين تقليديا الذين تعاملوا مع فرص فوز ترامب في 2016 باستخفاف كبير. صحيح أن ترامب متخلف عن بايدن، في معظم إن لم يكن في جميع استطلاعات الرأي، إلا أن أشياء كثيرة يمكن أن تحدث خلال ثلاثة أسابيع، أشياء يسميها ترامب "عجائب" وهي لا تمت للعجائب بصلة، أو ما تخشى منه الحملات الرئاسية في هذا الوقت المتأخر في السباق، أي "مفاجأة أكتوبر". ولهذا يلقبون الأسبوع منها في موسم الانتخابات الأميركية بـ "الأبدي".

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.